القبعة المخفية
نُقل هذا المقال من مصادر نصية بشكل آلي ودُقّق لغوياً بشكل آلي.
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
الحمدلله وبعد،،
دعونا نتخيل المشهد التالي: لوجاءنا رجل ينسب نفسه إلى المشيخة والفتيا، وأخذ يردد أن (العبرة بالكتاب والسنة) وأن المرجع الحاكم هو (النص الشرعي) لا غير، فكلامه هاهنا تنظير صحيح لا غبار عليه، لكن حين جئنا لجرد فتاوى هذا المنتسب للمشيخة وجدناه يفتي في كل المسائل بما يوافق مراد السلطان، ولا يخرج عن ذلك قيد شعرة، سواءً كانت المسألة تتعلق بالعقيدة أو أموال الناس أو المسائل السلوكية الخ.
سؤالي هنا: هل تتوقع أن الناس سيصدقون هذا الشخص؟ وأنه فعلاً لم يكن يتبع هوى السلطان في كل هذه المسائل وإنما وافقه عَرَضاً هكذا؟ يعني أن توافُق عامة فتاواه مع مراد السلطان إنما وقع اعتباطاً ومصادفةً لا عن ميول مسبقة؟
بالطبع لن يصدق الناس ذلك، لكن كيف توصل المتلقون إلى التأكيد بأن هذا الشخص ليس مرتبطاً بالنصوص بقدر ما هو مرتبط بمؤثر خارجي يحمل النصوص عليه؟
ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن ما يكشف التوجه الحقيقي للخطاب ليس (القاعدة المعلنة نظرياً) ولا (المسألة والمسألتان) ، وإنما (كثرة المسائل) هي التي تكشف القواعد الفعلية المضمرة، فالقواعد المتبناة فعلياً تسري في التفاصيل ويستخلصها المتلقون منها فيعرفون أصول الشخص من خلال انبثاثها في تطبيقاته ومواقفه، والقواعد منبثة في الفروع كانبثاث الأعصاب في جسم الإنسان.
هل هذا معنى جديد؟ لا، أبداً، فقد نبه المحققون من أهل العلم بشكل مبكر على أن كثرة التطبيقات تكشف القواعد الحقيقية للشخص حتى وإن لم يصرِّح بها، ومن هذه التنبيهات الرائعة مقولة شيخ غرناطة العلامة الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام حيث يقول (ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات) [الاعتصام للشاطبي، 2/201] وهذا الاقتباس من عيون تجليات الشاطبي رحمه الله.
حسناً انتهينا الآن من مشهد فقيه السلطان دعونا ننتقل لمشهد آخر:
لو جاءنا شخص ينتسب إلى التجديد الديني وقال لنا أن مشروعه هو تجاوز التقليد، ونبذ المألوفات التي نسبت للشريعة خطأً، وإعادة فحص الفتاوى الشائعة، وأن لا عبرة إلا بالنص الشرعي فقط، وأن هذا هو الطريق لنهضة الفقه وتقدم الخطاب الديني.
فما رأيكم في هذا الكلام؟ بالنسبة لي –شخصياً- أرى أن هذا تنظير في غاية الروعة، ولا يستطيع باحث موضوعي كائناً من كان أن يعترض عليه، بل هذا مطلب شرعي أصلاً. لكن حين جئنا للمواقف الجزئية والفروع والتطبيقات وجدنا هذا الشخص يحاول أن يميل بالمسائل لموافقة الفكر الغربي والقيم الغربية والثقافة الغربية، أو على الأقل عدم التصادم بها.
فإذا كان الحكم الشرعي يتصادم مع مقررات الثقافة الغربية تطلب له المخارج، فإن كان الحديث فيه مدخل تشبث بتضعيفه وصار من المتشددين في التصحيح، وإن كان الحديث ثابتاً لا مدخل عليه لكن يوجد حديث ضعيف معارض له قفز إليه وصار في غمضة عين آخذا بمنهج المتساهلين في قبول الأحاديث وأن التشدد في الأسانيد خطأ.
فإن كان الحديث صحيحاً ولا معارض له؛ نبش التراث بحثاً عن مخالف، فتارة يقول لك نُقِل عن ابن شبرمة، وتارة يقول لك نُقِل عن أبي ثور، وهو لا يعير هؤلاء أصلاً أدنى مرجعية لكن يبحث عن أقرب مخرج طوارئ، وصار “مجرد” وجود الخلاف مبرراً لترك الحكم الشرعي المعارض للثقافة الغربية.
فإن لم يجد مخالفاً في التراث الإسلامي يظهر لك -وإن كان على خجل أحياناً- بعبارات تتحدث عن أن تجربة السلف تجربة عظيمة لكنها لا تلزمنا!
أو يبدأ يتحدث عن المقاصد الشرعية وأننا أهلمنا المقاصد ولم نفهم المقاصد ولا زلنا نجهل الشاطبي الخ وطبعاً يعني بالمقاصد ليست المقاصد الشرعية كما يعرفها الأصوليون وأهل العلم وإنما يقصد تحويل النصوص الجزئية إلى معني سيال لا ينضبط، وغالب من يردد المقاصد في هذا السياق يعنون بالمقاصد تعطيل حجية النصوص الجزئية، ويظن أن هذا هو معنى المقاصد.
لماذا كل هذا الدوران؟ لأنه تشبع بالثقافة الغربية المهيمنة وصار يرى بمنظارها ويحاكم الأمور إليها بشعور، وهو قليل، وبلا شعور، وهو الأكثر .. أنا لا ألوم الغربي أن يقيّم المسائل طبقاً لما تقرؤه عينه الزرقاء .. لكني ألوم العربي أن يقيِّم المسائل بعين مزرقّة.. يالطيف يارب .. يعني معقولة كل هاتيك القرون ما فهمت حكم الله ورسوله وفهمه مجموعة من المفكرين المعاصرين؟!
وهكذا كان فقهاء ومجاهدي الإسلام جميعاً وبلا استثناء يقررون جهاد الطلب ويذكرون أحكامه الشرعية، ومافتوح الإسلام وغزوات المجاهدين في أصقاع الأرض إلا جهاد طلب؛ ثم جاءنا هؤلاء وصاروا يتطلبون المخارج لجهاد الطلب.
وهكذا كان فقهاء القرون المفضلة والمذاهب الأربعة يقررون الحسبة والإنكار ويذكرون تفاصيل نصوصها وأحكامها الشرعية، ثم بعد كل هذه القرون جاءنا مجموعة من المفكرين وقالوا كل هذا خطأ، وإنما يفرق في المنكر بين التعدي على الآخرين وبين المنكر الشخصي، فالمنكر الشخصي الذي لا يضر الآخرين لا إنكار فيه.
من أين يا أحبابنا أتيتم بهذا الضابط الجديد في فريضة الحسبة والإنكار؟ هل هذا هو المبدأ الغربي (تنتهي حريتك حين تبدأ حرية الآخرين) ؟ قالوا: معاذ الله، بل هي قراءة موضوعية غير تقليدية للنصوص الشرعية!
الجميع يدرك وبأبسط ملاحظة أنه لا جديد أصلاً في المعطيات الشرعية، وإنما الجديد هو أن تلك العقول تشبعت بثقافة الانسان الغربي وصارت تميل إلى موافقته، وتريد أن تقنع نفسها، وتقنعنا معها، أنها في كل هذه الانحيازات لثقافة الغربي أنها قراءة تجديدية مستقلة موضوعية محايدة تفتح باب الاجتهاد وبعيدة عن أي مؤثرات غربية.
كل هذه التفاصيل والمسائل التي وليتم وجوهها شطر البيت الأبيض وقعت هكذا اتفاقاً ومصادفةً ؟ معقولة يا جماعة؟
المهم .. لو جاءنا هؤلاء وقلنا لهم: أنتم تتبعون الثقافة الغربية ولا تتبعون النصوص الشرعية، فقالوا لنا: أبداً، هذا ظلم وتجني، كل المسائل التي عملنا فيها لنا فيها وجه شرعي، وما حدث من موافقة الفكر الغربي في هذه المسائل فهي موافقة عرضية وليست مقصودة.
فهل يا ترى سيصدق الناس ذلك؟ اشهدوا علي بالبلاهة إن صدقت ذلك .. ياجماعة هذا والله إزراء بالعقول أن نصدق أن أحكام وأصول شرعية بعد خمسة عشر قرن تم تغييرها إلى ما يوافق ثقافة الغربي ويقول لنا أصحابها أن هذا كان بعد بحث لهم ونظر في النصوص! يالبراءتهم وطيبتهم وهم يدّعون ذلك! بل كل من ظهرت في تطبيقاته هذه الميول علمنا قطعاً أن تحت عمامته قبعة مخفية..
والمراد أنه إذا جاءنا رجل وسكب علينا مقطوعات لذيذة في تعظيم النص وحجيته، وأنه مقدم على كل الآراء والأذواق والثقافات، ثم كلما جاء لمسألة شرعية حرفها لتوافق الثقافة الغربية، تارة بتضعيف لفظ النص، وتارة بتأويل معنى النص، فهاهنا يتبين من كثرة هذه الجزئيات أن لدى هذا الرجل أصلاًَ بدعياً وهو “تغريب الفقه الإسلامي” حتى ولو لم يصرح بهذا الأصل المنحرف، بل حتى لو صرح بنقيض هذا الأصل.
وقد نبه القرآن إلى سر هذه المسألة وهي أن الاحتكام للنص ليس مجرد قاعدة معلنة، بل يجب أن يظهر في التطبيقات والفروع، كما يشير القرآن لذلك في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) [النساء 60] فهم نظرياً أعلنوا الإلتزام بالنصوص، وعملياً تولوا عنها..
كما نبه القرآن إلى ظاهرة (العلاقة البراجماتية مع النص) وهم أولئك الذين يتمسكون بالنصوص إذا كانت تؤدي إلى أهوائهم، ويتملصون منها إذا عارضت أهواءهم، كما يقول تعالى: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ** وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) [النور 48]
والله تعالى أعلم. أبو عمر شعبان 1431هـ 15 يوليو 2010
بطاقة: حرفًا