تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

أقيسة الاختلاطيين

ثالثاً: ما ضابط التفريق بين اليسير والكثير؟

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 13-15 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 4 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابأقيسة الاختلاطيين

بعض الاختلاطيين صار يعترض على تمييز أهل العلم بين الاختلاط العارض العابر الذي يكون في زمن يسير، وبين اختلاط المكث الذي يكون في زمن كثير أو دوري يتكرر، وصار يقول: لا ضابط في التفريق بين اليسير والكثير إلا التحكم والنسبية الشديدة!

وهذا الاعتراض لا يقوله غالباً إلا متفذلك يريد التشغيب على مسألة واحدة وهو يهدم أصلاً كاملاً! فالتفريق بين اليسير والكثير تحيله الشريعة غالباً إلى عرف الناس، كما قال الإمام ابن قدامة (والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف) [المغني 1/351]

ولو أبطلنا التفريق بين اليسير والكثير لعدم تعيين الشارع مقداراً فارقاً لأبطلنا أحكاماً شرعية كثيرة بناها الشارع على ذلك، كما أجاز الشارع لبث الجنب زمناً يسيراً في المسجد فقال تعالى (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء:43]، فهل نرد هذه الآية ونبطل دلالتها لأنه لا ضابط حاسم في “عبور السبيل” إذ الناس يختلفون في زمن عبور السبيل؟!

وكذلك فإن الشارع فرق بين الغرر اليسير والكثير، وهذا أصل كبير داخل في كل عقد من عقود المعاوضات، ومع ذلك فإن الشارع لم يعين لنا حداً حاسماً في التفريق بين الغرر اليسير والكثير بل أحالنا إلى العرف، فهل يجوز أن نقول لا ضابط حاسم في الفرق بين اليسير والكثير وبناءً على ذلك نبطل تفريق الشارع بين الغرر اليسير والكثير؟!

فمن يسقط التمييز بين الاختلاط العارض واختلاط المكث بحجة عدم وجود حد حاسم بين اليسير والكثير فقد يظن أنه سيلغي مسألة الاختلاط لكنه في الحقيقة هدم أصلاً شرعياً عظيماً، وهذا يذكرني بمن طعن في حجية السنة ليسقط حديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ولم يعلم أنه بذلك أسقط -أيضاً- حديث (أنتم أعلم بأمر دنياكم)!

والمراد أن هذا “القياس الفاسد” إذا تأمله المرء فلابد أن يتذكر الأقيسة الفاسدة التي أشار إليها القرآن، وكيف تسببت في ضلال كثير من الناس، فمن ذلك قياس الربويين حين قاسوا الربا على البيع وأنه لا فرق بينهما كما حكى الله استنباطهم فقال (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: 275]، فالبيع والربا كلاهما مبادلة رضائية بين طرفين، وكما ينتفع أحدهما بالمال فإن الآخر ينتفع بالفائدة، فقد يتوهم بعض الناس أن هذا من العدل، وأن حرمان المقرِض من الفائدة لقاء تنازله عن المال للمقترض زمناً معيناً ظلماً، ومع ذلك فلم يقل الله هذا قياس اجتهادي له وجه فلا بأس به، بل أكذبهم الله سبحانه بنفسه وحذرهم بلغة مخيفة فقال سبحانه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: 275].

بل إن توهم العدل في الربا أظهر من توهم قياس اختلاط المكث -الذي يؤدي غالباً لنظر محرم وكلام محرم- على الاختلاط العابر الذي يكون في الطرقات والمطاف، بل كيف يكون قياس الربا الذي فيه معاوضة بين التنازل عن المال لقاء فائدة يسيرة، أشنع من قياس اختلاط المجالسة الذي يؤدي إلى الفجور والفواحش على اختلاط عابر عارض؟! فانظر كيف توعد الله الربويين في قياسهم، واعتبر هذا بقياس الاختلاطيين.

وكذلك –أيضاً- قياس اليهود الميتة على المذكاة “قياس أولى” فقالوا كما في سنن أبي داود وغيره (عن ابن عباس قال: خاصمت اليهود النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا محمد، نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله) [ابوداود، 2821].

فبالله عليك تأمل في قياس اليهود هذا، يقولون المذكاة قتلها المكلف، والميتة قتلها الله، فكيف يجوز ما قتلناه ولا يجوز ما قتله الله؟! وهذا من جنس قياس الاختلاطيين الذين يأخذون وجه شبه واحد، ويدعون أوصافاً أخرى فارقة مؤثرة.

فلله كم نفع فقهَ الشريعة القياسُ الصحيح المزكى بنور الوحي، وكم ضلت أمم بسبب القياس الفاسد.

هذا ما يتعلق بالإشكالية الأولى، وهي قياسهم اختلاط التعليم والعمل على اختلاط المطاف والطريق، لننتقل الآن إلى الإشكالية الثانية.

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ