الأسهم المختلطة
نقد نظرية الأسهم النقية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
تتداول المجالات الإلكترونية الإسلامية هذه الأيام مجموعة من القوائم يسمونها (قائمة الأسهم النقية) أو (قائمة الشركات النظيفة) أو (القائمة البيضاء) ونحو هذه المسميات، ويفترض الباحثون الفضلاء المصدرون لهذه القوائم أن هناك ثلاثة أشكال للشركات المساهمة المحلية يمكن الإشارة للتصور المطروح لها في الأقسام الثلاثة التالية:
١- الشركات المحظورة: وهي الشركات المساهمة التي أصل نشاطها محرم، أو التي غلب عليها التمويلات والاستثمارات المحرمة، ويمثل لها بعض هذا الفريق بالشركات التالية: مجموعة سامبا والتعاونية والغاز ونحوها.
٢- الشركات المختلطة: وهي الشركات المساهمة التي أصل نشاطها مباح، وغلب على تمويلاتها واستثماراتها العقود المباحة لكنها لا تخلو من نسبة يسيرة من التمويلات والاستثمارات المحرمة، ويمثل لها بعض هذا الفريق بالشركات التالية: سابك والاتصالات والكهرباء وجرير والدوائية ونحوها.
٣- الشركات النقية: وهي الشركات المساهمة التي نشاطها وتمويلاتها واستثماراتها مباحة وليس فيها أية مخالط محرم لا كثير ولا يسير، ويمثل لها بعض هذا الفريق بالشركات التالية: بنك الراجحي واتحاد اتصالات ونحوها.
ويلاحظ المتابع لهذه القوائم أن المصدرين لها يقومون بتحديثها تباعاً وبشكل دوري في كل دورة ربع سنوية تقريباً فيتم ترقية بعض الشركات إلى مرتبة النقية أو يتم استبعاد بعض الشركات النقية وخفض مرتبتها إلى المختلطة مثلاً حسب نتائج تحليل القوائم المالية. وهناك اختلاف يسير بين القوائم الشائعة في تحديد الشركات النقية لكنها على كل حال تقارب العشرين شركة.
ويرى فريق من الباحثين الفضلاء أنه لا يجوز المشاركة إلا في هذه القائمة التي يصدرونها تحت مسمى (القائمة النقية)، كما يرون أنه يجوز المشاركة في هذا القسم الثالث المسمى القائمة النقية دون تطهير أو تخلص من أية نسبة من الأرباح، أما القسم الأول والثاني فيرون أنه لا يجوز المشاركة فيها لا بالتخلص من نسبة من الأرباح ولا بغير ذلك.
وفي تقديري، أن هذا التصور المطروح للشركات المساهمة والشائع في المجالات الإلكترونية يعتبر تصوراً غير دقيق وتعود المشكلة الأساسية في هذه النظرية إلى الخلل والاضطراب في (معايير قياس النقاء) بمعنى الضوابط التي على أساسها يتم تحديد كون الشركة نقية أم مختلطة، ذلك أن هذا المعيار الذي قسمت هذه الشركات المساهمة على أساسه يتعارض مع القواعد الشرعية والواقع المشهود، ويمكن لنا الإشارة لبعض محاور هذا الخلل والاضطراب فيما يلي:
أ- الخلل في زمن المعيار:
في إصدار الحكم بنقاء الشركة لا يقوم هذا الفريق المصدر للقوائم النقية بدراسة وتحليل القوائم المالية لكافة الفترات السابقة في الشركة محل الدراسة، كما أنه لم يلتزم بوضع أية معايير لاختيار مدى التزام الشركة في خططها المالية القادمة، وإنما يكتفي بدراسة آخر قائمة مالية لآخر دورة ربع سنوية مثلاً فإذا سلمت من القروض والإيداعات الربوية في الثلاثة أشهر السابقة أبيح تداولها في الفترة اللاحقة وتم إدراجها في القائمة النقية.
ويلاحظ على هذا الزمن المستحدث في (ضابط نقاء الأموال) أنه
يتضمن تحكماً محضاً بلا دليل شرعي يسنده، بل القواعد الشرعية على خلافه.
ذلك أن هذا التحليل والدراسة لآخر قائمة مالية هو في جوهره وحقيقته ليس علماً بنقاء الشركة في الفترة المالية القادمة بقدر ما هو معيار تنبؤي بمستقبل شرعية السياسات المالية للشركة، ومحاولة لاستشراف وتوقع التعاملات القادمة في الشركة المساهمة محل الدراسة، ومن المعلوم من تصفح جزئيات الشريعة أن بناء العقود على الأمور المستقبلية لا استفاد إلا باليقين أو الظن الغالب، وواقع الأمر أن الشركة المساهمة إذا كانت جميع قوائمها المالية السابقة مكدسة بالاستثمارات الربوية لكنها في آخر قائمة مالية لم تودع بالربا لانخفاض سعر الفائدة مثلاً فإن هذا التحول في ودائع الشركة لا يفيد باليقين ولا بالظن الغالب الذي تثبت به الأحكام الشرعية أن الشركة المساهمة ستبقى على هذه السياسة المالية في الفترة القادمة، بل المعلوم بالظن الغالب عكس ذلك وهو أنه لو ارتفع سعر الفائدة لعادت وأودعت بالفائدة الربوية، وعليه فلا يجوز الجزم بنقائها والمجازفة بإطلاق هذا الحكم دون أرضية شرعية صلبة وإنما لأجل موقف جزئي اتخذته الشركة وظهر في آخر قائمة مالية غير منسجم مع كافة القوائم المالية السابقة!
ولذلك فإنه قد يكشف التحليل عن عدم وجود تمويلات ربوية في آخر قائمة مالية فيدخل المساهم في الشركة ولكن بعد إعلان القائمة المالية اللاحقة أي المختصة بالفترة التي شارك فيها المساهم فعلياً يتضح أن الفترة التي دخل فيها المساهم وضارب وباع واشترى قد مارست الشركة فيها عدداً من التمويلات والاستثمارات المحرمة!
وتبعاً لهذا المعيار ما هو الدليل على أن العبارة في نقاء الأموال هو تعاملات الشركة في آخر ثلاثة أشهر ولا العبارة بكافة الأموال والاستثمارات المحرمة السابقة للشركة، فهذا تفريق بلا دليل، ولا يعرف قائل في تاريخ الفقه الإسلامي يرى أن الأموال تطيب بمضي دورة ربع سنوية وتخبث بمثل ذلك!
وتبعاً لهذا المعيار ما هو الدليل على أن عدم وجود تمويلات ربوية في آخر
دورة ربع سنوية يعفي المساهم من مسؤولية التخلص من نسبة الأرباح المحرمة التي جنتها الشركة في الدورة الربع سنوية التي سبقتها مثلاً؟
ب- الخلل في موضوع المعيار:
كثير من الباحثين الفضلاء المتداولين لما يسمى بالقوائم النقية لا ينظرون غالباً إلا في فوائد القروض والإيداعات الربوية فقط، ولا ينظرون في الممارسات الأخرى للشركة، والواقع أن أسباب اختلاط الأموال ليست مقصورة على فوائد القروض والإيداعات، وعليه فإنه من التناقض أن يقال بإباحة شركة على الإطلاق دون تطهير لمجرد كونها لا تقترض بالربا حتى لو كانت ممارساتها الأخرى غير مشروعة، وتحريم شركة على الإطلاق لا بتطهير ولا بغيره لمجرد كونها اقترضت بالربا حتى ولو كانت أعمالها الأخرى مشروعة.
والحقيقة أن تحقق العلم باختلاط الأموال لا يقتصر على تصريح الشركة المفيد لليقين بأعمالها، بل يجب أن يبنى أيضاً على الخبر المستفيض المفيد للظن الغالب عن ممارسات الشركة، بمعنى أنه لا يجوز الجزم بالنقاء المطلق بناء على قوائم مالية يغلب عليها عدم الالتزام بالمعايير المهنية المحاسبية بشكل عام ومعايير العرض والإفصاح العام والشفافية1 بشكل خاص، في مقابل التعامي عن ممارسات الشركة الظاهرة للعيان، فمآل هذا المعيار أن النقاء تابع للقوائم الغامضة، والتحريم تابع للقوائم المفصحة، دون نظر في عامة عقود وأنشطة وأعمال الشركة.
كما يلاحظ أن هؤلاء الباحثين الفضلاء المتداولين لقوائم الأسهم النقية يقعون في التناقض في الموقف من كثير من التعاملات المالية، فيفتون وبحماس بتحريم كثير من المعاملات المعاصرة لكنهم يتقاعسون عنها في تحليل شرعية المساهمة فيما يسمى بالقوائم النقية فلا ينظرون إلا في القروض والاستثمارات الربوية فقط، فهل هذه المعاملات المحرمة تؤثر على أموال الأفراد ولا تؤثر على أموال الشركات؟
ولعلنا نشير إلى بعض الأمثلة اليسيرة على هذا التناقض من حيث تحريم معاملات مالية معينة في مقابل تجاهلها في قياس نقاء الشركات: فالواقع المشاهد اليوم أن كافة الشركات المساهمة لا تخلو من إبرام أشكال متعددة من عقود التأمين التجاري، وهي لدى هذا الفريق غير مشروعة، ومع ذلك تم تجاهلها في قياس ما يسمى بالنقاء والاختلاط، وتم استبعادها من عناصر التقييم والقراءة، ربما لأنها لم تظهر على شاشة القوائم المالية!
كما أن كافة الشركات المساهمة تحتاج في إبرام عقودها ومشروعاتها إلى خطابات ضمان بنكي، وهي لدى هذا الفريق غير مشروعة، ومع ذلك تم تجاهلها أيضاً في قياس النقاء.
وغالب الشركات المساهمة المدرجة فيما يسمى بالقائمة النقية، سبق أن تعاملت بالسندات الحكومية المرتبطة بالفوائد، وهي لدى هذا الفريق غير مشروعة، ومع ذلك تم تجاهلها أيضاً في قياس النقاء.
كما أن كثيراً من الشركات المساهمة تحمل أرباحاً مُرحَّلة من مراحل سابقة والمفترض أن هذه الأرباح المُرحَّلة تحمل معها حكم الفترة التي نشأت فيها ومع ذلك لا تؤخذ في الاعتبار.
وكافة الشركات المساهمة في قطاع الصناعة سواء منها المدرجة في القائمة النقية أم القائمة المختلطة سبق أن أخذت قروضاً من صندوق التنمية الصناعي بفوائد يعتبرها هذا الفريق محرمة، ومع ذلك أسقط اعتبار هذه القروض في قراءة الشركات النقية.
وبعض الشركات المدرجة في القائمة النقية ليس بالضرورة أن توظف موجوداتها في إيداعات بنكية، بل قد تستثمرها في شركات زميلة مختلطة، ومع ذلك توضع في القائمة النقية بالرغم من أن إيراداتها من شركات مختلطة.
كما أن معظم الشركات المدرجة في القائمة النقية وإن كانت لا تأخذ تمويلات بفوائد بنكية، إلا أنها تأخذ تمويلات بواسطة التورق المصرفي الذي تجريه بعض النوافذ الإسلامية، وهذا العقد قد قرر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة
تحريمه، فقد جاء في القرار بعد توصيف التورق المصرفي ما يلي (وبعد النظر والدراسة قرر مجلس المجمع ما يلي: عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه… هذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء) بل إن الفريق الذي يتبنى هذه القوائم النقية يرى تحريم التمويل بالتورق المصرفي، ومع ذلك لا يتم احتسابه في تقييم النقاء.
فإن قيل أن الفوائد البنكية متفق على تحريمها بينما التورق المصرفي مختلف في تحريمه، والعبرة في النقاء هو مسائل الإجماع لا مسائل الخلاف، فهذا الجواب غير مستقيم لأنه من المعلوم أن بعض الفقهاء والباحثين الإسلاميين المعاصرين أجازوا الفوائد البنكية باعتبار التفريق بين الربا الإنتاجي والاستهلاكي، وعليه فإن الفوائد البنكية والتورق المصرفي كلاهما يشتركان في أصل وجود الخلاف الفقهي، وإنما الفارق الحقيقي بينهما في كثرة المخالف وقلته، لا في أصل الإجماع والاختلاف.
فإن قيل أن التمويل بالتورق المصرفي أخف من تحريم الفوائد البنكية وأهون من شرها بالاتفاق، فإن هذا الاعتبار يوجب أن تتفق هذه الشركات في نوع الحكم وتختلف في درجته، لا أن تختلف في أصل الحكم أساساً، بمعنى أنه إما أن تتفق هذه الشركات في حكم التحريم لكن المتمولة بالفوائد أشد تحريماً من المتمولة بالتورق، وإما أن تتفق في حكم الكراهة لكن المتمولة بالفوائد أشد كراهية من المتمولة بالتورق، لا أن تكون الشركة المتمولة بالتورق المصرفي نقية مطلقاً، والشركة المتمولة بالفوائد البنكية محرمة مطلقاً، بالرغم من اتفاقهما في وجود أصل النزاع بالتحليل والتحريم.
كما أن هذه الشركات المساهمة في تخطيطها المالي لمشروعاتها المستقبلية تمارس مجموعة من تقنيات تخفيض المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف عن طريق المشتقات المالية الداخلة فيما يسمى سياسات التحوط أو تسييج العقود (hedging)، وهي لدى هذا الفريق محرمة، ومع ذلك لا تؤخذ في الاعتبار.
وربما يتذكر القارئ أنه حين اعترض بعض الباحثين بأن الشركات المساهمة التي تقترض بالفوائد لتمويل مشروعاتها لا يعتبر المساهم فيها أكلاً للربا، ذلك أن الفوائد الربوية تدفع للبنك المقرض ولا يأخذ المساهم منها شيئاً، فكان جواب الفريق الذي يرى التحريم على هذا الإيراد أنه حتى لو لم تتحقق صورة (أكل الربا) في حالة الاقتراض البنكي لكنه تطبق عليه صورة (مؤكل الربا) فالمساهم أعان الشركة المساهمة على أن تؤكل الربا وتدفعه للبنك التقليدي، ومع أخذ الفريق الذي يرى التحريم بهذا الأساس في تحريم الشركات المساهمة المقترضة بالفوائد فإنه لم يطبق هذا الأساس مع الشركات المصرفية المدرجة في القائمة النقية!
ذلك أن الشركات المصرفية سواء المدرجة في القائمة النقية أو التي لم تدرج لها إيداعات في مؤسسة النقد، وتدخل في شبكة من المعاملات المعقدة مع البنوك التقليدية المحلية والخارجية والمتخمة بالعمولات المتبادلة، فحتى لو كانت هذه الشركات المصرفية تخصص حساباً للتخلص من الفوائد الربوية التي تدفع لها، فإنها لا تنفك عن أن تدفع عمولات وفوائد للبنوك التقليدية المحلية والخارجية التي تتعامل معها، وطبقاً لقواعد هذا الفريق فإن المساهم قد أعان هذه الشركات المصرفية المدرجة في القائمة النقية على أن تؤكل الربا للبنوك التقليدية.
بل ومن المفارقات الغريبة أن أحد أبرز الشركات المصرفية المدرجة على رأس جميع القوائم النقية التي شاهدتها يقدم صناديق متنوعة للمضاربة على الأسهم المختلطة ويأخذ عليها العمولات ومع ذلك يوضع هو على رأس القائمة النقية بالرغم من أنه يأخذ العمولات على المضاربة المختلطة2. وهذه النماذج اليسيرة من الواقع المشهود لهذه الشركات المساهمة هو الذي تؤكد العادة الغالبة أصلاً، ذلك أنه إذا كانت برامج النوافذ الإسلامية في المصارف التقليدية لا تسلم من الثغرات الفقهية بالرغم من وجود هيئات شرعية تدرس أعمالها وتراقبها فكيف بحال الشركات المساهمة التي
مضت عليها السنوات الطوال وهي لا تتمتع بمثل هذا الدعم الفقهي. وخلاصة القول أن نظرية الأسهم النقية وما يتبعها من تصورات مطروحة حول الشركات المساهمة اليوم هي في حقيقتها تصورات مضطربة لا تتسم مع القواعد الشرعية والواقع المشهود والعادة الغالبة، لأن هذا الحكم بالنقاء بني على معيار زمني تنبؤي مختزل، وليس معياراً شرعياً متكاملاً ومطرداً، والقول بأن هناك شركات مساهمة نقية لم تتلبس بأية ملاحظات شرعية، ولم تختلط أموالها وأعمالها وعقودها وتمويلاتها وإجراءاتها بأي مخالط غير مشروع، إنما يصح كفرض تصوري ذهني لكن إثباته في الخارج والواقع المشهود يعتبر قضية يتعسر إثباتها.
وفي تقديري - والله تعالى أعلم بالصواب - أن أدق التفسيرات أن يقال أن الشركات المساهمة الموجودة اليوم هي كلها (شركات مختلطة) لا تختلف في أصل الاختلاط وعدمه وإنما الفارق الحقيقي بينها في نسبة المخالط المحرم بين (مخالط مغمور) و (مخالط غالب) وهذا هو الموافق للعادة الغالبة أصلاً في هذه الشركات الكبيرة.
وربما تظل مسألة نظرية الأسهم النقية قضية يسيرة وهامشية وغير ذات بال داخل دوائر البحث العلمي، لكنها تبدو مؤلمة وجارحة حين يشاهد المتابع بعض الآثار الاستغلالية غير النزيهة لهذه القوائم في أسواق المال، حيث يستغل بعض المضاربين هذه القوائم في اللعب بأسعار الأسهم وابتزاز بعض البسطاء بها، فتراهم يتلقفون هذه القوائم قبل شيوعها ليستنزفوا بها الأرباح من ظهور الضعفاء، وتارة أخرى يسربون أخباراً أو إشاعات حول شركة سيتم تنقيتها في الدورة القادمة!
فإذا كان الأمر كما وصفنا من كون الأقرب أن الشركات المساهمة اليوم كلها شركات مختلطة، فما حكم المساهمة فيها؟ هل يحرم مطلقاً؟ أم يجوز مطلقاً؟ هذا ما سنعرضه في الفقرة القادمة.