تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

المخارج الفقهية لأزمة الإسكان

الفتوى الرابعة: فتوى حظر الاحتكار العقاري

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 57-65 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالمخارج الفقهية لأزمة الإسكان

اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم الاحتكار لقوله -صلى الله عليه وسلم- (من احتكر فهو خاطئ) [مسلم:4206] . والخاطئ هو المذنب كما قال الله (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) [يوسف:97] ، وقد يستعمل هذا الوصف في الذنوب الكبيرة كما قال الله (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) [القصص:8] . وجاءت في تحريم الاحتكار والوعيد عليه أحاديث أخرى في السنن وغيرها، وقد جمعها الهيتمي في كتابه عن الكبائر، في الكبيرة رقم (188) .

وإنما اختلفوا في (نطاق الاحتكار) هل المحرم فقط هو احتكار القوت؟ أم عام في كل ما يضر الناس؟

فذهب ابو حنيفة والشافعية والحنابلة إلى أن الاحتكار خاص بالقوت أساساً، مع بعض الاختلاف بينهم في أمور تفصيلية أخرى، وحجة الجمهور أن النصوص الواردة في تحريم الاحتكار أكثرها مقيد “بالطعام” ولأن سعيد بن المسيب إمام التابعين راوي حديث الاحتكار كان يرى جواز الاحتكار في غير القوت.

وأما من يرى تحريم الاحتكار عاماً في كل ما فيه ضرر على الناس فمن أجلّ من يرى ذلك إمام مدرسة الحجاز الإمام مالك رحمه الله حيث جاء في المدونة:

(وسمعت مالكاً يقول: الحُكرة في كل شيء في السوق، من الطعام والكتاب والزيت وجميع الأشياء، وكل ما يضر بالسوق) [المدونة:3/ 313] .

وذهب إلى ذلك أيضاً ابو يوسف من الحنفية، حيث يقول الكاساني:

(الاحتكار يجري في كل ما يضر بالعامة عند أبي يوسف، قوتاً كان أو لا) [البدائع:5/ 129] .

وممن يرى عموم الاحتكار في كل ما يضر بالناس الإمام ابن تيمية، وأنه ليس محصوراً في الأقوات، حيث يقول:

(كل ما اضطر الناس إليه: من لباس وسلاح وغير ذلك مما يستغني عنه صاحبه فإنه يجب بذله بثمن المثل .. ، ولهذا نهى الشارع عن الاحتكار الذي يضر الناس في قوله صلى الله عليه وسلم “لا يحتكر إلا خاطئ” رواه مسلم، والمحتكر مشتر متجر؛ لكن لما كان يشتري ما يضر الناس ولا يحتاج إليه؛ حرم عليه، والبيع والشراء في الأصل جائزان غير واجبين؛ لكن لحاجة الناس يجب البيع تارة ويحرم الشراء أخرى) [الفتاوى:29/ 192] .

وقال ابن تيمية أيضاً:

(ومثل ذلك الاحتكار لما يحتاج الناس إليه) [الفتاوى:28/ 75] .

وقد ذكر ابن القيم أمثلة في سياق حديثه عن تحريم الاحتكار تتجاوز نطاق القوت، فذكر: الطعام، والسلاح، والمنافع: الحيوان، والقدر، والفأس [الطرق الحكمية:205].

ومن اطلع على نصوص ابن تيمية في التسعير، وهو إجبار على البيع بثمن المثل في عامة السلع التي يتضرر الناس بها، علم أنه يرى تحريم الاحتكار في عامة السلع محل الاضطرار من باب أولى، فالاحتكار ليس فيه إلا منع الإمساك، بخلاف التسعير الذي فيه منع الإمساك وزيادة، والقدر الزائد هو تحديد الثمن، ولذلك من العجيب حقاً أن تجد بعض المتخصصين في الفقه يرى مشروعية التسعير وأنه شامل لكل السلع، ولكنه يرى منع الاحتكار محصوراً في الأقوات! هذا في ظني فيه قدر من التناقض لا يستطيع التخلص منه إلا بحصر التسعير في الأقوات أو تعميم منع الاحتكار لبقية السلع.

وعلى أية حال .. من قال أن الاحتكار (بلفظه) مخصوص بالأقوات، ولكن يعدى الحكم إلى نظيره من السلع بجامع الضرر والحاجة العامة، فهذا لا إشكال فيه، وأما من قال أن الاحتكار (بلفظه) مخصوص بالأقوات، ولا يعدى الحكم إلى نظيره من السلع التي يتضرر الناس بها فهذا فيه إشكال، لأن كثيراً من الفقهاء أجازوا التسعير للحاجة العامة، والتسعير منع للاحتكار وزيادة.

والخلاصة أن احتكار الأراضي التي يحتاجها الناس، أو التواطؤ على الإمساك عن بيعها بما يضر الناس؛ هذا محرم داخل في تحريم الاحتكار، إلا لمن كان له غرض شرعي صحيح، كالتخطيط لمسكن أو استراحة أو مشروع تجاري أو يريدها لحفظ ماله ونحو ذلك.

تبقى الإشارة فقط إلى ما يذكره عدد من المختصين العقاريين من أن عمليات البيع في سوق العقار لم تتوقف، فليس الاحتكار هو المهيمن أصلاً، بل المضاربات اليوم هي سيدة المشهد! وهذا يعني أن أي فتوى أو قرار حول منع الاحتكار لن تحل المشكلة كما يرى هذا الفريق، بالإضافة إلى أنه قد يتغلب كبار ملاك العقار على أي قرار بمنع الاحتكار عبر عقود (البيع الصوري) والتي تظهر تداول الملكيات، وتبطن احتكارها.

-الإسكان .. يحتاج إدارة لا فتاوى!:

الحقيقة أن الأمر الذي توصلت إليه بعد دراسة وتحليل المخارج الفقهية المقترحة لحل أزمة الإسكان أنها كلها للأسف لا تلاقي جوهر المشكلة، وإنما بكل اختصار مشكلة الإسكان تحتاج (كفاءة إدارية) و (قرار سياسي صارم) هذه هي الخلاصة بكل اختصار، وقد سبق أن شرحت وجهة نظري في هذا المفهوم في مقالة سابقة بعنوان (الإصلاح في السعودية ليس مسألة فقهية) وهي منشورة على الشبكة لمن كان يعنيه الأمر.

فإذا تأملت ملف الإسكان وجدته مكبل بسلاسل إذا تتبعت حلقاتها وصلت أخيراً إلى خلل إداري، وسأضرب لذلك بعض الأمثلة:

أول وأهم كارثة في ملف الإسكان هو المنح والإقطاعات غير العادلة، وقد شرحت وجهة نظري حول هذه المشكلة الأليمة في فقرة مطولة بعنوان (العدل في الإقطاع) وهي منشورة على الشبكة لمن كان معنياً بالموضوع.

ومن المشكلات تحول قطاع العقار إلى بورصة مضاربة بسبب تخلف الفرص الاستثمارية، حتى أن عدداً من شركات التطوير العقاري هربت إلى المضاربة وغيرت خططها التطويرية لما صارت المضاربة أكثر جدوى لها، فباعت بعض أراضيها، وذهبت تبحث عن أراضٍ أخرى بعدما استغرق العمل في الأرض الأولى سنوات.

وقد أصبح جزء كبير من التطوير العقاري مرتبط بالأفراد، وهم المجموعات الصغيرة التي تعمل بنظام شركات المحاصة غير المسجلة.

كما أن الجسر الذي يوصل الأفراد إلى المساكن وهي شركات التطوير العقاري لم تلاقِ الدعم القانوني والإداري الكافي، فتعقيد وتطويل الإجراءات البيروقراطية ينتج كلفة إضافية باهضة يتحملها المستهلك النهائي.

كما أن محدودية قنوات تمويل شركات التطوير، وتحول كثير من البنوك من تمويل شركات التطوير إلى تمويل الأفراد لتوزيع المخاطر، أدى لضعف أداء هذه الشركات.

كما أن غياب الأرضية المعلوماتية الدقيقة، حتى أننا لا نعرف بالضبط حجم الأراضي البيضاء الخارجة عن ملكية المرافق والأفراد.

وتتعزز المشكلة المعلوماتية بالغياب الكلي لنظم التوثيق العقاري (الشخصي والعيني كلاهما) واعتماد الأمور على مسابقة الإثبات بأية قصاصات قديمة! مع ملاحظة أن نظام التسجيل العيني للعقار صدر في 1423 هـ ولكنه لا يزال رقماً من أرقام المراسيم لا غير، ولا تزال الملكيات تثبت عندنا بالطرق البدائية.

إضافة إلى أنه في هذه البيئة وظروفها ومعطياتها فقد تكون فكرة الرهون العقارية التي يراد لها أن تكون وسيلة تمويل للتطوير، قد تكون -أيضاً- وسيلة تمويل للمضاربة، فتتضاعف المشكلة!

كما أن استمرار مهيجات الهجرة السنوية إلى المدن الكبرى -الرياض خصوصاً- سيجعل الطلب يتزايد ولن تنحل المشكلة بأي كمية عرض صغيرة.

كم كنت مندهشاً وأنا أرى تصريحات رسمية لجهات حكومية مختصة أننا لم نجد أراضٍ لنقيم مشروعات سكنية! وهل هذه وظيفتك؟! وهل يمكن لهذه المؤسسات الحكومية البيروقراطية أن تدير مثل هذه المشروعات أصلاً؟ لماذا لا يتم خلق سوق للتطوير العقاري وتعزيزه ودعمه قانونياً وتمويلياً؟! بهذه الصورة ستنشأ الوحدات التي تلبي الطلب، وستنخفض أسعار العقار قطعاً.

كل الذي أخشاه في هذا الملف أن يتم امتصاص حماس الناس لحلول غير مجدية كما يرى بعض المختصين، كالرسوم أو التسعير أو منع الاحتكار، بينما السؤال الإسكاني أعمق وأعقد بكثير بكثير من هذه التصورات.

في عالم اليوم، وفي التجارب التنموية المعاصرة، نجد نماذج كثيرة لمشكلات الإسكان، لكننا لم نلاحظ حلها عن طريق الوسائل (الرسوم، التسعير، منع الاحتكار) وإنما لاحظنا وسائل مختلفة قانونية وتمويلية ومشروعات الخ، فهل مشكلاتنا التنموية استثناء؟! ولماذا تعالج الدول المعاصرة مشكلاتها بالإدارة المبدعة ونحلها نحن بالفتاوى؟!

مشكلة الإسكان والعقار لا يصح بتاتاً أن تعلق على (فتوى) ، وقد رأيت من مبالغات البعض في تعليق الملف بفتوى، وأن الخطاب الشرعي لو تبنى الفتوى الفلانية لانحلت الأزمة، ونحو هذه الأفكار الهوائية الساذجة، وكأن فتوى ستحل تعقيدات أزمة الإسكان، حسناً يا أخي الكريم، هذا ابن تيمية واللجنة الدائمة برئاسة ابن باز وابن عثيمين تضمنت فتاواهم مشروعية التسعير ومنع الاحتكار ووجوب الزكاة على العقارات التجارية كل سنة، ومع ذلك لم تنحل الأزمة؟!

ومن المهم التنبه إلى أننا لو أخذنا بأشد الأقوال الفقهية على تجار العقار في هذه المسائل (التسعير والرسوم ومنع الاحتكار) فبكل بساطة سيأخذون هم بالأقوال الفقهية الأخرى، وسيجدون من يفتيهم، ولن تنحل الأزمة! وكمثال على ذلك: افترض أنهم أخذوا بالقول الفقهي الذي يحصر الاحتكار المحرم في الأقوات ويخرج العقار منها، فماذا سنصنع؟! وهي مسألة اجتهادية.

تأمل معي هذا المثال: تلاحظ أن شريحة عامة الناس، وهم أكثر احتراماً للفتوى من رجال الأعمال، ولدينا سجلات من فتاوى تحريم التدخين والمعازف وحلق اللحى والأفلام والدش الخ ومع ذلك كله لا زال الكثيرون يمارسونها، هل هذا يعني أن الفتوى لا قيمة لها؟ لا، طبعاً، ولكن يجب إدارك حدود الإمكانيات الاجتماعية للفتوى بشكل عقلاني وموضوعي، فإذا أدركنا بالضبط إمكانيات الفتوى اجتماعياً علمنا جيداً سذاجة الرأي الذي يربط “أزمة الإسكان” بوجود فتوى، هي موجودة أصلاً، وموجود نقيضها، ولن يختفيا كلاهما قطعاً.

كما أنني أرسل رسالةً لإخواني من المتخصصين في الفقه الإسلامي، أن لا يندفعوا في تقرير أحكام شرعية تحتاج لتقرير أهل الخبرة، فأهل الخبرة هم المرجع في ذلك، فيقرر طالب العلم القواعد الشرعية، وأما تطبيقها على مسائل التنمية فيجب أن يشترك فيها الخبراء، وفي هذا السلوك حفظ للشريعة وصيانة من ابتذالها في تطبيق القواعد على الوقائع الاجتهادية، التي قد يتبين خطؤها.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

ابوعمر

ربيع الأول 1433 هـ

منشور بمجلة (رؤى فكرية) http://www.roaa.ws/

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ