تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية

خاتمة

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 139-146 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 10 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتاباحتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية

وأخيراً ما الدافع لكتابة هذه الورقة؟

الحقيقة أن أعظم دافع لي لكتابة هذه الورقة، وهذه المناقشات السابقة، أنني رأيت نتائج مرة لهذه المقولات النقدية التي تروجها الطوائف الفكرية. بكل صراحة ووضوح أعرف الكثير من الشباب الذين التقيت بهم، أو جرت بيني وبينهم محاورات، أو حصل بيننا اتصال بالمراسلة، وحكوا لي شيئاً من أخبارهم، فرأيت فيها والله العظيم ما يملأ النفس حزناً وكمداً، ترى الشاب عليه سيماء الصلاح والخير، مشتغلاً بشيء من معاني الوحي أو حفظ نصوصها، ومهموماً بالدعوة إلى الله، بل يحمل هم المسلمين في كل مكان، ويحاول تزكية نفسه بشيء من العبادات، ويمضي بقية وقته في شأنٍ وظيفي من شؤون دنياه، ثم لا يلبث أن يتعرف على هذه المقولات النقدية التي تروجها الطوائف الفكرية، فيشحنونه ضد الخطاب الشرعي، ويصدعون ثقته بفقهاء أهل السنة ودعاتهم، فلا يزالون به حتى ينفصل عن مقابس الإيمان، ومغذيات التدين، فيهجر القرآن تدريجياً، وينسى كثيراً من معاني الوحي التي تعلمها، وتتضرر عبادته بشكل ملحوظ، بدءاً بالنوافل مروراً بالواجبات وانتهاءً بالشذوذات الفقهية، وتصبح مجالسه كلها حنق وتذمر من المتدينين والأخيار، وتنبني بينه وبينهم الحواجز تلو الحواجز، ويصورون له أنهم وإياه سيبنون النهضة والحضارة، وهم والله لا حضارة دنيوية ولا دينية، بل كثير منهم يتحول إلى اللهو ومساهرة الأفلام، والشغف بالسفر للخارج.

بل والله العظيم أن أحدهم –وهو قارئ نهم- قال لي بكل صراحة: (أنا لي أكثر من عشر سنوات أصلي الفجر إذا ذهبت للعمل الساعة الثامنة) يقولها لي بكل برود والله على ما أقول شهيد، فانظر كيف مات الدين في القلب، إن أسوأ من إطباقه على ترك الصلاة لا مبالاته بما وقع منه، وهذا لا يقع إلا بمن غادر تعظيم الله قلبه، وهذا الشخص لا يكف عن المشاركة دوماً في قضية (كيف نفهم الإسلام؟!) والله شيء مقرف جداً.

شباب صار وقتهم بين الأفلام والسياحة وتضييع العبادات، لا يكفّون عن توجيه النصائح لعلماء أهل السنة كيف يفهموا الإسلام؟!

على أية حال فإن المقصود هاهنا أن (شحن الشباب ضد فقهاء ودعاة أهل السنة) صار له دور فعال في توهين التدين في النفوس، وكلما لاحظت هذا الأثر أخذت أتعجب من المعاني العظيمة التي أشارت إليها تلك الآية:

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) الحشر، 10

امتلاء القلب بالغل لأهل الفضل والخير –سواءً أصابوا أم أخطأوا- ليس قضية هامشية بتاتاً، بل هي أول عثرةٍ في منحدرات الأهواء السحيقة.

ولتتأكد من كلامي تأمل في واقع الطوائف الفكرية المناوئة للخطاب الشرعي، وستجد فيهم جميعاً ضعف الصلة بالقرآن، والضعف العبادي العام.

ولذلك فإن من أعظم ما يحرق هذه الطوائف الفكرية المخالفة لأهل السنة والجماعة في منهج الإصلاح والنهضة: الدعوة إلى تلاوة القرآن وتدبر معانيه، وتدبر الأعمال التي يحبها الله ويذكرها ويعيدها ويحث عليها، فهذا القرآن العظيم أعظم (منظِّم للأولويات)، وهو (الجدول الصحيح) لترتيب المطالب الدينية، وقد رأيت شباباً كثيراً كانت لديهم إشكاليات كثيرة بسبب القراءة في بعض الكتب والمقالات الفكرية المنحرفة، فأوصاهم بعض المتخصصين بتلاوة القرآن وتدبر معانيه، فما هو إلا فترة يسيرة حتى زالت عنهم الغشاوة كلها، وتبين لهم المطالب التي يريدها الله من العباد، ودرجاتها وأولوياتها، فصاروا بحمد الله يعظمون ما عظمه القرآن، ويستهينون بما استهان به القرآن، ويقدمون ما قدمه القرآن، ويؤخرون ما أخره القرآن، وأصبحت الرؤية عنهم شديدة الوضوح.

فما يريده الله ويحبه ويريده من العباد ليس لغزاً، الله أنزل هذا الكتاب ليقرأه عموم الناس فيفهموا منه مراد الله تبارك وتعالى، وأصول المطالب الشرعية.

خذ مثلاً: ذكر الله (الصلاة) في كتابه، بلفظها ومشتقاتها كالمصلين والصلوات، في بضعة وتسعين موضعاً مفرقة في عشرات السور المكية والمدنية، فهل من الممكن أن يذكر الله الصلاة في هذه المواضع التسعين وتكون شيئاً هامشياً بالنسبة لله؟! هل القرآن يستحضر الصلاة بهذه الكثافة بالثناء على أهلها ومعاقبة تاركها وتكون شيئاً ليست الأولوية في الخطاب الدعوي والإصلاحي؟! هل يمكن أن تكون الصلاة بهذه الكثافة في القرآن وليست هي الأولوية في بناء الحضارة والتقدم الإنساني؟!

وشرع الله أحكام الشريعة كلها على الأرض إلا الصلاة فقد عرج بالنبي ﷺ إلى السماء لكي يتلقى تشريعها من الله مباشرة، فكيف بالله عليكم يقدم البعض خطابا يسميه (خطاب حضاري وإصلاحي ونهضوي إلخ) وتكون الصلاة فيه أشبه بالشأن الشخصي!

ومن قرأ كتاب إمام أهل السنة في زمانه محمد بن نصر المروزي المسمى (تعظيم قدر الصلاة) فوالله إن كان في قلبه ذرة صدق في البحث عن مراد الله ورسوله فإنه لا يمكن أبداً إلا أن تتأثر رؤيته للإصلاح والنهضة كلياً، وبالمناسبة فهذا الكتاب من أعظم الكتب في بيان إشكالية الإرجاء الفقهي، وقد كان الشيخ العلامة عبدالله السعد يعظم شأن هذا الكتاب جداً، وقد رأيت من حسن صلاة الشيخ عبدالله شيئاً كان يهزني هزاً، فوالله إن تنفله قبل بداية الدرس (حين كنت أحضر شرحه لسنن الترمذي قبل عشر سنوات) وما فيه من حسن القيام والركوع، وإخباته حين الهوي إلى السجود، شيئاً يجعلني أوقن أن الرجل يعيش مع الصلاة عالماً آخر، وهذه العبودية أرزاق من الله جل وعلا نسأل الله من فضله.

وتكلم الله عن جنس “ذكر الله” في عشرات المواضع من القرآن، وأما آحاد الأذكار وأنواعها كالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير فهذه لا يمكن إحصاؤها في القرآن إلا بكلفة، فهل يمكن أن يكون الله أفاض في وصف الذكر بهذه الكثافة ويكون ليس من أعظم أولويات الخطاب الدعوي والإصلاحي؟، هل الله جل وعلا يغرر بالعباد فيحثهم على ما لا يريده منهم؟!

وكذلك ما جاءت به الرسل من الشعائر العظيمة الظاهرة التي يحبها الله (كالركوع، والسجود، والاعتكاف، والصوم، والذبح، والنسك، والأذكار..) وسائر هذه الأعمال العظيمة امتلأ بها القرآن، وأثنى الله على الأنبياء بحرصهم عليها.

ومن قرأ هذا القرآن ورأى ما فيه من تعظيم الله لتزكية النفوس بالعبادات القلبية الباطنة، ثم رأى غياب هذه العبادات عند هذه الطوائف الفكرية، أدركه الرثاء والألم لأحوال هؤلاء المساكين الذين ضيعوا أعظم مقاصد القرآن ومطالبه.

أعظم وأهم وأسمى إصلاحات الأنبياء هو ما جاؤوا به من “المعرفة الإلهية” بما تتضمنه من تصورات صحيحة عن الله والغيب، وبما تتضمنه من عمارة القلوب بالتأله لله، وتزكية النفس البشرية بعبودية القلب لله، فهذه العبادات القلبية التي جاء الرسل بتزكية النفوس بها (والتي يسميها الفقهاء العبادات القلبية، ويسميها علماء السلوك الإسلامي مقامات الإيمان) أطنب القرآن في تشريفها وبيان حب الله سبحانه لها.

فما جاءت به الأنبياء من تزكية النفوس وترقيتها وتنويرها بالعبادات القلبية هو أعظم ما جاءت به الأنبياء والرسل، فأول قضية في جدول أولويات الرسل عمارة القلوب بالله، والعبادات القلبية كثيرة ومن أصولها: الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، واليقين، والصدق، والانقياد، والتذلل، والصبر، والاستعانة، والتوبة، ونحوها.

وهذه العبادات امتلأ بها القرآن، فهو يبتدئ بالأمر بها أحياناً، وأحياناً أخرى يثني على من فعلها، وأحياناً أخرى يذم من أهملها، وأحياناً أخرى يعلق بها على الأحداث والقصص، فيفسر النجاح والاستنارة بها، ويفسر الإخفاق والانحطاط بغيابها، إلى غير ذلك من أنماط التعبير التي استعملها القرآن في تأكيد أولوية عمارة القلوب بالله.

فالرسل –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- علموا الناس كيف تمتلئ قلوبهم بالإخلاص وتجريد النية وتصفيتها لله، وامتلاء القلب بحب الله، والخوف والخشية والوجل من الله، ورجاء ثواب الله، والتوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور إليه والاعتماد التام عليه، وتشبع القلب باليقين القاطع بالله والنبوة والمعاد، وانقياد القلب وتسليمه وخضوعه وانصياعه واستسلامه لله ورسوله وأوامرهما ونواهيهما، والتذلل لله بما يتضمنه من التضرع والاستكانة والإخبات لله سبحانه وتعالى، والانطراح بين يديه، وإظهار الافتقار لله، والحاجة إليه والتمسكن بين يديه. ففي النفوس فاقة فطرية لا يملؤها إلا الإقبال على الله، وفي القلوب صدع لا يرأبه إلا الانحناء بباب الجواد الغني سبحانه، والصبر على قضاء الله وأقداره الكونية، والاستعانة والاستغاثة والاستنجاد بالله ليعيننا على عبادته، وليعيننا على شؤون دنيانا، ومعاودة التوبة والإنابة والتماس المغفرة والصفح من الله، وأن يبوء الإنسان ويقر ويعترف بإثمه وذنبه.

وهذه العبادات القلبية العظيمة التي اعتنى بها الأنبياء والرسل، وصرفوا جوهر جهودهم في تزكية الناس بها، تنفي آفات النفوس وأدواءها، وتطهرها وتنقيها، فأدواء النفوس هي أضداد هذه العبادات العظيمة، فإذا ضعفت هذه العبادات القلبية امتلأت حقول القلوب بالحشائش الضارة.

فضعْف الإخلاص يورث الرياء وحب الظهور والشرف، وهوس الشهرة، ونزوة التصدر والرياسة، وحب العلو على الأقران، والتزين للمخلوقين.

وضعف الخوف من الله يورث الجرأة على انتهاك المقدسات، ويسبب الهلع والخشية من مخلوق ضعيف عاجز مثلك.

وضعف الرجاء يورث القنوط من رحمه الله، وترك العمل تحت ضغوط إحباطات اليأس من عفو الله، والرجاء لا يكون إلا مع العمل، أما الرجاء بلا عمل فيسميه القرآن “الأمن من مكر الله”.

وضعف التوكل يورث تعلق القلب بالمخلوقين، وانصرافه إلى ملاحظة الأسباب والغفلة عن مسبب الأسباب ذاتها.

وضعف اليقين يورث تسرب شيء من الارتياب والشكوك، وتزعزع الحسم بالله وكتابه وسنة نبيه ﷺ، ويسبب تصدع الثقة بوعد الله وأن الله ناصر دينه ورسله.

وضعف الانقياد يورث التردد في التسليم لله ورسوله، وتنامي الاعتراضات الخفية الباطنة على الشريعة، والتبرم بنصوص الكتاب والسنة، والسعي للتخلص منها بشتى الطرق الخفية: مثل التأويل والتحريف الملتوي، أو التذرع بالخلاف الفقهي، أو تضخيم دعوى اختلاف الزمان، أو التعلل بالمقاصد لإسقاط النصوص، أو التعلق بالكليات لجحد الجزئيات، ونحو ذلك من التقنيات والوسائل التي تدور حول شهوة التخلص من الانقياد للنص.

هذه رأس تعاليم الأنبياء، وتلك جوهر وصاياهم .. لمن كان فعلاً يبحث عن مراد الله ورسوله..

فإذا تدبر الباحث الصادق هذه الحقيقة في القرآن وفي وصايا الرسل واهتماماتهم، وإذا تأمل عمق العبادات القلبية في مشروعات الأنبياء للإصلاح، ورأى غفلة غالب الطوائف الفكرية عنها؛ علم أن حاجة هذه الطوائف الفكرية إلى التزكي بالقرآن وعمارة القلوب بالله تفوق كل الحاجات البشرية اليوم.

ولا يوقن بهذه الحقيقة إلا من امتلأ قلبه بتعظيم الأنبياء والرسل واليقين بأن ما جاؤوا به هو أعظم وأسمى من كل ما تتداوله البشرية من اهتمامات وأولويات وأفكار وفلسفات ونظريات وخطابات.

وهذا القرآن العظيم شرح ما جاءت به الرسل من حفظ “العفة والفضيلة” ومقاومة الرذيلة، ووسائلها المفضية إليها، فثمة منظومة متماسكة كرسها الوحي الإلهي لقطع الطريق على كل طرق الرذيلة ومساربها، كمنع الخلوة، والخضوع بالقول، والحجاب، وغض البصر، والدخول على المحارم، وقوله: الحمو الموت، والتعطر في الطريق، ومنع السفر بغير محرم، وغير ذلك من النصوص التي تكشف أن من مقاصد الشريعة سد الطرق المفضية إلى تطبيع العلاقات غير المشروعة بين الجنسين.

وما جاءت به الرسل من حفظ العلاقات الاجتماعية في تراتبيتها كبر الوالدين وحقوق الرحم والجوار وغيرها، وحفظ الحقوق المالية، كمنع الربا، والغرر، والغش، والرشوة، والاحتكار، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل.. إلخ.

والعقوبات الجنائية العظيمة التي جاء بها الوحي، وحفظ الأرض من الفساد الجنائي، وأن الوسيلة التي يجلها الله ويرضاها هي القصاص، وقطع السارق وجلد الزاني والقاذف، ونفي من أقام علاقة غير مشروعة وهو لا زال غير متزوج إلى غير بلده سنة كاملة، والرجم بالحجارة للمتزوج الذي يقيم علاقة غير مشروعة حتى يلفظ آخر أنفاسه.

هذه العقوبات الجنائية التي شرحها القرآن لاستقرار المجتمع وليكون متقدماً راقياً، لا تزال الأمم غير المسلمة اليوم منحطة حائرة أرساها لم تهتد إليها، ولا تعرف الوسائل التي شرعها خالق الإنسان ذاته.

وكذلك ما جاءت به الرسل من الأخلاق العامة كالصدق وترك الكذب، وحفظ عرض المسلم وعدم غيبته، النميمة.. إلخ.

والعناية بالفروض الكفائية التي تقوم بها مصالح المسلمين، والوسائل المادية التي تتحقق بها رسالة الإسلام، وهو ما يعبر عنه الوحي بمفهوم القوة.. إلخ.

فهذا جزء من معالم دعوة النبي ﷺ التغييرية، ومشروعات الأنبياء للإصلاح كما عرضها القرآن، وهذه هي الحضارة الشاملة والنهضة المستوعبة وليست حضارة الآلة والمادة واللذة.

والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ابوعمر

ابراهيم السكران

iosakran@yahoo

28 ذي الحجة 1430هـ

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ