احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية
سادساً: الخطاب الشرعي والاستقلال السياسي
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
من الأمور التي يشيعها بعض مناوئي الخطاب الشرعي قولهم: (الخطاب الشرعي المعاصر مجرد تابع للنظم السياسية يحركها كيف يشاء، فيبيحون ما أراد السياسي إباحته، ويحرمون ما يريد السياسي تحريمه)، وبعضهم يقول بلهجة دارجة (مشايخنا الله يخلف عليهم ورا الحكومة اللي تبيه يقولونه)، ويذكرون لذلك بعض النماذج التاريخية لفتاوى تغيرت بهدف تدعيم رؤيتهم هذه.
نريد هاهنا أن نختبر حجم (الدقة العلمية) لهذا التصوير للخطاب الشرعي؟ هل فعلاً الخطاب الشرعي مجرد تابع وذيل للنظام السياسي كما يرى هؤلاء النقاد؟
دعونا أولاً نتأمل بعض الوقائع، ثم ننتقل إلى استعراض بعض النصوص النظرية:
أقر صانع القرار النظام البنكي الربوي ووضع له واحداً من أقوى الأجهزة الإشرافية وزوده بصلاحيات واسعة، ووضع له نظاماً بعنوان “نظام البنوك”، ومع ذلك فإن الجميع يتذكر كيف قام فقهاء الخطاب الشرعي ودعاته وخطباؤه بحملة تاريخية طويلة الأجل للتعبئة الاجتماعية ضد البنوك الربوية، وتحريم العمل فيها، وتحريم فوائدها.
كما أن النظام السياسي أتاح بيع السجائر، واستمر الفقهاء في إشاعة الموقف السلبي الغليظ ضدها، كما أن النظام السياسي أتاح نشر المجلات الماجنة وتوزيعها، واستمر فقهاء الخطاب الشرعي في بث استبشاعها، وأيامها نشر ابن عثيمين رسالة بعنوان “فتن المجلات”، كما أن النظام السياسي أتاح إقامة كثيرٍ من “الفعاليات الغنائية” في الاحتفالات الرسمية السنوية والمناشط السياحية، ومع ذلك استمر الخطاب الشرعي يصدر الكثير من الخطب والدروس والبحوث في مهاجمة المعازف، وابتهج النظام السياسي بالمئوية التي تمثل بالنسبة له أعظم رمز لكيانه السياسي، ومع ذلك تحرك الخطاب الشرعي معارضاً ذلك باعتباره عيداً غير مشروع حتى تم ترك كثير من المظاهر وإعلان ذلك رسمياً، وفرض النظام السياسي -بشيء من القوة والحساسية تجاه الممانعين- التوسعة الأفقية للمسعى ومع ذلك بقي كثير من فقهاء الخطاب الشرعي يمانعون “التوسعة الأفقية” ويرون جواز “التوسعة العمودية” فقط، بل ويحذرون الناس من السعي في التوسعة الأفقية الجديدة، وفرض الفريق الوزاري الليبرالي المحيط بالنظام السياسي -بشيء من الصلف والعنجهية التي تصل لحد التشويه الإعلامي والإقالة من الوظيفة للمانعين- الاختلاط في جامعة كاوست، ومع ذلك قاد كثير من فقهاء الخطاب الشرعي حملة ممانعة وكتبوا في ذلك بعض الفتاوى والأبحاث ومئات المقالات على الشبكة.
ومن المعلوم أن النظام السياسي المحلي حريص جداً على بقاء صورته كنظام متميز في عالم اليوم بتحكيم الشريعة، فهذه الصورة بالنسبة له مكتسب تاريخي وواحد من أهم أسس الشرعية السياسية بحيث لا يمكن التفريط فيها، ومثل هذه المعارضة الفقهية تشوش هذا المكتسب، خصوصاً أن خلايا العنف كانت تستغل هذه المظاهر المخالفة للشريعة لتزوِّد أفعالها وتفجيراتها بالشرعية المطلوبة، ومع ذلك كله بقي رموز الخطاب الشرعي يعارضون ما يرونه مخالفاً للنصوص الشرعية.
السؤال الذي يطرحه الباحث العلمي على نفسه هاهنا: لو كان الخطاب الشرعي مجرد أزرار تحت يد السياسي كما يقول هؤلاء النقاد، فما الذي يمنع السياسي إذن من توجيه هؤلاء الفقهاء لإنهاء هذه الملفات المزعجة، والفتيا بموافقة ما هو واقع، وتغطية القرارات السياسية بفتاوى فقهية، وتخليص صورته الشرعية من هذه الإحراجات؟!
وثمة أيضاً صور كثيرة جداً من هذا القبيل، واستعراضها وتحليل مضامينها يكشف للباحث الموضوعي الضعف العلمي لفكرة أن “الخطاب الشرعي مجرد تابع لرغبات وميول النظام السياسي”.
حسناً، ما سبق هي نماذج واقعية تتناقض جذرياً مع تهمة التبعية السياسية، لننتقل الآن إلى النصوص النظرية التي تصب أيضاً في هذا المسار، وهو وجوب استقلال الخطاب الشرعي عن الرغبات السياسية، فمن ذلك:
أن الشيخ الإمام ابن عثيمين –وهو أهم مرجعية فقهية سنية معاصرة على الإطلاق- كان لديه مصطلح يكرره كثيراً في دروسه، ويربي طلابه عليه، ويعمقه في نفوسهم، وقد رأيته في كتبه ومحاضراته في عشرات المواضع، وهو مصطلح “علماء الدولة”، ويعني بهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله المنتسبين للعلم الذين يفتون بموجب ما يريده النظام السياسي، ولنقرأ تعريف الشيخ نفسه لهذا المصطلح، حيث يقول الشيخ:
(“عالم دولة”: هو الذي ينظر ما تشتهيه الدولة، فيلوي أعناق النصوص إلى ما تريد) [شرح عقيدة أهل السنة، ابن عثيمين].
ويعرفه في موضع آخر من كتبه فيقول:
(“علماء الدولة” هم الذين ينظرون ماذا تريد الدولة فيلتمسون له أدلة متشابهة، فيتبعون ما تشابه من الأدلة إرضاء للدولة، ولهم أمثلة كثيرة في غابر الزمان وحديثه) [الشرح الممتع، 9/463]
وعرفهم في موضع آخر من كتبه أيضاً فقال:
(وأما “علماء الدولة” فينظرون ماذا يريد الحاكم، يصدرون الأحكام على هواه، ويحاولون أن يلووا أعناق النصوص من الكتاب والسنة حتى تتفق مع هوى هذا الحاكم، وهؤلاء علماء دولة خاسرون) [لقاء الباب المفتوح، ل 49]
ويكثر من التشنيع على هذا المفهوم فيقول مثلاً:
(عالم الدولة: الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيفتيهم مباشرة، ينظر ماذا يقول الرئيس أو الوزير وما أشبه ذلك، ما أحله الرئيس فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، هذا عالم الدولة) [لقاء الباب المفتوح، ل210].
ويستحضر الشيخ هذا المفهوم في كلامه كلما ثار موضوع ذي صلة به، لترسيخ الوعي بالاستقلال في نفوس طلابه، فيقول مثلا في الربا والجمارك:
(يوجد بعض العلماء وإن كانوا مخطئين يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكاً للربا أو ضرائب على الناس؛ فهذا لا شيء فيه. وهذا لا شك في خطئه؛ فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من “علماء الدولة” لا علماء الملة) [القول المفيد، 2/161]
وقال مرة في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله:
(علماء الدولة، يحرفون الكلم عن مواضعه من أجل إرضاء الحاكم، فيقولون مثلاً: إن مسائل الدنيا اقتصادياً وزراعياً وأخذاً وإعطاءً موكول إلى البشر؛ لأن المصالح تختلف، ثم يموهون عليه بقوله صلى الله عليه وسلم “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. وغالب الحكام الموجودين الآن جهلة، لا يعرفون شيئاً، فإذا أتى إنسان كبير العمامة طويل الأذيال واسع الأكمام وقال له: هذا أمر يرجع إلى المصالح، والمصالح تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال، والنبي ﷺ قال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، ولا بأس أن تغيروا القوانين التي كانت مقننة في عهد الصحابة وفي وقت مناسب إلى قوانين توافق ما عليه الناس في هذا الوقت، فيحللون ما حرم الله) [لقاء الباب المفتوح، ل 87]
وهذا الاستحضار الكثيف من الشيخ ابن عثيمين بشكل سلبي متكرر لمفهوم “علماء الدولة” له آثار تربوية عميقة جداً في نفوس طلابه ومستمعيه والمتأثرين به، حيث يصبح “استقلال الفقيه” عن الإملاءات السياسية وارتباطه بالوحي قيمة مركزية في وعيهم.
على أية حال.. تبعاً لهذا المبدأ الشرعي عند الشيخ ابن عثيمين فإنه انعكس على فقهه بشكل رئيس، فلم ينجرّ الشيخ رحمه الله لتقديم غطاء فقهي للقرارات السياسية إذا كان ذلك مخالفاً للأحكام الشرعية، وقد سبق ذكر بعض النماذج، لكننا نفضل هاهنا أن نعرض نماذج أخرى لربط هذه التطبيقات بهذا المبدأ الذي سبقت الإشارة إليه.
فمن ذلك مثلاً أن النظام السياسي من أجل تنظيم المرور وضع رسوماً على إصدار رخص القيادة، وهي مسألة اجتهادية ولا شك، ولكن لأن الشيخ كان يرى تحريم ذلك فقد جهر به ولم يجامل في هذه المسألة الشرعية، حيث جاء في فتاواه:
(فضيلة الشيخ، الرسوم التي تؤخذ لتجديد الاستمارة أو الرخصة هل تعتبر من الضرائب؟ إي نعم، كل شيء يؤخذ بلا حق فهو من الضرائب، وهو محرم، ولا يحل للإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق) [لقاء الباب المفتوح، ل65].
طبعاً نحن هاهنا لسنا في معرض التحرير الفقهي لحكم الرسوم الإدارية، ولكن المهم في المثال السابق هو توضيح استقلال الشيخ الفقهي، وعدم مجاملته في المسائل الشرعية.
ومن النماذج -أيضاً- أن النظام السياسي وضع نظاماً جمركياً ضخماً وشرع له الأنظمة وأقام له المؤسسة المعنية، ومع ذلك استمر الشيخ يرى تحريم “الضرائب الجمركية”، ولم يلتفت لضغوط الواقع السياسي، حيث يقول الشيخ:
(وفي المكوس ظلم، وهذا يعني أن الجمارك ظلم) [شرح السفارينية]
وقال مرة في التخلص من الجمارك:
(أصحاب الجمارك لو قدرنا أنك تعطيهم مالاً ليكفوا عن أخذ الجمرك فلا بأس؛ لأن هذا دفع للظلم، مع أن الأفضل في هذا الحال أن تخضع، لكنه لما لم يكن به منابذة صار جائزاً) [لقاء الباب المفتوح، ل106].
بل إن الشيخ حرم على ولي الأمر أن يقاتل البغاة، بل أوجب عليه أولاً أن يحاورهم، كما يقول الشيخ:
(لو قال –أي ولي الأمر- مثلا: ارجعوا وراءكم أنا الإمام، ولا لأحد علي اعتراض، لا أسأل عما أفعل، وأنتم تسألون، فماذا نقول؟ نقول: هذا لا يجوز، وحرام عليه أن يقول هذا القول) [الشرح الممتع، 14/401]
ومن أصول الشيخ في باب السياسة الشرعية (سد الذريعة لفساد السلاطين)، ولذلك فإنه لما قال بعض متأخري الفقهاء في كتاب الجنايات بأن “القاتل إذا كان سلطاناً فإنه لا يقتل ولا قصاص عليه”، وعللوا ذلك بأن “قتل السلطان يترتب عليه فتنة وفوضى وضياع الأمة”، فرد عليهم الشيخ محمد -رحمه الله- بعبارة جازمة وقال:
(أرى أن تعليلهم عليل؛ لأن النصوص الواردة عامة، ولو فتح الباب للسلاطين الظلمة لاعتدوا على الناس يقتلونهم عمداً وعدواناً، وبدون أي سبب، وبكل جرأة على الله وعلى خلقه والعياذ بالله) [الشرح الممتع، 14/45]
أما ما يقوله بعض الناس إن الشيخ ابن عثيمين كان يرفض الإنكار العلني ويرى حصر الأمر في الإنكار السري، فهذا غير دقيق، ومن قال هذا الكلام لم يستوعب نصوص الشيخ ابن عثيمين وليس له بها خبرة، فالشيخ محمد له قواعد في هذا الباب أراد بها تحقيق التوازن بين أصول الشريعة، فمن أصوله أن “الإنكار العلني مرتبط بمصلحة الإنكار ذاته”، وليس لدى الشيخ إطلاقات عامة في هذا الباب، بل هي موازنات، حيث يقول الشيخ في شرح هذا المبدأ:
(فإذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير) [لقاء الباب المفتوح، ل62]
وبهذا التفصيل الذي شرحه الشيخ في عدة مواضع تلتقي أقواله رحمه الله، فإنه في بعض المواضع نهى عن الإنكار العلني، وفي مواضع أخرى -أكثر وأشهر- أنكر علناً في كل المنكرات التي وقعت ولم يجامل، فالجمع بين موقفي الشيخ أنه يرى أن الإنكار العلني مرتبط بظهور المصلحة الراجحة، فإذا كان الإنكار العلني فيه بيان الحق للناس وليس فيه مفسدة الإضرار بالدعوة شرع الإنكار العلني، وأما إذا رجحت مفسدة الإضرار بالدعوة على مصلحة بيان الحق في هذا المنكر يرى الشيخ أن الراجح أفضلية الإنكار سراً، وهذا من عمق الشيخ ودقته في مراعاة الأصول الشرعية وصدق الرغبة في الحفاظ على الشريعة.
ونحن هاهنا منحنا مواقف ابن عثيمين المزيد من الأهمية والتحليل لأنه يعتبر أهم مرجعية فقهية سنية معاصرة على الإطلاق، وهو أصدق ممثل نموذجي للخطاب الشرعي المعاصر، بل إن كثيراً من الناس لا يعرف أن طلاب العلم الذين يفتون للناس إنما عنايتهم الشديدة بما في الشرح الممتع للشيخ رحمه الله، نظراً لخصائص فقهية تميز بها ليس هذا محل عرضها، لكن أهمها هو: الاطراد الفقهي، واستخلاص توازنات المعطيات الشرعية، بالإضافة إلى التفوق المذهل في “مهارات التعليم الفقهي” كحسن العرض والتمثيل وتحريك أذهان الطلبة ونحوها.
حسناً، ناقشنا الآن فكرة “التبعية السياسية” عبر وقائع للخطاب الشرعي، ونماذج من التنظير الفقهي لمسألة الاستقلال السياسي للفقيه، وظهر من خلال هذه المعطيات عمق الاستقلال السياسي للخطاب الشرعي نظرياً وعملياً، لكن يبدو لي أننا لم ننته بعد من هذه الإشكالية، فلا يزال هناك اعتراضات جانبية لم نناقشها بعد، وهي تستحق فعلاً التحليل العلمي نظراً لشيوعها.
فمن ذلك مثلاً أن بعض الناس يقول (الخطاب الشرعي يغالي في مسألة طاعة ولاة الأمور) وهذا الكلام غير دقيق، لأنه أخذ جزءاً من قواعد أهل السنة في مسألة الطاعة السياسية وترك أجزاء أخرى، فأهل السنة يقررون دوماً ثلاث قواعد متوازية: القاعدة الأولى “وجوب طاعة ولاة الأمور” لأن هذا أمر قطعي وارد في القرآن والسنة، والقاعدة الثانية “أن تكون الطاعة بالمعروف” فطاعة ولاة الأمور مربوطة بالمعروف فقط، فإذا أمروا بما يخالف الشريعة فلا طاعة لهم (ولا أدري أين الإشكال هاهنا إذا قلنا تجب الطاعة فيما لا يعارض الشريعة؟!)، والقاعدة الثالثة “وجوب الإنكار بمراتبه”، فإذا وضع ولي الأمر منكراً وجب إنكاره، وبالتالي فإذا صارت الطاعة مربوطة بالمعروف وبالإنكار، فهذا غاية التوازن، وليس في النظر المصلحي أعقل من ذلك. ثم إن قضية طاعة ولاة الأمور (بمعروف وإنكار) لا أحد يجادل فيها أصلاً، فلا أعرف تياراً فكرياً يدعو للعصيان حتى لو وافق الشريعة!
ومن الاعتراضات أيضاً أن بعض الناس يقول (انظروا إلى مشايخنا كلهم يحرمون الخروج على ولي الأمر) ثم يستدل بذلك على التبعية السياسية، وهذا الكلام غير دقيق، فرفض الخروج المسلح لا يعني التبعية السياسية، ولتوضيح ذلك تجد أن أكثر المعارضين والإصلاحيين السياسيين يرفضون الخروج المسلح، فهل هذا يعني أنهم تابعون للنظم السياسية؟!
وأما الخطاب الشرعي فمبرراته في ذلك إنما هو الالتزام بالحكم القطعي المتواتر في تحريم الخروج المسلح، الذي جاء في أحاديث كثيرة يبلغ المعنى المشترك بينها درجة التواتر المعنوي، لكن ذلك لا يعني عندهم أن يكون الفقه تابعاً للسياسة، كما أن الإصلاحيين السياسيين يرفضون الخروج المسلح ومع ذلك ليسوا تابعين سياسيين، بل ينتقدون أخطاء النظام.
ومن الاعتراضات المتصلة بهذه القضية قول بعضهم (هناك شخصيات غيرت فتاواها طبقاً لتغير الإرادة السياسية) فقائل هذا الكلام إما أن يقصد أن ثمة شخصيات رسمية تنتسب للخطاب الشرعي وأنها تقدم من الفتاوى ما تريده النظم السياسية، فهذه قضية ليست محل جدل أصلاً، بل طوال تاريخ الإسلام كانت هناك شخصيات تنسب نفسها للتدين وتستثمر ذلك لمصالح شخصية، بل الخطاب الشرعي يردد هذه القضية ويحذر منها، وهي التي سبق عرض كثرة تحذير الفقيه ابن عثيمين منها بعنوان (علماء الدولة)، والخطاب الشرعي ذاته ينتقد هذه الشخصيات ويعلم أنها تقوم بدور وظيفي بحت، ولتأكيد ذلك لنأخذ على ذلك مثلاً (حادثة اختلاط كاوست) فحين أفتت بعض الشخصيات الرسمية بجواز الاختلاط واجهت نقداً واستهجاناً واسعاً من الخطاب الشرعي.
ومن الاعتراضات أيضاً ذات الصلة قول بعضهم (هناك الكثير من دعاة وفقهاء الخطاب الشرعي يدبجون المديح والإطراء للنظام السياسي فكيف يقال إنهم مستقلون سياسياً) وهذا الكلام منتشر ويحتاج إلى قراءة دقيقة، لكن لنحاول أولاً تأجيل الحديث عن (حكم المديح السياسي) من حيث الأصل الشرعي وما جاء فيه من الأحاديث وعمل السلف، ولنحاول تحليل الواقع، أعني واقع “المديح السياسي” الذي تطرح حوله الإشكالية. لو قرأنا واقع الخطاب الشرعي بطريقة علمية محايدة لاكتشفنا عدة ملاحظات مفيدة في فهم هذه القضية:
أولها: أن من يستعمل “المديح السياسي” إنما هم فريق محدود جداً من المحتسبين، وأما جماهير طلاب العلوم الشرعية فهم معرضون عن هذا الموضوع من الأصل فلا مديح ولا هجوم، وهذه الشريحة المحتشمة عن إراقة المديح السياسي هي الأكثر والأوسع.
وثانياً: هؤلاء الذين يستعملون “المديح السياسي” هل يستعملونه لمصلحة خاصة (كمنصب أو مال أو نحوه) أو يستعملونه لتحقيق مصلحة دعوية (كمقاومة منكر شرعي)؟ هذا سؤال جوهري وفي غاية الأهمية، فإن كان هؤلاء الذين يستعملون “المديح السياسي” يستخدمونه لتحقيق مصالح شخصية فهم قطعاً محل إدانة وهذا نوع من التسول العلني الممقوت.
وأما إن كانوا يستعملونه لتحقيق “مصلحة دعوية” فنحن هاهنا سنكون أمام “أسلوب مشترك” تستخدمه جميع التيارات بلا استثناء ولم ينفرد به هؤلاء المادحون.
ولنضرب على ذلك مثلاً: أكثر من يشنع على بعض المحتسبين بالمديح السياسي هم الإصلاحيون السياسيون، فهل كانوا يا ترى بعيدين عن المديح السياسي؟ لو نظرنا إلى أول وأشهر بيان لهم وهو “بيان الرؤية” المعروف؛ لرأيناهم يستفتحونه بتدبيج المديح لولي الأمر بقولهم (لقد أثلج صدور المواطنين أسلوب الشفافية الذي انتهجتموه في تلمس مشكلات الوطن وحلولها).
ثم في البيان الذي أعقبه والذي كان بعنوان “الإصلاح الدستوري أولاً” دبجوا فيه الدعاء لولي الأمر وإخوانه أيضاً بقولهم (ونسأل الله أن يوفق القيادة السياسية، ممثلة بكم وإخوانكم).
وفي البيان الثالث الذي أعقبه والذي كان بعنوان “معالم في طريق الملكية الدستورية” استفتحوا البيان بثلاث نصوص للملك ثم أعقبوها مديحاً واستنباطاً فقالوا عن عباراته الثلاث (وهذه الكلمات والمواقف المضيئة)، (هذا التصور الواعي لطبيعة التعاقد السياسي) إلخ.
ثم ختموا هذه المرة بالدعاء لإمام المسلمين كما قالوا (وفي الختام ندعو الله للقيادة والإمام بالسداد والصلاح).
وفي بياناتهم اللاحقة صاروا يستفتحون ويتغنون بعبارة الملك (سأضرب بالعدل هامة الظلم) ويصدرون بها بياناتهم وكأنها وحي منزل، بل وختموا أحد بياناتهم بالدعاء لولاة الأمور بلغة تبجيلية (وسدّد الله خطى قائد مسيرتها المباركة خادم الحرمين الشريفين).
ولم يكن (المديح السياسي) الذي استعمله الإصلاحيون السياسيون مختصاً بالملك فقط، بل أثنوا على عبارة أحد المسؤولين السياسيين بشأن تسليم العراق لإيران، وأثنوا على توجهات الأمير طلال وشرفوه في بياناتهم قبل غيره، بل وبعضهم صار يثني على أشد الوزراء استبداداً باعتبار أنه يقوم بدور تنموي عميق داخل النظام!، وغير ذلك من الشواهد التي تؤكد أن الإصلاحيين السياسيين ذاتهم استخدموا (المديح السياسي) فيما يخص قضاياهم التي يسعون من أجلها.
وأما الليبراليون فلا حاجة لذكر الشواهد، لأنهم لا يستخدمون المديح لتحقيق مصلحة فكرية أصلاً، وإنما يستخدمون المديح السياسي لتحقيق مصالح شخصية تتعلق غالباً بالمناصب الإعلامية.
وبالتالي فالقول بأن بعض الدعاة والمحتسبين استعملوا المديح السياسي لتحقيق مصلحة دعوية ليس شيئاً انفردوا به أصلاً.
وثالثاً: هذا الفريق من المحتسبين الذين استعملوا “المديح السياسي” هل بدلوا الأحكام الشرعية تملقاً وتزلفاً، أم أنهم مدحوا من باب الاستقواء بالسياسي لحماية المفاهيم الشرعية؟ أي: هل غيروا الشريعة لأجل المديح، أم مدحوا لحفظ الشريعة من التغيير؟ هذا السؤال يقودنا إلى فهم أفضل وأكثر إنصافاً مع هذا الفريق.
هذا بالنسبة لواقع المديح السياسي الذي استعمله بعض الدعاة مؤخراً، وأما ما يتعلق بعمل السلف تجاه المديح السياسي، فالذي لاحظته شخصياً أن السلف يحتشمون عن الإطراء والمديح، وإذا احتاجوا إلى المداراة تبلغوا منها بالحد الأدنى، بحق وبلامغالاة، وليس هذا محل التفصيل، وإنما القضية الأهم هاهنا أنه يجب نكون منصفين وموضوعيين في قراءة موقف بعض المحتسبين الذين استعملوا المداراة لتحقيق مكتسبات دعوية، ولنواصل الآن بقية الاعتراضات ذات الصلة بقضية التبعية السياسية.
يتحدث البعض معترضاً بالقول بأن (الخطاب الشرعي لا يتحدث عن احتياجات الناس والحقوق المالية، ومفهوم الفساد المالي، وكل ذلك مراعاة للسياسي، مما يدل على عدم الاستقلال) فهذا أيضاً غير دقيق، فبالإضافة إلى ما سبق من نماذج البحوث عن “المال العام” التي سبق ذكرها في فقرة (الخطاب الشرعي والفقه السياسي)، وما سبق ذكره من نماذج دروس العلماء والدعاة في “الأخلاق المالية”، وما سبق الإشارة إليه من طريقة تعاطي العلماء مع مفاهيم “العدل والحقوق” حيث يعرضونها بشكل عام ثم يستعرضون تطبيقاتها في كل المجالات، وكثرة ما تتعرض له الخطب الشرعية من تحريم “الرشوة والغش والسرقة وعدم الوفاء بالعقود” ونحوها، إلا أننا نشعر أنه من المناسب إضافة المزيد من الشواهد حول هذه القضية، ولنأخذ هاهنا أربعة نماذج من الأحداث العامة:
في بدايات “كارثة العنف” تحدث كثير من علماء ودعاة الخطاب الشرعي عن جملة من القضايا ذات الصلة بالموضوع، ومن ضمنها الحقوق المالية للناس، ولنأخذ على ذلك بعض النماذج من دعاة الخطاب الشرعي:
-(الإصلاح للواقع من كافة الجوانب، ولتكن المبادرة بالإصلاح السياسي والاقتصادي) [د.عبدالله الزايدي، رؤية حول أعمال التفجير].
-(ووجد بين المسؤولين من يبخس الناس حقوقهم، ويأكل أموالهم بالباطل، و يتعاطى الرشوة والتي لعن رسول الله الساعي فيها ودافعها وآخذها) [عبدالعزيز الجليل، الأحداث المعاصرة]
-(البطالة، والفساد الإداري والمالي، وانتشارُ الجرائم، وتفشي المنكرات، تحمل بعض الشباب على التسخط على الأوضاع، وتذكي في قلبه نارَ الحنقِ والحقدِ على المجتمع والنظام جميعاً، فيجد في هذه الأعمال التخريبية متنفَّساً للتشفي والشماتة، لأنه يرى أن المجتمع قد خذله ولم ينصر قضيته)[سامي الماجد، وقفات حول حادثة التفجير].
ومثل هذا النمط من التنبيه على إصلاح الجوانب المالية كجزء من الإصلاح الشامل تمتلئ به مقالات دعاة الخطاب الشرعي ومواقفهم في تلك المرحلة التي ولدت فيها ظاهرة العنف، وأتذكر في تلك الحقبة أن كثيراً من الدعاة كان يصر على أن ظاهرة العنف لها أسباب اقتصادية وحقوقية ونحوها توفر المناخ اللازم لدعمها، بينما كان التيار الممسك بزمام الإعلام يصر على أن القضية (ثقافية) بحته مرتبطة بالخطاب الديني، ويرى أن القول بأن الأزمة لها ارتباطات مدنية إنما هو نوع من التضليل.
ولكن من الموضوعية –أيضاً- أن نقر بأن حديث الدعاة في تلك الأيام عن (الفساد المالي) لم يكن هو موضوعهم الوحيد، بل هو جزء من اهتماماتهم، وهذا هو الفرق بين دعاة الخطاب الشرعي وبين غيرهم من المنتسبين للإصلاح السياسي، فالدعاة في مقالاتهم يرون أنه يجب الحديث عن (إصلاح شامل) فيذكرون الفساد العقدي وفساد الأعراض والفساد المالي، وأما غيرهم من المنتسبين للإصلاح السياسي فلا يتحدثون إلا عن (الفساد المالي)، والاختلاف بين الفريقين راجع لاختلاف منهجي لسنا الآن في صدد مناقشته، ولكن لنؤجله إلى القسم الأخير الذي بعنوان (خلاصات واستنتاجات) ولنستكمل الآن نماذج الأزمات.
بعد كارثة العنف جاءت “كارثة الأسهم” وتحدث فيها –أيضاً- كثير من علماء ودعاة الخطاب الشرعي عن عدد من القضايا الشرعية ومن ضمنها (الحقوق المالية للناس) ومن ذلك:
(انتهى السوق إلى سرقة كبرى لشعب أعزل من كل وسائل الدفاع عن نفسه..، فمع طول ما بحثت ونقبت وسألت ونظرت في التاريخ والحاضر؛ لم أجد أحداً سرق تريليون ونصف من شعب بأكمله في سوق واحدة وخلال مدة لم تتجاوز شهرين!) [د.خالد الماجد، من الذي يسرق الشعب؟]
وأمثال هذا النمط من المقالات التي كتبها متخصصون شرعيون وتمتلئ بالحزن على وضع الناس المالي كثيرة جداً، ونحن قريبو العهد بالأسهم وكارثتها، والجميع يعلم كيف شارك الجميع في شجب ضعف العناية بالحقوق المالية للناس أيامها، لنواصل الحديث عن أزمات أخرى.
في “كارثة الغلاء” أصدر مجموعة واسعة ومتنوعة من علماء ودعاة الخطاب الشرعي بياناً واضحاً كله في “الحقوق” المالية للناس، ومن جملة ما ذكروا فيه مختصراً قولهم وفقهم الله:
(على ولاة الأمر أن يسعوا في معالجة هذه الأزمة بما يخفف على الناس معاناتهم، وهذه بعض المقترحات: دعم السلع الأساسية التي يحتاج إليها الناس مثل الأدوية والمواد الغذائية، صرف مبلغ مقطوع لكل مولود يساعد على تخفيف التكاليف المناطة بولي الأسرة، وقد خصص عمر رضي الله عنه رواتب ثابتة للمواليد فجعل للمولود أول ما يولد مائة درهم فإذا ترعرع جعلها مئتين فإذا بلغ زاده“رواه أبو يوسف في الخراج وأبو عبيد في الأموال”، مساعدة الأسر المحتاجة وبالذات الذين ليس لهم مورد ثابت أو رواتب، إعادة النظر في رسوم بعض الخدمات كالكهرباء، معالجة مشكلة السكن التي يعاني منها نسبة كبيرة من الناس من خلال تخطيط المدن، وتوزيع المخططات على المحتاجين، ودعم صندوق التنمية العقاري ودعم مواد البناء) [نشر البيان أساساً في موقع الشيخ ناصر العمر]
ووقع على هذا البيان مجموعة واسعة ومتنوعة من الشخصيات الشرعية، وتداوله الناس حينها.
وفي “كارثة سيول جدة” أصدر مجموعة أخرى من علماء ودعاة الخطاب الشرعي بياناً واضحاً تضمن تركيزاً على الحقوق المالية للناس ومن ضمن ما جاء فيه قولهم وفقهم الله:
(إن من أسباب الكارثة: “عدم التخطيط الجيد” لمحافظة جدة في عدة مجالات منها تصريف السيول والصرف الصحي وعدم مراعاة أماكن الأودية وغيرها، ومن الأسباب أيضاً: “الفساد الإداري” وما ينتج عنه من صرف للمال العام بغير وجه حق من جهة، وتضييع لحقوق المواطنين من جهة أخرى) [البيان منشور في المواقع الإخبارية على الشبكة]
ما مضى هو منظومة من مواقف الخطاب الشرعي في الأزمات فيما يتصل بقضايا الحقوق المالية للناس، وأما معالجة هذه القضية في ثنايا الدروس والخطاب والمقالات فهو كثير جداً، لكن لنأخذ نماذج إضافية على ذلك:
فمن خطب الداعية واسع الانتشار “محمد المنجد” خطبة بعنوان (رواسب الجاهلية) عالج فيها جزءاً من قضايا الحقوق المالية، ومن ذلك قوله وفقه الله:
(ألسنا قد نعتدي على المال العام، فنأخذ منه، بحجج مزيفة؟ ونعتدي على حقوق النشر والطبع المحفوظة للآخرين، وربما قال بعضنا: هذا للكفار، وهل كل أموال الكفار مباحة، أم أموال الكفار الحربيين هي المستباحة؟ فنعتدي بحجج واهية، أليس الواحد منا إذا صار في مكان أو وظيفة مهمة، ربما استكبر ومدح فاسقاً، وتعالى على الخلق وظلم، وربما هو يظهر شيئاً من علامات الدين؟)
ومن نماذج المرجعيات التربوية الداعية المعروف عبدالعزيز الجليل، ومن معالجاته لهذا الموضوع مقالة نشرها في المجلة ذائعة الصيت داخل الخطاب الشرعي وهي “مجلة البيان”، حيث يقول الشيخ وفقه الله حين تعرض لمفهوم الظلم:
(من صور ظلم العباد في أموالهم : الاعتداء على أموال المعصومين سواء بسرقة أو إتلاف أو بالتحايل والخداع، وسواء كان المسروق عيناً أو نقداً. ويدخل في ذلك السرقة من الأموال العامة للمسلمين كبيت المال..، ويشتد الإثم إذا كان الاعتداء أو التفريط في حفظ المال العام).
ومن متخصصي الخطاب الشرعي المعنيين بكتابة المقالات العامة د.يوسف القاسم -عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء وهو متخصص في الفقه المقارن- وقد أنتج مقالات عامة كثيرة كان جزء منها يدور حول قضايا الحقوق المالية للناس، ومن كتاباته في هذا المجال: (دعم السلع..رؤية شرعية)، (المحافظة على الموارد)، (حماية الريال من التضخم)، (خداع المستهلك)، (تأخير البت في القضايا: الواقع والحلول)، (أزمة الدقيق)، وغيرها من نفس هذا النمط، وكلها منشورة على شبكة الإنترنت.
أعتقد أنني أطلت على القارئ الكريم بهذه النماذج، لكني وجدت نفسي محتاجاً لذلك لأن مثل هذه الشائعة غير العلمية تزايد ضحاياها في الفترة الأخيرة، وما تركت من العينات أضعاف ذلك، فأمثال هذه المعالجات لموضوع الحقوق المالية، والمال العام، والمنتشرة في الدروس والخطب والمحاضرات التي ينتجها الخطاب الشرعي؛ كثيرة جداً بحيث يعسر ضبطها، بل لا يوجد فقيه ولا داعية واحد –وأنا أعني ما أقول بهذا التعميم- إلا وسبق أن طرح عدة معالجات شرعية في التحذير من منظومة المنكرات المالية مثل (الرشوة، والغش، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل) ونحوها.
وبالتالي فإن القول بأن “الحقوق المالية” ليست جزءاً من مضامين الخطاب الشرعي، لا يعدو إلا أن يكون مجرد شائعة غير علمية ولا يسعفها البرهان الواقعي.
يبدو لي أننا انتهينا الآن من مناقشة أشهر الشائعات غير العلمية حول الاستقلال السياسي للخطاب الشرعي، وعلاقته بالحقوق المالية للناس، لنغادر الآن إلى محور مختلف نوعاً ما.