احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية
تاسعاً: خلاصات واستنتاجات
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
ناقشنا سوياً في الجولات الثمان السابقة حزمةً من أشهر “المقولات النقدية” التي ترفع عادةً في وجه الخطاب الشرعي، وحاولنا أن نقوم باختبار مدى دقة هذه المقولات النقدية بناء على الفحص العملي لمنتجات الخطاب الشرعي من (دروس، محاضرات، خطب، بحوث، إلخ)، ويجوز لنا منهجياً أن نتساءل الآن: من أين تنبع هذه الأفكار المناوئة للخطاب الشرعي؟ ومن الذي يخلق هذه الشائعات ويروجها؟ والحقيقة أن هذه “المقولات النقدية” التي ترفع في وجه الخطاب الشرعي دوماً تصدرها وتبثها “طوائف فكرية” مختلفة ومتباينة، باتت معروفة في الساحة المحلية اليوم بنغمتها هذه.
وهذه الطوائف الفكرية المنتشرة في الساحة المحلية، وما تفرع عنها من جيوب فكرية وانشقاقات حزبية خاصة، ليست متطابقة في أفكارها، ولا يجوز بتاتاً وضعها في سلة واحدة، ويوجد بينها -ولا شك- فروق جوهرية، ولكن مع ذلك يوجد بينها قسمات مشتركة كثيرة، وأهم اتفاق بين كافة هذه الطوائف الفكرية إجماعهم على رفض (منهج أهل السنة في الإصلاح والنهضة وعمارة الدنيا) وإن كان بعضهم يوافق أهل السنة في بعض الأبواب الأخرى.
وسنحاول في الفقرات القادمة أن نقدم (مستخلصاً) لأهم ما توصلنا إليه سوياً في هذه الورقة بخصوص المقولات النقدية التي توجه ضد الخطاب الشرعي، وسأتبعه ببعض (الاستنتاجات) التي لاحظتها حول خطاب هذه الطوائف الفكرية بشكل عام:
1- ما يردده كثير من هذه الطوائف الفكرية من أن البحث الشرعي المعاصر غائب عن القضايا الفعلية المتصلة بحياة الناس كالأسئلة الاقتصادية والطبية والحقوقية والسياسية ونحوها ظهر لنا جميعاً أنه مجرد شائعة فكرية لا تصمد أمام الدراسة العلمية لواقع البحوث والدراسات الشرعية، بل إنه تبين لي شخصياً من خلال محاورات وماقشات كثيرة جداً أن كثيراً ممن يردد دعوى جهل الباحثين الشرعيين بالإشكاليات الاقتصادية والطبية والقانونية ونحوها أنه هو ذاته من أجهل الناس بها، وقد جربت ذلك فعلاً في مرات كثيرة، حتى أن أحدهم حين اعترض بمثل هذا الاعتراض الشائع قلت له: هل سبق لك أن قمت بأي استعراض بسيط للدراسات الشرعية في المكتبات المتخصصة كمكتبة الملك فهد وفيصل وجامعة الإمام وجامعة أم القرى والمعهد العالي للقضاء؟ فكان الجواب بالنفي طبعاً.
وشخص آخر قال مرةً: (مشايخك ذولا ما يدرون راسهم من ساسهم في قضايا الاقتصاد!) قلت له: يا عزيزي لو حضرت مرةً أي ندوة فقهية يشارك فيها فقهاء المعاملات (من أمثال د.الأطرم و د.الشبيلي ود.العصيمي ود.خالد المصلح ونحوهم) ورأيت نقاشاتهم الفقهية المالية في قضايا فنية متخصصة من مثل: أثر التضخم النقدي وانكماش العملة على العقود الإقراضية، وعقود التحوط (هيجينج)، وصيغ التصكيك والتوريق، والتمويل بالهامش (المارجين)، وإشكاليات التسوية في بيوع العملات والأسواق المالية (سيتيلمنت)، والمشاركة المتناقصة، والقيود الابتدائية في العملات، وصيغ العلاقة بين أطراف البطاقة الائتمانية، ومنتجات الخزينة، ونحو هذه المفاهيم المالية المعاصرة لعلمت أنك لا تفهم أنت في هذه القضايا إلا كما يفهم كتّاب الأعمدة الليبرالية في المستصفي للغزالي! فلا أدري كيف استطعت أن تخدع نفسك بكل هذا الأوهام المعرفية؟!
لو جاءنا عالمٌ في حقل معين وازدرى نظراءه من العلماء في ذات الحقل لاستهجنا هذا المستوى من الغرور، فكيف يأتينا شخص جاهل أصلاً ويزدري العالم في نفس الحقل، إننا نصبح هاهنا أمام ظاهرة استعلاء مجوفة لا نملك أمامها إلا التبسم فقط، هذا غاية ما يمكن أن نصنع.
2-ما تردده هذه الطوائف الفكرية من أن قضايا الحقوق بعامة، والحقوق المالية بشكل خاص، لا تمثل جزءاً من اهتمامات الخطاب الشرعي، إنما هو مجرد دعوى تتناقض مع واقع الدراسات الشرعية وبيانات الدعاة ومقالاتهم، والتي تضمنت الكثير من المواد حول حقوق المتهم، والفساد المالي، وقضايا الرشوة والتزوير والغش والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها.
3-ما تردده هذه الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالقضايا الأخلاقية حتى تحول الدين إلى قضايا شكلية؛ مجرد مزاعم تتناقض بشكل صارخ وحاد مع كثرة منتجات الدعاة والخطباء في الترغيب في بر الوالدين، وصلة الرحم، والوصية بالجار، وكفالة اليتيم، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإفشاء السلام، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وتقديم النفع المتعدي على النفع الخاص، والمؤمن للمؤمن كالبنيان، ومن كان في حاجة أخيه المسلم، وإصلاح ذات البين، وأداء الأمانة، وتوقير كبار السن. فضلاً عن كثرة الدروس العامة في آداب اللباس، وآداب النوم والاستيقاظ، وآداب الطعام، ونحوها.
صحيح أنني اكتشفت بطلان عامة دعاوى مناوئي الخطاب الشرعي، لكن دعواهم هذه –أعني أن الخطاب الشرعي لا يعتني بقضايا الأخلاق- على سبيل الخصوص هي أشد ما وجدت زيفاً وكذباً وتناقضاً مع واقع الخطاب الشرعي، بل الخطاب الشرعي يفوق كل التيارات الفكرية –بلا استثناء- في الحديث عن تفاصيل الأخلاق والآداب الشرعية، ولا يستطيع أحد أن يزايد عليه في هذا المجال إطلاقاً، وكلي أمل من القارئ الكريم إذا أتيحت له فرصة زيارة متاجر الصوتيات الإسلامية أن يقوم باستطلاع عام على المواد الصوتية المسجلة للدعاة والخطباء وسيرى غزارة ملفتة للانتباه في الحديث عن قضايا الأخلاق، وإذا وجدت فرصة أخرى مناسبة فأتمنى أن تزور المكتبات المتخصصة في الكتب الشرعية وسيذهلك حجم المطبوعات التي تدور حول قضايا الأخلاق والسلوك والإيمانيات والرقائق وحسن الصلة بالله ونحوها، فكيف يقال إن الخطاب الشرعي ينتج تديناً شكلياً مجوفاً؟! هذه الدعوى هي أكثر دعاوى المناوئين للخطاب الشرعي نصباً واحتيالاً.
4-لم يستوعب كثير من الطوائف الفكرية نمط معالجة الفقهاء للاحتياجات المدنية، فهم يظنون أنه يجب أن تفرد هذه المشاكل حسب أوعيتها وتصنيفها المعاصر، وفقهاء الخطاب الشرعي لا يلتزمون في معالجتهم للاحتياجات المدنية هذه الأوعية، بل يدرجون كل قضايا الواقع واحتياجاته تحت المفاهيم الشرعية، فإذا تحدثوا عن (فريضة العدل) سواء حين تمر في الآيات القرآنية في دروس التفسير أو في الأحاديث النبوية في دروس الحديث، فإنهم يتحدثون عن تطبيقاتها عامة، فيستعرضون عامة المظالم كالغش والرشوة وسرقة المال العام والخاص، ونحوها، وهكذا بقية المفاهيم الشرعية ذات الصلة، فإنهم يتحدثون عنها بحسب مرورها في دروسهم في تفسير القرآن والحديث.
5-ما تقوله هذه الطوائف الفكرية عن كون الخطاب الشرعي يشيع الاستهانة بالعلوم غير الشرعية كالطب والاقتصاد والعلوم التقنية ونحوها بما سبب لنا تخلفاً مدنياً؛ هذا كله غير صحيح إطلاقاً، وإنما الخطاب الشرعي لأهل السنة فيه مبدأ واضح وهو أن (العلوم غير الشرعية التي تحتاجها الأمة فرض كفاية)، فكيف أصبحوا يزهدون في ذلك وهم يقولون أنه فرض كفاية؟! من أراد أن يزهد في الشيء قال إنه مكروه أو مباح، أو مستحب على أقل الأحوال، فأما من يجعله فرض كفاية، بما يعني أن المسلمين يأثمون إذا لم يوجد فيهم من يتعلمه، فكيف يقال أن هذا تزهيد وتنفير عن العلوم غير الشرعية؟!
ثم إن هذه الفرضية الكفائية ليست أصلاً حكماً تنفرد به العلوم غير الشرعية، بل حتى العلوم الشرعية يقسمونها إلى مرتبتين: (ما لا يقوم دين المرء إلا به) مثل كيفية وضوئه وصلاته وحجه (إذا أراد الحج) والتي افترضها الله عليه، فهذه المرتبة من العلم الشرعي فرض عين، وطلب هذه المرتبة من العلم أشرف وأولى من كل ما على الأرض من أنواع العلوم والثروات المادية، ومن شك في شرف هذه المرتبة فلديه مشكلة مع الإسلام ذاته وليس مع قضاياه التفصيلية، ومن كان يجهل هذه المرتبة من العلم الشرعي بمعنى أنه يجهل كيف يتوضأ ويصلي ويصوم تفريطاً وتهاوناً، فهو في أحط المراتب البشرية، وإن كان يملك من العلوم الدنيوية ما تنحني له الأكاديميات الغربية، والإنسان قبل هذه المرتبة من العلم كالميت في ظلمات الأرض، وهذا النور الشرعي يحييه ويضيء له الطريق، فهو التنوير الحقيقي، كما قال تعالى في هذه المقارنة الأخاذة (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام:122]. فمن شك في انحطاط هذا الإنسان الجاهل بمعاني الوحي التي يحتاجها فهو مرتاب في مثل هذه القواطع القرآنية.
وأما المرتبة الثانية من العلوم الشرعية، فهي (العلوم الشرعية التفصيلية) كاستيعاب الأحاديث النبوية، ومعرفة قواعد القبول والرد وتمييز العلل، والعلم بلسان العرب وأوجه تصرفها فيه، وتمييز مواضع الإجماع من مواضع الاختلاف، ونحوها من العلوم الشرعية التفصيلية فهذه أصلاً “فرض كفاية” ولا يجب على كل مسلم تعلمها، بل لو انصرف جميع المسلمين لتعلم العلوم الشرعية على التفصيل لفاتت على المسلمين مصالحهم المدنية الكفائية الأخرى، ولذلك أشار القرآن في قوله (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) [التوبة:122].
والمراد أن هذين النوعين من العلوم (العلوم غير الشرعية التي تحتاجها الأمة)، و (العلوم الشرعية التفصيلية) أنهما كليهما فرض كفاية، وأما المفاضلة بينهما فتختلف من المفاضلة الذاتية (لما في ذات الأمر) والمفاضلة الاعتبارية (أي باعتبار كل شخص وما تأهل له) وليس هاهنا موضع تفصيل ذلك. والخلاصة أن القول بأن الخطاب الشرعي هو المسؤول عن تخلف العلوم المدنية في المجتمع المسلم، هذا كله لا يقوله إلا من هاب مواجهة المسؤول الحقيقي عن ضياع مصالح المسلمين المدنية، فصار يرمي المسؤولية فوق ظهر الخطاب الشرعي متظاهراً بالشجاعة النقدية في عصر المقلدين!
6-ما تشيعه الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي يرفض الاستفادة من المنجزات الغربية، تبين لي أنهم لا يقصدون العلوم الاقتصادية والطبية والإدارية ونحوها مما ثبت عدم معارضته للشريعة، لأن هذه يعرفون جيداً أن الخطاب الشرعي دائم الإشادة والتنويه بها، ويعرفون أن أكثر الإسلاميين ليسوا أصلاً في تخصصات فقهية، بل أكثر الإسلاميين في تخصصات مدنية، وإنما تبين لي أنهم يقصدون “الجزء المعارض للشريعة”، ولكنهم لصعوبة مواجهة الناس بذلك، يفضلون الغمغمة واستخدام الشعارات المجملة.
فمثلاً حين يقول: (لماذا لا تستفيدون من العلوم الاقتصادية الغربية؟) تقول له: (هذه المصرفية الإسلامية أخذت كثيراً من صيغ وأنماط الاقتصاد الغربي) فيقول لك: (ولكنهم لا زالوا يرفضون نظام الفائدة الذي تقوم عليه بنوك العالم كله، ولا زالوا يرفضون كثيراً من العقود متعللين أن فيها غرراً، ونحو ذلك). فهو في الحقيقة لا يقصد الاستفادة مما ثبت عدم معارضته للشريعة، وإنما يقصد الجزء المتعارض مع الشريعة، لكن لأنه يجد صعوبة اجتماعية في أن يقول: (لماذا لا تأخذون الاقتصاد الغربي بخيره وشره؟) فإنه يقول: (لماذا أنتم ضد الاستفادة من الغرب؟). وهكذا من يقول: (لماذا لا تستفيدون من آليات التفوق الإعلامي الغربي) تجده يقصد التساهل في تبرج المرأة والمعازف ونحوها، وليس يقصد الآليات الإيجابية التي تضمن للإعلام مهنية وجاذبية.
7-ما تكرره الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي مجرد ذيل وتابع للسياسي يتناقض جذرياً مع الواقع التاريخي للخطاب الشرعي، فقضايا البنوك الربوية، وحوار الأديان، والفعاليات الغنائية، والتوسعة الأفقية للمسعى، واختلاط كاوست، ونحوها من الأمثلة كلها كانت قضايا حساسة بالنسبة للنظام السياسي المحلي، ومع ذلك تمسك عامة رموز الخطاب الشرعي فيها بالتحريم، وأنا إلى هذه الساعة -على كثرة ما تابعت من تاريخ الخطاب الشرعي- لا أعرف مسألة واحدة بدّل الخطاب الشرعي فيها حكم الله ورسوله لأجل صفقة سياسية مع السياسي.
وأما ما يقال من أن دعاة الخطاب الشرعي لا يطالبون بالحقوق المالية للناس، فهذا غير صحيح، فالحديث عن الحقوق المالية والفساد المالي صار اليوم شأناً مشتركاً يكتب فيه الجميع، وما أكثر ما شارك الكتّاب الإسلاميون غيرهم من الناس في الكتابة عن مشكلات سوء القطاع الخدماتي كوزارة الصحة، وانتشار الرشوة في بعض الدوائر الحكومية، وكارثة لصوص سوق المال، وكارثة الغلاء، ونحوها.
وأما ما يقال من أن بعض المحتسبين استعملوا (المديح السياسي) فهذا الأسلوب –أعني أسلوب الاستقواء بالسياسي لتعزيز القضايا محل الاهتمام- هو اليوم أسلوب مشترك تستعمله جميع التيارات الفكرية بلا استثناء، حتى الإصلاحيون السياسيون أنفسهم، فقد دبجوا المديح لرأس الهرم في كثير من افتتاحيات بياناتهم الإصلاحية، وأثنوا على شخصيات سياسية رفيعة أخرى تشاركهم اهتماماتهم. على أن القضية الأهم في إشكالية (المديح السياسي) هي: هل كان المديح لتحقيق (مصلحة شخصية) كمنصب وأعطيات ونحوه؟ فهذا تزلف وتملق ممقوت، أم أن المديح لتحقيق (مصلحة دعوية) كمقاومة منكر ونحوه؟ فهذا اجتهاد لبعض الدعاة ويحكون فيه أدلتهم.
8-من الملاحظات الطريفة أن كثيراً ممن يتهم الخطاب الشرعي بأنه خاضع للسياسي، أنه هو ذاته ضحية لـ(الإعلام المسيّس)، وسأضرب لذلك أمثلة يعتبر بها ماكان من جنسها: تجد أهل العلم عندنا يتكلمون ويفتون في الفكر الشيعي منذ عقود في دروسهم، فإذا كانت الظروف السياسية تميل للتهدئة مع القوى الفارسية غيّب الإعلام المسيس هذه الفتاوى، وإذا توترت الأجواء التقط الإعلام المسيس تلك الفتاوى وضرب بها صدر صفحاته بالبنط العريض، وبشكل متتابعٍ مكثفٍ يومي، فيأتي البسطاء ويقولون: مشايخنا تبع للاتجاهات السياسية، أين هم عن الشيعة، لماذا انهمرت فتاواهم هذه الأيام؟! وما علم هذا المسكين أنه هو الذي وقع ضحية أدوات الهيمنة الإعلامية السياسية!
ومثال آخر: تجد أن العلماء أفتوا في مسائل متنوعة مما يهم شؤون المسلمين العامة وبفتاوى كثيرة جداً، فيغيبها الإعلام المسيس، ثم يأتي سائل ويسأل العلماء عن حكم لعبة (البوكيمون) فيفتون هذا السائل كما هي عادتهم بفتوى واحدة في وقتها وينتهي الأمر بالنسبة لهم، فيأتي (الإعلام المسيس) ويصنع دوياً لهذه الفتوى الوحيدة، ويستكتب نائحاته المستأجرات، ويتفجّعون أياماًَ على قضايا الأمة التي ضيعت وانشغلنا بالبوكيمون، ويمضي المأتم يزداد عويلاً يوماً بعد يوم، فيأتي المستهلك الضحية ويبتلع الطعم ويقول: لماذا علماءنا مشغولون بالبوكيمون؟ أين هم عن قضايا الأمة الكبرى؟!
وما علم هذا المغدور أنه ضحية للإعلام المسيّس الذي أظهر فتوى حول لعبة، وغيب مجلدات حول قضايا أخرى، فهذا التحكم الإعلامي المنظم في الحاضر والغائب من فتاوى العلماء بهدف التأثير السلبي طويل المدى على صورة الفقيه الشرعي في الوعي الاجتماعي صار له ضحايا كثيرون للأسف الشديد، وهم يتوهمون أنهم خارج الطبخة السياسية، بينما هم يحرَّكون داخل القِدر منذ سنوات.
9-تبين لي أن جماهير الطوائف الفكرية الذين يتحدثون عن الشاطبي والموافقات ومقاصد الشريعة، ودورها في إعادة صياغة العقل الشرعي المعاصر؛ تبين لي أنهم لم يقرؤوا الموافقات أصلاً، ولا يعرفون السيرة الذاتية للشاطبي، ويبدو لي أنهم رأوا (الشاطبي) يتلقى الإطراء الفكري الهائل في الكتب الفرانكفونية، ويعرض كمخلِّص لأزمة الخطاب الشرعي المعاصر، فقاموا بربط تلقائي بين ما يطالبون به وما كتبه الشاطبي، حتى أن بعضهم إذا نقلت له أقوال الشاطبي في تعظيم الجزئيات الشرعية، وجعل مصلحة حفظ الدين مقدمة على مصلحة حفظ الأموال والنفوس، وتشنيعه المستمر على الأخذ بالأيسر في الخلافيات وتتبع رخص المذاهب الفقهية، وانتصاره لقاعدة سد الذرائع بأدلة وبراهين كثيرة، واعتباره أن سد الذرائع جزء من مقاصد الشريعة، ووضعه العقل في مرتبة تبعية للنص، واعتباره العقل غير قادر على معرفة تفاصيل المصالح، وتكريسه لمرجعية السلف وتشنيعه على كل التفسيرات والقراءات المعارضة لطريقة السلف، وكثرة الحط على الاختلاف وذمه، وترسيخه العجيب لمرجعية العلماء وأنهم قائمون في الأمة مقام النبي ﷺ وأنه لا ينبغي الاعتراض عليهم، ونحو ذلك من أصول وقواعد الشاطبي المقاصدية التي عرضها في الموافقات، أقول إذا رأى هؤلاء مثل هذه النصوص تصيبهم دهشة وحيرة في غاية الغرابة، بل بعضهم يعود ويسألك: أنت متأكد أن هذه النصوص قالها الشاطبي؟! بل أحدهم وكان منهمكاً كلياً طيلة عدة سنوات بصياغة تأصيلات فقهية يدعم فيها ما يسميه التسامح الفقهي (وهو في الحقيقة تساهل محض) قال لي صراحة: (الجابري خدعنا بالشاطبي!) هكذا والله بكل وضوح، فيا ضيعة الأعمار أن تذهب الطاقات والجهود ضحية كذبات أطلقها مسترخٍ على طرف مكتبه في جامعة محمد الخامس بالرباط!
10-اكتشفت أن هناك ظاهرة جديدة اسمها (الإيمان بكليات الإسلام والكفر بجزئياته) وهذه الظاهرة الجديدة خلاصة معتقدها أنهم يرددون دوما (الإسلام دين العدل والحقوق والحرية والحضارة والتسامح الخ) وهذا الكلام كله حق، فهذه المعاني كلها موجودة في الإسلام، فإذا قلت لهم وهل تؤمنون بحد الردة؟ قالوا: لا، وهل تؤمنون بالبراء من الكفار؟ قالوا لا، وهكذا، فصارت عقيدتهم الإيمان بالمعاني الإجمالية والكفر بالأحكام التفصيلية.
11-ما تردده هذه الطوائف من التزهيد في (علم الصفات الإلهية) ناشئ إما من الجهل بقيمة الصفات الإلهية، وكونها متعلقة بأعظم أركان الإيمان وهو الإيمان بالله، وشدة حضورها في القرآن، وكون أعظم آيات القرآن وسوره فرع عن تضمنها لصفات الله، وكون التشريعات وأنواع العبودية كلها من مقتضيات أسماء الله وصفاته، وبالتالي فالمساس بالصفات الإلهية مساس بالموصوف جل وعلا، والتحريف في نصوص الصفات أعظم من التحريف في نصوص التشريعات كالحدود أو الربا ونحوها، وكون أئمة السلف في شتى الأمصار –وهم أعلم بالإسلام من المنتسبين للفكر المعاصر- أطبقوا على التشنيع على تأويل الصفات وقالوا فيها ما لم يقولوه في فاعل الكبائر كالزاني والمرابي وشاب الخمر.
وإما ناشئ من الجهل بوجود المخالف في هذا العصر في قضايا خلق القرآن والتجهم ونحوها، وخصوصاً أنهم لا يعرفون ماذا يعني مصطلح (التجهم) ولا ما هي أفكار (بشر المريسي)، ولا يدرك هؤلاء أن غالب المعاهد الفقهية التقليدية في العالم الإسلامي متأثرة إما بالأشعرية أو الإباضية أو الشيعة، وأن جماهير هؤلاء لا زالوا يقررون في كتبهم ودروسهم أن (القرآن مخلوق)، أي أن القرآن الذي سمعه جبريل من الله أنه مخلوق، وأن الكلام الذي سمعه موسى مخلوق إما في الشجر أو الحجر أو نحوها.
وهذا كله تجرؤ على صفة إلهية عظيمة بالتحريف المناقض لطريقة السلف في الإثبات والتسليم، وطريقة أئمة السلف طريقة سهلة قريبة، خلاصتها أن (القول في الصفات فرع عن القول في الذات) فكما أنكم يا معاشر الفرق العقدية جميعاً تثبتون لذات الله صفة (الوجود) على وجه يليق به، فلتثبتوا له كل صفة أثبتها لنفسه على وجه يليق به، ولا داعي للتدخل والتجرؤ على الذات الإلهية بالتحليلات الذهنية المجردة، فإن مثل هذا مما يضعف توقير الله في القلب، وهذا أمر مشاهد محسوس، وكثير من هؤلاء المعاصرين فيهم فضل وخير، ولهم جهود فقهية ودعوية وإيمانية مشكورة انتفعت بها أمم من الناس، لكنهم -عفى الله عنهم- وثقوا في الكتب الكلامية للمتأخرين، والله وحده المأمول أن يبهجنا باجتماع المسلمين جميعاً على طريقة أئمة السلف في فهم الإسلام والوحي.
12-تلاحظ في هذه الطوائف الفكرية اشتراكها في التهكم بكثير من التصورات العقدية والفقهية عند أهل السنة، ومن الأمثلة على ذلك اتفاق هذه الطوائف الفكرية جميعاً على الاستهانة بباب الصفات الإلهية في العقيدة، والتبرم بقاعدة سد الذرائع في أصول الفقه، والتهاون في الوزن الثبوتي لصحيحي البخاري ومسلم في علم الحديث، ونحوها من الأصول العقدية والفقهية والحديثية والمنهجية التي اتفق عليها أهل السنة، بينما اتفقت هذه الطوائف الفكرية جميعاً على مخالفتهم فيها.
13-لاحظت أن من أهم أسباب الخلل عند الطوائف الفكرية جميعاً هو (التفسير المادي للإسلام) أو التفسير المادي لمفاهيم الوحي، فيأتون إلى مفاهيم قرآنية نبوية، ثم يفسرونها مادياً، أي يبرزون الجوانب المادية منها، ويستبعدون بقية المحتويات العقدية والفقهية، ثم يستحضرون النصوص التي تعظم هذه المفاهيم ويتساءلون لماذا أهدر الخطاب الشرعي هذه الجوانب ولم يولها العناية التي أولتها النصوص الشرعية؟!
وسأضرب أمثلة لتوضيح ذلك، وليكن المثال مما يكررونه هم كثيراً، ألا وهو قضية العدل والظلم، فهم يأتون لمفهوم (العدل والظلم) ويختزلونها في العدل المالي، والمظالم المالية، ثم يأتون للنصوص التي تعظم العدل وتشنع الظلم ويحملونها على تفسيرهم، ثم يحاججون الخطاب الشرعي ويقولون لماذا أهملتم العدل المالي والمظالم المالية برغم أن النصوص جعلت العدل أعظم قيمة، وجعلت الظلم أشنع رذيلة؟! وهذه قضية سمعتها وقرأتها كثيراً، وهي قولهم إن الخطاب الشرعي غائب كلياً عن قضايا العدل والظلم.
ومصدر الخلل هاهنا أنهم فسروا (العدل والظلم) بحسب أهوائهم، لا بحسب تفسير بقية النصوص لمعنى العدل والظلم، والإنسان الصادق في البحث عن مراد الله يرجع في تفسير المفاهيم الشرعية للنصوص لا إلى هواه الشخصي، وهذا واحد من أبجديات أسس البحث العلمي، وهو الرجوع إلى صاحب النص في تفسير نصوصه، لا إسقاط أغراضك الشخصية على مفاهيم الآخرين!
فإذا قرأ الإنسان القرآن وجد أن العدل مفهوم شامل لكل مطالب الشريعة، والظلم مفهوم شامل لكل مناهي الشريعة، وهذه قضية شرحها أهل السنة كثيراً، ولنقرأ سوياً حواراً دار بين النبي ﷺ والصحابة في تفسير جزء من معنى الظلم والعدل الوارد في النصوص، حيث جاء في البخاري:
نحن هاهنا أمام حالة تصحيح نبوي لتفسير مفهوم الظلم اعتماداً على استقراء موارد لفظ الظلم في القرآن، ففسر النبي ﷺ “الظلم” الوارد في الآية بأنه الشرك، ونبههم إلى الآية الأخرى التي شرحت ذلك.
هذا المنهج الذي وضحه النبي ﷺ هاهنا، أعني فهم المفاهيم القرآنية على أساس استقراء معانيها في القرآن والسنة، وليس باختزالها فيما نهوى، لا تزال الطوائف الفكرية في تعاملها مع مفهوم الظلم والعدل تخالفه كلياً!
ومن تتبع القرآن وجد فيه الشاهد على طريقة النبي ﷺ في التفسير والفهم للنصوص، وبالمناسبة فهذا الحديث من أعظم الأدلة في بيان أن (مناهج قراءة النص) موجودة في النص ذاته، وهي جزء من مضمون النص، فبعض الناس يقول: (نحن نؤمن بالنص، لكن ما هو منهج قراءة النص، هل نقرؤه بالمنهج الألسني أم الفيلولوجي أم الهرمنيوطيقي أم التفكيكي..؟) ونحو هذه الاسماء للعلوم والمدارس والمفاهيم الغربية، وهذا السؤال من أساسه سؤال زائف، فمنهج تفسير النصوص موجود في النصوص ذاتها، وليس منهجاً خارجياً يتم إسقاطه من الخارج، وليس هاهنا محل التوسع في هذه القضية، لكن لنعد إلى قضية مفهوم الظلم والعدل كما فسرها القرآن، لا كما تفسرها الطوائف الفكرية بحسب أهوائها، ولنحاول أن نقرأ شيئاً من موارد العدل والظلم في القرآن:
فبالإضافة إلى الآية التي ذكرها رسول الله والتي جعلت (الشرك) ظلماً، فإن الله في آيات أخرى جعل (الكفر) ظلماً فقال: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة، 254
وجعل تعالى انتهاك (الولاء والبراء) ظلماً فقال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) التوبة، 23
وجعل هؤلاء الذين (يفترون على الشريعة) ليضلوا الناس من أعظم الناس ظلماً فقال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام، 144
وجعل (تحريف النصوص) من الظلم فقال: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) البقرة، 59
وجعل (الفتيا بغير علم) ظلماً فقال: (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) آل عمران، 94
وجعل (اتباع الهوى) من الظلم فقال: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ) الروم، 29
وجعل (انتهاك الأشهر الحرم) من الظلم فقال: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) التوبة، 36
وجعل (الغرور) ظلماً فقال: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) الكهف، 35
وجعل (الربا) من الظلم فقال: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) البقرة، 279
وجعل (أكل أموال اليتامى) ظلماً فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) النساء، 10
وهذه نماذج فقط مما سماه القرآن ظلماً، والمراد أن كل أمرٍ أمر الله به، وكل نهيٍ نهى الله عنه، فحفظه نوع من العدل، وانتهاكه نوع من الظلم، والدليل على هذا قوله تعالى في توصيف عام لكافة حدود الله:
(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة، 229
(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) الطلاق، 1
وهذه الآية شاملة لكل المطالب الشرعية، لأن الحدود في القرآن تشمل كل (الأوامر والنواهي)، وأما تخصيص لفظ الحدود في (الحدود الجنائية) فهذا اصطلاح حادث للفقهاء.
والعجيب أنك تجد كثيراً ممن يتحدث عن العدل والظلم، يقول لك: انظر في الدولة الفلانية فهي دولة نموذجية فعلاً في إقامة العدل، وهذا هو المثال الذي يجب أن نحتذيه، برغم أن هذه الدولة المذكورة لا تحكم بالشريعة أصلاً، بل تحكم بقوانين وضعية مناقضة لأحكام الشريعة، فكيف تكون نموذجاً في إقامة العدل وهي لا تحكم بالشريعة؟، مجرد رفضها للحكم بالشريعة هذا نوع من أشنع أنواع الظلم، كما قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة، 45
فهو لا يعرف أن ترك تحكيم الشريعة نوع من أشنع أنواع الظلم، وتحكيم الشريعة نوع من أعظم أنواع العدل، وما ذاك إلا بسبب ما قام في نفسه أن العدل هو (العدل المالي) وأن الظلم هو (الظلم المالي)، فإذا رأى دولة فيها محاسبة للظلم المالي (وهذا مطلب من أعظم المطالب ولا شك) ظن أن هذا هو كل الظلم الذي حذر القرآن والسنة منه، وظن أن هذا العدل المالي هو كل العدل الذي أمر الله ورسوله به، وهذا جهل فظيع بمنهج النبي ﷺ في فهم النصوص، وجهل بمفهوم العدل والظلم في القرآن والسنة.
وبالتالي فإن كل نصوص الفضائل الواردة في العدل، وكل نصوص الترهيب الواردة في الظلم، ليست مخصوصة بالعدل المالي والظلم المالي، بل هي شاملة لمظالم التوحيد، ومظالم البدع، ومظالم الأعراض، ومظالم الأموال، وغيرها من المظالم الشرعية.
بل يصل سوء الفهم إلى ما هو أسوأ من ذلك، وأنا أتحدث هاهنا والله العظيم عن وقائع شاهدتها، فأحدهم مرةً ذهب ينقل نصوص ابن تيمية وابن القيم في أن العدل هو أعظم قيمة شرعية، وأن الظلم هو أشنع قيمة شرعية، ثم يبني على ذلك: لماذا تهتمون بقضايا العقيدة وبقية المنكرات وتهملون العدل والظلم الذي يصرح ابن تيمية وابن القيم بأنه أعظم شيء في الشريعة؟!
أرأيت كيف يصل سوء الفهم؟!، تصرفاتٌ تجعلك أحياناً تخجل من مناقشتها، يتوهم أن ابن تيمية وابن القيم إذا قالا أن العدل هو أهم قيمة والظلم أشنع رذيلة فإنما يعنون بذلك العدل المالي والظلم المالي! كنت أتساءل: هذا الذي نقل نص ابن تيمية وابن القيم، هل فعلاً قرأ الكتاب المنقول منه أم هي مروية بالخطأ؟! لأنه ببساطة لا يكاد ابن تيمية وابن القيم يتحدثان عن العدل والظلم إلا ويوضحان هذه القضية حتى جفت محابرهما، وهو أن العدل مفهوم عام يشمل كل ما أمر الله به، والظلم مفهوم عام يشمل كل ما نهى الله عنه، ومن ذلك على سبيل التمثيل -ولا أدري هل يليق ضرب المثال في هذه البدهيات- أن الإمام ابن تيمية يقول: (ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر به راجع إلى العدل) [الكبرى،130]
وقال الإمام ابن تيمية في الموازنة بين نوعي العدل: العدل في الأمور الدينية، والعدل في الأمور الدنيوية:
(ومن أعظم العدل: العدل في الأمور الدينية، فإن العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال، كالقصاص والمواريث، وإن كان واجباً وتركه ظلم؛ فالعدل في أمر الدين أعظم منه) [الفتاوى: 24/251]
ومثل هذا يقال أيضاً في بقية المفاهيم الشرعية التي يتداولونها ويفسرونها مادياً، أي يختزلونها في جزءٍ من معناها، وهو غالباً المعنى المادي، وينبذون بقية المحتويات الشرعية للمفهوم. ومن ذلك مثلاً مفهوم (الحقوق) تراهم يقولون كثيراً: أين أنتم عن قضايا الحقوق؟ أين أنتم عن حقوق الناس؟ كيف يغفل الخطاب الشرعي قضايا الحقوق وقد عظم الله قضايا الحقوق إلى الغاية؟ فإذا تأمل الباحث ماذا يقصدون بقضايا (الحقوق) وجدها محصورة في (الحقوق المالية) فقط! فأما حقوق الله، وحقوق رسول الله، وحقوق الوالدين، وحقوق العلماء، وحقوق الأرحام، وحقوق الزوجين على بعضهما، ونحوها، فهذه لا تخطر على بالهم أصلاً أنها جزء من مفهوم (الحقوق الشرعية)، ولن نطيل باستعراض النصوص الشرعية في الحقوق، لأنني أزعم أن القارئ الآن يتذكر أحاديث الحقوق الكثيرة، من مثل (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، (إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه)، (حق المسلم على المسلم خمس)، (أعطوا الطريق حقها)، وغيرها كثير كثير، وكل الأحاديث السابقة نقلتها من صحيح الإمام البخاري.
والمراد أن كثيراً من هؤلاء حين يقولون: (أين أنتم عن قضايا “الحقوق” التي عظمها الله؟) لا يعرفون مفهوم (الحقوق الشرعية) أصلاً، وسأوضح أمثلة لجهلهم بقضايا الحقوق، فحين تستعلن إحدى الطوائف العقدية بسب أصحاب رسول الله، فلا يعلمون أننا الآن إزاء قضية (حقوق) عظيمة، فإن من أعظم (حقوق أصحاب رسول الله) الذب عنهم، وصيانة أعراضهم، وكف الأذى عنهم. وهكذا حين يقوم مجموعة من الكتبة الصحفيين بتحريف آيات قرآنية، فإن من أعظم (حقوق كتاب الله) أن ننفي عنه انتحال المبطلين، وهؤلاء لا يعلمون أننا الآن إزاء قضية حقوق، وهكذا.
بل والأطرف من ذلك كله، أنه ربما قام متخصص عقدي بالذب عن صحابة رسول الله، أو قام متخصص في التفسير بالذب عن آيات الله، فتراهم يستهترون بهذه الجهود ويقولون (أين أنتم عن قضايا الحقوق؟)، فهؤلاء قد استغلق على عقولهم قضية الحقوق المالية، ولم يعودوا يفهمون من قضية العدل إلا العدل المالي، ولا يفهمون من قضية الظلم إلا الظلم المالي، ولا يفهمون من قضية الحقوق إلا الحقوق المالية، ولا يفهمون من قضية الإصلاح إلا الإصلاح المالي. وهذه الشؤون المالية لا شك أنها جزء من أصول الشريعة التي عظمتها، وورد فيها أحكام كثيرة لضبطها، كالسرقة والرشوة والغش والاحتكار وقول الزور وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها، ولكن جوهر المشكلة أن هؤلاء اختزلوا الإسلام كله في هذه القضايا المالية، وجحدوا بقية الشرائع والمطالب العقدية والفقهية الأخرى.
وهذا التفسير المادي ليس مختصاً بمفاهيم الشأن العام، بل حتى المفاهيم العبادية تجدهم يميلون لاختزالها في البعد المادي، فإذا جاؤوا للصلاة قالوا هي رياضة، وإذا جاؤوا للصيام قالوا للصحة، وإذا جاؤوا للحج قالوا للوحدة السياسية، وهكذا، وأما المعاني العبادية لهذه التشريعات فهي مغيبة ومستبعدة عندهم، وهذا شيء لاحظه الفقيه العلامة ابن عثيمين رحمه وقال:
(بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات، يحولونها إلى فوائد دنيوية. فمثلا يقولون: في الصلاة رياضة، وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة إزالة الرطوبة وترتيب الوجبات، والمفروض ألا نجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن الله لم يذكر ذلك في كتابه، بل ذكر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الصوم أنه سبب للتقوى؛ فالفوائد الدينية في العبادات هي الأصل والدنيوية ثانوية) [القول المفيد 2/138]
14-يلاحظ المتابع للنشاط الفكري المعاصر نوعاً من التآلف والانسجام والارتياح النفسي المتبادل بين كثير من أفراد هذه الطوائف الفكرية، في مقابل ضيق الصدر وفقد القدرة على احتمال فقهاء ودعاة أهل السنة، وهذا شيء طريف فعلاً، ومثير لشهية الدراسة والتحليل.
15-من أهم مشكلات هذه الطوائف الفكرية أنها دوماً تقع في (تنقيض الفروض الكفائية) أي وضع المطالب الشرعية أضداداً لبعضها، فهم لا يقولون مثلاً: شكر الله لمن اعتنى بنشر السنن وإماتة البدع، ونحن فريق آخر سنعتني بقضايا الحقوق المالية، بل يجعلون هذه نقيضاً لهذه، بل ويصرحون أحياناً بأن أي اشتغال بقضايا العقيدة أو الفضيلة أو مقاومة الربا ونحوها أنه تضييع للجهود وتشتيت للتركيز وصرف للانتباه عن القضية الحقيقية التي هي القضايا السياسية والمالية! فانظر كيف أفسدوا جهودهم بمثل هذه المتضادات التي يفتعلونها، مع أن أهل السنة كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا عوناً لهم على استكمال جهود الإصلاح الشامل فتحولوا إلى معاول هدم بجعلهم بعض الشريعة نقيضاً لبعضها.
ولذلك كان بعضهم يستاءل: لماذا وقف الإسلاميون والخطاب الشرعي ضد شخصيات إصلاحية معروفة ما دام أن الإصلاح السياسي والمالي جزء من الشريعة؟! وهذا تزييف للواقع، فكل الشخصيات الإصلاحية التي انتقدها الخطاب الشرعي لم ينتقدها لأنها طالبت بالإصلاح المالي، وإنما انتقدها لأنها توسلت بالقضية الإصلاحية لتمرير تحريفاتها للشريعة كالإزراء بعلوم السلف، أو التهوين من مرجعية الصحيحين، أو جحد حد الردة، ونحو ذلك، بل إنني أعمم -وأنا مسؤول عن هذا التعميم- وأقول أنه طوال تاريخنا المحلي فإن كل الشخصيات التي اعتنت بشكل عام بـ(النقد السياسي) وأظهرت في نفس الوقت احتراماً للشريعة وعلومها ومنهج أهل السنة؛ فإنها لاقت تقديراً واحتراماً وإعجاباً في الوسط الإسلامي، وتداولاً لمقالاتها، وهذا الموقف من أشد نقاط التميز في الاتجاه الإسلامي –ولله الحمد- وهو أنه يحترم الشجاعة السياسية بشرط أن لا تتحول إلى جسر لنفي شيء من أحكام الشريعة ومنهج أهل السنة، ونظير ذلك: أننا نحترم الطبيب المبدع بشرط أن لا يستغل إبداعه العلمي لترويج الاختلاط بين الجنسين، ونحترم الروائي المبدع بشرط أن لا يستغل أدبه لتمرير المجون، ونحترم الإعلامي المتميز بشرط أن لا يستغل مهنيته للتأليب ضد الأنشطة الإسلامية، وهكذا.
بل تأمل معي في نموذجٍ أكثر دلالةً من ذلك، وهو أن الشخصيات التي تكلمت عن (الجهاد الشرعي) لقيت احتراماً بين الإسلاميين، لكن لما صار بعضهم يستغل عنايته بالجهاد للتهكم بدروس العقيدة، أو تكفير علماء أهل السنة، أو تهديد أمن البلدان الإسلامية واغتيال العاملين في المؤسسات الأمنية وإتلاف الثروات العامة للمسلمين، فإن الخطاب الشرعي والإسلاميين بعامة أطبقوا على منافرته وذم طريقته، لا لأنه اعتنى بالجهاد، ولكن لأنه استغل عنايته بالجهاد لتمرير أفكار منحرفة.
وهكذا كل الشخصيات التي تاجرت بالإصلاح السياسي لبث أفكارها المنحرفة فإنه يجب مقاومة تحريفاتها، لا لأنها اشتغلت بالإصلاح السياسي، وإنما لأنها استغلت الإصلاح السياسي لشرعنة تأويلاتها للنصوص.
16-لاحظت أن كثيراً من الطوائف الفكرية لا تعرف الخطاب الشرعي باطلاع فعلي على الدروس والبحوث الشرعية، وإنما هم يستمعون لبرامج الفتيا على الإذاعة أو الفتيا في بعض البرامج التلفزيونية، فإذا رأوا –مثلاً-كثرة أسئلة النساء المتصلات عن قضايا الحيض ظنوا أن الخطاب الشرعي كله مشغول بقضية الحيض، فانظر كيف شكّلوا تصوراتهم عن الخطاب الشرعي بناء على أسئلة النساء في برامج الفتيا العامة!
وهذه المناقشة لاتعني الإزراء بفقه الحيض، معاذ الله، فلفظ الحيض ورد في كتاب الله في خمسة مواضع، وكل كتب السنة النبوية التي صنفت على الأبواب أفردت له أبواباً خاصة جمعت فيه سؤالات نساء الصحابة للنبي عن أحكام الحيض، ووضح الله في كتابه: حكم طهارة الحائض، وحكم معاشرة الحائض، وضبط عِدَد النساء بالحيضات، وهو شأن متكرر على المرأة، ويغمض شأنه على كثير من النساء، بل كثير منهن يبقين حيارى لا يعرفن ماذا يصنعن، ويترددن كثيراً هل يصلين أم لا؟ وهل يصمن أم لا؟ بسبب غموض كثير من حالاته عليهن، وتترتب عليه أحكام ثلاثة من أركان الإسلام الخمسة، وهي الصلاة والصيام والحج، فكيف لنا بعد ذلك أن نستخف بهذا الحكم الشرعي؟! ولكن المقصود هو توضيح الواقع، وأن قضايا الحيض لا توجد إلا في أسئلة النساء المتصلات ببرامج الفتيا العامة، أما الدروس الشرعية والبحوث العلمية والمحاضرات والخطب ونحوها فأكثرها مشغول بقضايا أخرى.
17-تلاحظ أن كثيراً من النقد الذي توجهه الطوائف الفكرية ضد الخطاب الشرعي يقولون فيه الشيء ونقيضه، وهذا شيء مثير للاستغراب فعلاً، فمثلاً تراهم يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي غائب عن القضايا المعاصرة؟ ثم تراهم بعد ذلك ينقلبون ويقولون لك: لماذا يدس الفقيه أنفه في كل شيء؟!
وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي عنده موقف سلبي من الاستفادة من الغرب؟ ثم ينقلبون في موطن آخر ويقولون لك: لماذا تشتمون الغرب وأنتم تستفيدون منه في كل شيء من الإبرة إلى الطائرة؟!
وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي يكرس الاستبداد السياسي والخنوع للنظام السياسي؟ ثم ينقلبون ويقولون لك: يجب أن ننقي الخطاب الشرعي من الأفكار الخطيرة حول الخروج والتكفير والعنف؟!
وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا أنتم تقدسون مرجعياتكم العلمية وتمنحونها سلطة مستبدة وتضيقون ذرعاً بوجود اجتهادات متنوعة؟ ثم ينقلبون عليك في موطن آخر ويقولون: إلى متى وأنتم لا تجيدون إلا التفرق والاختلاف حتى أصبح عندنا أقوال فقهية بعدد طلاب العلم أنفسهم؟!
وتراهم مرة يقولون لك: مشكلة الخطاب الشرعي أنه يتدخل في نيات الآخرين حين ينقدهم، فهذا قصده كذا وهذا قصده كذا. ثم ينقلبون في موضع آخر ويقولون: الدعاة الإسلاميين لا ينطلقون من منطلقات عقدية وإنما مغازلة للجمهور وبحث عن تصفيق الأتباع ونحو ذلك؟!
وهكذا في سلسلة تناقضات تبدأ ولا تنتهي، حتى أنني أحياناً صرت أستمتع بتخيل النقد النقيض، فإذا سمعت أحدهم ينتقد الخطاب الشرعي بقضية ما، صرت أتخيل القضية النقيضة لذلك، وأتوقع أنه سيقولها يوماً ما.
18-تلاحظ أن هذه الطوائف الفكرية تردد دوماً سؤالاً يدور حول قضية (الحلول والبدائل) فيقولون لك كثيراً: أين الحلول والبدائل التي قدمها الخطاب الشرعي في قضايا الاقتصاد والإعلام والسياسة ونحوها؟ (طبعاً للأمانة فكل من سمعته يطرح هذا السؤال لم أره قدم هو حلاً واحداً، لكن دعنا نكمل تحليل الإشكالية) وهذا السؤال ناشئ عن غياب التمييز بين المحور الموضوعي/التكليفي الذي هو مسؤولية الفقهاء، والمحور الفني/الوضعي الذي هو مسؤولية الخبراء، وبالتالي فإن خبراء الاقتصاد هم الذين ينتجون الحلول والبدائل الاقتصادية، وخبراء الإعلام هم الذين ينتجون الحلول والبدائل الإعلامية، ونحو ذلك، وأما الفقهاء فمسؤوليتهم تحليل الشرعية ودراستها على ضوء علوم الوحي.
ثم إن مطالبة الفقهاء بابتكار الحلول في (العلوم الطبيعية والإنسانية) ينطوي في حقيقته على الاستهانة بهذه العلوم! لأن القدرة على فهم هذه العلوم (الطبيعية والإنسانية) واستيعابها فقط يحتاج إلى دهور وسنوات طويلة من الدراسة المنهجية المنظمة، ثم مواصلة القراءة والبحث، وورش العمل مع المختصين في ذات المجال. ومع ذلك فكثير ممن يدرسها ويفهمها ويستوعبها يجد مشقة كبيرة في الإبداع فيها وابتكار الحلول والبدائل، لصعوبتها وصعوبة الإبداع فيها وتقدمها المستمر، فكيف نطالب الفقيه والمحدث والمفسر أن يبدع الحلول في هذه العلوم، وأربابها وخبراؤها المختصون فيها منذ دهور يشق عليهم ذلك؟!
وكون الفقيه لا يمكنه أصلاً أن يقوم فنياً بابتكار الحلول في العلوم الطبيعية والإنسانية، لا يمكن أن يتضح إلا بالأمثلة: فهل يستطيع علماء الشريعة أن يبتكروا حلولاً فنية في طرق الإجهاض الحديثة، والتلقيح الصناعي، وطفل الأنابيب، والهندسة الوراثية، وهرمونات التوأم، وزراعة الأعضاء، والآليات الفنية للتجميل، ونحوها من النوازل الطبية؟
وهل يستطيع علماء الشريعة أن يبتكروا حلولاً في قضايا اقتصادية فنية متخصصة مثل التحكم في التضخم، وإدارة المخاطر، والقياسات الاكتوارية لمحفظة التأمين، أو ربط العملات، أو آليات التسويق، ونحوها؟
بالطبع لا .. لأنهم غير مؤهلون تفصيلياً بالعلوم الطبيعية والإنسانية التي تمكنهم من القيام بالدور الفني، بل كل متخصص من الباحثين يملك تأهيلاً إجمالياً فيما تخصص فيه، ففقهاء المعاملات لديهم تأهيل إجمالي في العلوم المالية، المتخصصون في الفقه الطبي لديهم تأهيل إجمالي في الصور الطبية محل البحث، وأما التأهيل التفصيلي فهذا ليس من صميم عمل الفقيه، ولا يمكنهم أن يدعوا تخصصاتهم ويعيدوا تأهيل أنفسهم تفصيلياً في هذه العلوم الدقيقة والمتخصصة، التي تستدعي دهوراً ليبدع الإنسان فيها، إذن ما الحل؟ الحل أن نعزز تواصل الفقهاء والخبراء، ونزيد ميزانيات البحث العلمي الرسمية.
19-لاحظت لدى بعض الفضلاء المهمومين بمعالجة ظواهر الانحراف الفكري مقولة يرددونها، وهي أن (الانحراف الفكري المحلي إفراز لفشل الخطاب الشرعي في تحقيق النهضة وعمارة الدنيا)، وبعضهم يقول (الانحراف الفكري المحلي نتيجة عكسية لخطاب التزمت الفقهي).
وهذه بكل صراحة مقولات تفسيرية لا تصمد أمام التحليل العلمي، فالقول بأن الانحراف الفكري انعكاس لفقهنا المتزمت مقولة غير دقيقة بتاتاً، يؤكد ذلك أنه من المعلوم أن الفقه السائد في مصر وتونس والمغرب العربي وتركيا وغيرها من بلاد الإسلام هو فقه متسامح يميل للروحانية أكثر من الالتزام الفقهي؛ ومع ذلك خرج من هذه البلدان أعتى رموز العلمنة والزندقة والإباحية، فلماذا وجدت العلمنة والزندقة في بلدان لا تعرف الوهابية والسلفية؟! الجواب أن قانون “الكفر والنفاق” مرتبط أصلاً بالأهواء التي تجد في الإسلام والوحي قيوداً تزعجها، فتبين أن هذه المقولة التفسيرية مقولة مغلوطة كلياً.
كما أننا لو أتينا لدراسة التاريخ لاكتشفنا أن (الانحراف عن الوحي) ليس ناشئاً أصلاً عن القصور الدنيوي للمسلمين، بل وجد (الانحراف عن الوحي) في أزهى عصور الوعي والتقدم، ففي عصور الحضارة الإسلامية في أواسط الإسلام وفي الأندلس وجدت أعتى أشكال الزندقة العقائدية والأدبية، وأنماط من تحريف معاني الكتاب والسنة بما لا يعرفه الانحراف المعاصر أصلاً! وفي تجارب الأنبياء التي بلغت الكمال والتي هي القدوة، وجدت أعتى أنواع الانحرافات من (كفر) خارج الدولة المسلمة، و(نفاق) داخل الصف المسلم، فهل وجود (الكفر والنفاق) في تجارب الأنبياء الدعوية دليل على فشل الأنبياء في حياتهم المدنية؟ وهل وجود الزندقة والضلالات العقدية والأدبية في عصر الحضارة الإسلامية دليل على فشل هذه الحضارة الإسلامية في بناء الدنيا؟
إذا كانت تجارب الأنبياء هي الكمال والقدوة، فلماذا إذن وجد في عصورهم أغلظ صور (الكفر والنفاق)؟ هل ذلك دليل على فشل الأنبياء والرسل -حاشاهم- في منهجهم الدعوي؟ أم ذلك دليل على أن قانون الكفر والنفاق مرتبط بـ(الأهواء) كما بين ذلك القرآن؟
الدليل التاريخي يؤكد أن (الزندقة والانحراف) ليست في الأصل انعكاساً للقصور الدنيوي، بل هي في الغالب أهواء ولذائذ تجد الوحي يصادمها، لكنها تستغل القصور الدنيوي لتبرير وجودها.
وبناء على التجربة التاريخية للزندقة والانحراف، نستطيع أن نؤكد بكل وضوح أنه لو بلغ المسلمون اليوم أرقى مراحل التقدم المدني فسيبقى أهل الأهواء يكتبون ضد : “إنما الخمر..رجس”، “للذكر مثل حظ الأنثيين”، “والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما”، “وأحل الله البيع وحرم الربا”، “والذين كفروا يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام”، “ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض” .. إلخ من المحكمات التي تتعارض مع أهوائهم.
هؤلاء الزنادقة والمنحرفون لديهم موقف سلبي جوهري من قيود الوحي، لديهم مشكلة مع أحكام شرعية نص عليها القرآن، وليست القضية كلها نهضة ولا حضارة ولا عمران.
وأين تكمن خطورة هذه الفكرة المغلوطة وهي (أن الانحراف الفكري إفراز لفشل الخطاب الشرعي في تحقيق النهضة)؟ تكمن خطورتها أنها تقود بعض الأفاضل إلى الرضوخ لتبديل بعض الأحكام الشرعية لاستمالة هؤلاء المنحرفين، ثم يكتشف بعد فترة أن المشكلة لدى هؤلاء أكبر بكثير مما يتصور، وأنهم يريدون مسلسل التخفيضات من الأحكام الشرعية أن يستمر، لأن الأصل المنحرف يتسرب منه من التطبيقات المنحرفة ما لا يحصى، فلا هو الذي حافظ على الشريعة، ولا هو الذي استمال هؤلاء للتدين.
20-تلاحظ أن الطوائف الفكرية يرون حياة الناس وصحافتهم ومجالسهم ملأى بشؤون مختلفة، من أخبار سياسية، وحديث عن الرياضة، والفن والسينما، والشعر النبطي، وأخبار الحوادث والجنايات، وترهات أخرى كثيرة، فتراهم يشاركون الناس في كل هذه القضايا بكل أريحية، فإذا تحدث أحد الفقهاء أو الدعاة عن قضية عقدية أو فقهية قفز حرصهم على الأولويات كأنما نشط من عقال، وصاروا ينوحون أنتم أشغلتم الناس بقضايا العقيدة والفقه عن مصالحهم إلخ، ولا أدري لماذا لا يرون أن هذه الأوقات الهائلة التي تذهب سدى أنها هي المسؤول الحقيقي عن إضاعة أوقات الناس؟! لا أدري لماذا يمنحون الترفيه شرعية عظيمة في أن يأخذ أوقات الناس، ولا يمنحون عُشر هذه الشرعية لتداول معاني الكتاب والسنة؟! لا أدري لماذا لا يتذكرون القضايا الكبرى ومصالح الناس إلا حين يجيء الحديث عن الإيمان والدعوة!
21-من المفارقات الطريفة التي لاحظتها عند كثير من الطوائف الفكرية أنهم يقولون (الكلام عن جهم بن صفوان وبشر المريسي وعمرو بن عبيد والنظام ونحوهم هذا كله نبشٌ في قبور التاريخ ونحن اليوم في عصر جديد مختلف كلياً له مفكروه وإشكالياته) ثم إذا ذهبت وأخذت أقلب مقالاتهم وجدتهم منهمكون في النبش في مقابر التاريخ الأوروبي! فتجدهم في غاية الزهو ووهم الأهمية وهم ينسخون ويلصقون من أسماء فلاسفة القرن السابع عشر (بيكون، هوبز، ديكارت، سبينوزا، جون لوك، ونحوهم) أو فلاسفة القرن الثامن عشر (فولتير، روسو، هيوم، كانط، ونحوهم)، بل وأكثر طرافة من ذلك حديثهم التبجيلي المستفيض عن سقراط أفلاطون وأرسطو ونحوهم من فلاسفة التاريخ السحيق، فصارت الإشكالية عندهم ليست في (القبور)، وإنما في (جنسية صاحب القبر) نفسه، فتكتشف أن ذلك الذي يؤذيهم ويسمونه غبار التاريخ يتحول بقدرة قادر إلى رذاذ التاريخ المنعش اللطيف!
فإذا قلت لهم: أنتم تتكلمون الآن عن فلسفات أوروبية بائدة لها مئات السنين، فلماذا تستغربون من أهل السنة إذا عرضوا في دروسهم للجهم والمريسي والنظام؟ قالوا لك: (أنت جاهل، هذه الفسلفات لا تزال لها امتداداتها، وآثارها المعاصرة موجودة إلى اليوم، وكثير من النظريات المعاصرة تعود جذورها إلى تلك الفلسفات!) فتقول لهم: وكذلك أفكار الجهم والمريسي لا تزال آثارها موجودة إلى اليوم، وكثير من المدارس العقدية المعاصرة تعود جذورها إلى أفكار تلك الشخصيات! فما الفرق إذن؟! لن تجد جواباً !
22-لاحظت في هذه الطوائف الفكرية أنها لم تستوعب بشكل عميق الفارق بين (علم السلف) و (علم المفكرين المعاصرين) بالإسلام والوحي ومراد الله ورسوله، ولا يزال كثيرٌ منهم يجّوز أن تكون طريقة المنتسبين للفكر المعاصر أعلم وأصح في فهم الإسلام من أئمة المسلمين في القرون المفضلة، ويقول لك ما المانع أن يكون كلام هؤلاء المعاصرين عن المقاصد والسنة النبوية وأصول الفقه ونحوها أصح من طريقة السلف؟!
أتذكر أحد هؤلاء يحب القراءة لبعض الفرانكفونيين العرب الذين يكتبون في إعادة تفسير التراث، ويردد دوماً بأنه يريد فهماً عقلانياً للإسلام! قلت له يوماً: إن كنت تتوقع أن هذه الشخصيات التي تقرأ لها والتي تعرف أنت أنها أخذت نصوص التراث عن المستشرقين، وكثير منهم معاقر لأم الخبائث، ومع ذلك تتصور أن هؤلاء سيفهمون الإسلام بأصح مما فهمه أمثال سعيد بن المسيب وابن المبارك وعطاء والزهري والأوزاعي والثوري ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ونحوهم ممن أفنوا أعمارهم في جمع السنة، وتمحيصها حديثاً حديثاً، واستيعاب فتاوى أصحاب رسول الله، مع دقتهم في معرفة لسان العرب، وشدة احتياطهم من الفتوى بلا علم، وفوق ذلك كله تصونهم وتقواهم وتعلقهم بالله، إذا كنت ترى أن أصحابك الفرانكفونيين ربما يكونون أفضل فهماً لمراد الله ورسوله من هؤلاء، فهذه والله غاية الخرافة والسذاجة، وليس في ذلك من العقلانية حبة خردل!
ياعزيزي أرجوك فكّر بعقلانية: كيف تقارن أمثال سعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء ومسروق ونحوهم من كبار التابعين الذين درسوا بين يدي أجلة أصحاب رسول الله، بأصحابك الفرانكفونيين الذين درسوا على يدي المستشرقين؟!
ياعزيزي سعيد بن المسيب حامل علم عمر بن الخطاب حتى كان ابن عمر يسأله عن أقضية عمر، واختص بأبي هريرة حتى زوّجه ابنته، ومجاهد بن جبر عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات يوقفه عند كل آية يسأله عن معناها، وعطاء بن أبي رباح كان يفتي في المناسك وأصحاب رسول الله شاهدون، والحسن البصري لقي خمسمائة من الصحابة، ومن قرأ في تاريخ كبار التابعين ورأى مؤهلاتهم العلمية وقف مشدوهاً إكباراً لأولئك العظماء، فهل تتوقع أن يكون هؤلاء المنتسبون للفكر المعاصر الذين لا يعدون أن يكونوا مجموعة من الهواة للكتابة حول التراث الإسلامي، هل تتوقع أن يكونوا أعلم وأكثر جدية في البحث عن مراد الله ورسوله من أولئك؟! هذا تدمير للعقلانية يا عزيزي، ولا صلة له بتاتاً بها، أرجوك العقلانية أشرف بكثير من هذه التصورات الساذجة، قل أي شيء إلا أن تقول لي هذا مقتضى العقلانية، تصوراتك هذه لا تختلف عن من يتصور أن مجموعة من الشباب الذين اقتنوا مؤخراً عدداً من الكتب التعليمية المترجمة عن الفلسفة من معارض الكتاب أنهم من الممكن أن يكونوا أعلم بالفلسفة من أساطين الفلسفة المعاصرين اليوم. فهل هذا كلام معقول؟!
23-من الأمور التي لفتت انتباهي عند الطوائف الفكرية المعاصرة كثرة الخلط بين (النقد) و (التجني)، فتراهم يقولون لك متذمرين: لماذا لا تقبلون النقد؟ لماذا ترفضون التصحيح؟ فإذا قلت له: تفضل ما النقد الذي لديك؟ اكتشفت أنه كله سواليف متناثرة من التجني والبهتان.
من المهم هاهنا أن نؤكد بصورة واضحة أن نقد الخطاب الشرعي المعاصر ليس مبدأً مرفوضاً من الأساس، بل وليس مقبولاً فقط، بل هو مطلب شرعي لأنه جزء من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل فقهاء ودعاة الخطاب الشرعي –بلا استثناء- مارسوا شيئاً من النقد والتصحيح والتصويب كلٌ في مجاله، فالفقهاء ينتقدون دوماً الأخطاء الفقهية، والتربويون ينتقدون دوماً السلوكيات الخاطئة، وهكذا. ولكن هذا النقد مشروط دوماً بأن يكون نقداً علمياً مبرهناً، وليس شائعات مجالس يستهلكها كسالى المعرفة وضحايا الإعلام المسيس.
والحقيقة أن أكثر النقد الذي يطرح هذه الأيام لا صلة له بالعلمية من قريب ولا بعيد، فالتجني على الإسلاميين أصبح موضة رائجة هذه الأيام، وأنا شخصياً صار عندي موقف سلبي جذري من أي شخص يركب هذه الموضة، فالتجني والشماتة وتصوير الحال على غير ماهو عليه مرفوض بكل حدة.
فبعض هؤلاء الذين ركبوا الموجة إذا أتى ذكر الإسلاميين فلا نجد عندهم إلا غمطهم قدرهم، وتغييب محاسنهم، فالإسلاميون عندهم إما أن يتهموهم بما ليس فيهم، وإما أن يشتموهم بما هو من محاسنهم.
فاتهامهم بما ليس فيهم: كاتهامهم برفض الأفكار الحديثة لمجرد كونها حديثة، واتهامهم بتهميش قضايا الأخلاق، واتهامهم بالتبعية الفقهية للسياسي. وأما شتمهم بما هو من محاسنهم: كذمهم لتعظيمهم فقه السلف وعنايتهم به، وذمهم لقلقهم من التغريب، وذمهم لرفضهم العقائدي الصلب للأفكار المنحرفة.
أما ذكر محاسن الإسلاميين، والتحديات التي تواجههم، وغربتهم في هذا العصر، وكونهم القائم بأمر الإسلام في هذه الظروف العالمية الشديدة؛ فهذا مما لا يخطر على بال أولئك أصلاً، فضلاً عن أن ينوهوا به، وبعض هؤلاء يعتبر نفسه من الإسلاميين ومع ذلك صار عوناً على إخوانه الذين يهمهم أمر الإسلام، وصار خطأ آحاد إخوانه في نصرة الإسلام أعظم في نظره من جرائم الكتَّاب المنهمكين في تحجيم أمر الإسلام وتضييق نطاق التدين.
24-من الأمور المؤلمة أنك تجد كثيراً من رموز الطوائف الفكرية الذين يلمزون أهل السنة بأنهم لا يتحدثون عن الظلم، وأنهم يجب أن يقاوموا الظلم؛ أنك تجد هؤلاء الرموز أنفسهم واقعون في مراتب فظيعة من الظلم، كظلم القرآن بتحريف كثير من آياته، وظلم السلف بالتهكم بفقههم، وظلم أهل السنة بالتجني عليهم، ونحو ذلك، ثم يتغنون بوجوب مقاومة الظلم، وليتهم صححوا مظالمهم قبل ذلك.
25-من الأخطاء المنهجية التي لاحظتها في الطوائف الفكرية تحميل الخطاب الشرعي مسؤولية المتنكرين والدخلاء والمتسللين، فنحن نعرف أن الفقيه الشرعي له منزلة في قلوب المسلمين ولله الحمد، فترى بعض الشخصيات المرتزقة تتزيا بزي الفقهاء وتتظاهر بمظهرهم لتحقيق بعض المكتسبات السياسية كمنصب أو أعطيات ونحوه، فالإنسان الصادق في حب الشريعة وأهلها وأهل السنة، تجده ينفي نسبة هذه الشخصيات للخطاب الشرعي، وبالتالي ينزه الخطاب الشرعي وأهل السنة من أفعالهم، ولكن الشخص الذي في قلبه هوى وشحناء ضد أهل السنة تجده يفرح بنسبة هذه الشخصيات للخطاب الشرعي ليتوصل إلى إدانة الخطاب الشرعي بسلوكيات هؤلاء المرتزقة.
ومن الأمثلة الحية على ذلك، أن المسلمين ولله الحمد جبلت نفوسهم على حب المتدينين والثقة بهم، فيأتي بعض المحتالين فيتزيا بزي المتدينين فيرخي لحيته ويبالغ في تشمير ثوبه ويضخ تيارات البخور في مكتبه ويفتح مساهمة عقارية يقضم بها أرصدة البسطاء، فالباحث الصادق ينفي نسبة هذه الشخصية للأخيار والمتدينين، وصاحب الهوى الذي يريد إسقاط الخطاب الشرعي تجده يتعامى عن ذلك ويقول: (انظروا إلى المطاوعة يأكلون أموال الناس) فانظر كيف يحمل الفضلاء مسؤولية المحتالين!
وأقرب مثل لذلك أنني رأيت مرة أحد الباحثين الماركسيين يحمل الصحابة مسؤولية أفعال بعض المنافقين التي ذمها الله في القرآن! فإذا كان هذا المنافق تسلل إلى الداخل المسلم وتستر بأنه من أصحاب محمد فكيف تحمل الصحابة مسؤولية هذا المحتال!
ومن أطرف الأمثلة أنني سمعت أحدهم يقول (أن هناك عينات من الآباء يحولون بين بناتهم وبين الزواج ليستأثروا برواتبهن، وهذه نتائج الخطاب الديني الذكوري عندنا للأسف ) فقلت له: ياسبحان الله، الآن تركت كل كلام أهل العلم عندنا في تحريم العضل والتشنيع فيه وأنه من أفحش الظلم، وذهبت تستدل ببعض المقصرين وتنسبه للخطاب الشرعي!
26-لاحظت أن ثمة شريحة واسعة داخل الطوائف الفكرية لديها (علمانية في فقه الأولويات) فهي تقر معك بثبوت كثير من القضايا الشرعية، لكن إذا جئت لترتيب الأولويات تراها ترتب الأولويات بحسب ذوقها وميولها الشخصي، وليس بحسب ترتيب القرآن، وكثيراً ما كنت أسمع أحدهم يقول لي (ليست المشكلة في كون قضايا التوحيد والبدع والفضيلة مهمة ولكن أين فقه الأولويات في عصرنا؟) فإذا بدأت تتحاور معه حول هذا السؤال المجمل اكتشفت أنه قد صمم جدولاً للأولويات من وحي ميوله الشخصية. وهذا كله خطأ كارثي، فكما أن هذه القضايا مصدر شرعيتها القرآن، فكذلك فإن ترتيبها مصدره القرآن، فالقرآن هو المصدر المطلق في ترتيب الأولويات، فما عظمه القرآن يجب أن نعظمه فنكثف الدعوة إليه ونحذر من الخطأ فيه، وما أخره القرآن يجب أن نقتصد فيه فنقتصد في الدعوة إليه ونتسامح في الخطأ فيه.
ومثل هذا التفريق عندهم أعني التفريق بين (شرعية القضايا، وترتيب الأولويات بين القضايا) فيحتكم في الأولى للقرآن، ويحتكم في الثانية لذوقه الشخصي؛ له نظائر عندهم، من ذلك تفريقهم بين (النص والتفسير) فيقول لك نحن نؤمن بالنص ولكن نخالف في تفسير النص، فهو يتوهم أن منهج تفسير النص لا يرجع فيه للنص ذاته! فكما أن أولئك علمنوا (فقه الأولويات) بفصلها عن حاكمية القرآن، فإن هؤلاء علمنوا (منهج تفسير النص) وفصلوه عن حاكمية النص ذاتها.
ومنهج تفسير النص منصوص عليه، ومن أمثلة ذلك: قاعدة فهم القرآن على مقتضى الوضع العربي بما يتضمنه من أساليبها في العموم والخصوص ونحوها من خصائص اللغة العربية (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا )، وفهم القرآن بمنهج الصحابة (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْ)، وقاعدة رد المتشابه إلى المحكم (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، وقاعدة تتبع موارد اللفظ في النصوص (ليس كما تقولون أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه “يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم” )، وقاعدة مراعاة الترتيب في النصوص (أبدأ بما بدأ الله به)، وهذه أمثلة فقط، وثمة نماذج كثيرة لكيفية دلالة النصوص على منهج تفسير النص ذاته.
27-طوال مناقشاتي الشخصية مع نقاد الخطاب الشرعي كنت أحرص على الوصول لرؤية علمية، لكن كانت تواجهني عقبات كبيرة، ومن أهم هذه العقبات مشكلة (المراوحة في محل النزاع) وهي إشكالية في المنهج المعرفي، وخلاصتها أن المناقش لا يستطيع أن يمسك بالسؤال الذي يدور حوله النقاش بل يتقلب باستمرار، ويعيد صياغة السؤال بشكل مناقض، ويقفز إلى سؤال آخر دون وعي، وهذه الإشكالية تسبب لي شخصياً متاعب كبيرة في النقاش معهم، وسأضرب لذلك مثلاً:
يأتيك شخص متأثر بالتيارات الفكرية المعاصرة ويقول لك (مشكلة الخطاب الشرعي أنه غائب بتاتاً عن دراسة وبحث المستجدات المعاصرة) تقول له: حسناً، لنركِّز النقاش، سأذكر لك نماذج كثيرة من دراسات الباحثين الشرعيين في القضايا المعاصرة، فإذا ذكرت له بعضها، يقول لي (ولكنهم يعالجون المسائل في هذه الدراسات بطريقة أصول الفقه الموروثة عن السلف، وهذه طريقة تقليدية انتهت). لاحظ في جوابه هذا كيف قلب الإشكالية دون وعي، فإشكاليته الأولى: أن الخطاب الشرعي لا يدرس المستجدات، وإشكاليته الثانية: أن الخطاب الشرعي يدرس المستجدات، لكنه يدرسها بطريقة أصول الفقه عند السلف! فيتبين بعد ذلك أن مشكلته الحقيقية ليست في دراسة المستجدات من عدمها، وإنما مشكلته الحقيقية مع منهج السلف في فهم الإسلام!
ومثال آخر لذلك: يأتيك شاب من ضحايا التيارات الفكرية المعاصرة فيقول لك: (مشكلة الخطاب الشرعي أنه غائب تماماً عن قضايا الحقوق والفساد المالي والرشوة ونحوها) فتذكر له نماذج من معالجات الخطاب الشرعي لمثل هذه القضايا، فيقول لك (ولكنهم يتكلمون عن قضايا أخرى مثل الصفات ومعارك الليبرالية الفارغة وغيرها). فانظر كيف قلب إشكاليته كلياً، ففي البداية كان يدعي أن أهل السنة لا يتحدثون عن الحقوق المالية، ثم تحول وصار يقر بأن لهم طرح حول القضايا المالية ولكن لماذا يطرحون قضايا عقدية وفضيلية أخرى؟! فتبين أن مشكلته الفعلية ليست في منح الحقوق المالية اهتماماً وإنما في إلغاء الاهتمامات الشرعية الأخرى.
وهكذا تجد التلون والمراوغة والتقلب في الأسئلة والإشكاليات، وإعادة صياغتها بطريقة تنقض الدعوى السابقة، فيبقى في المراوحة والترنح بين أسئلة فلاشية تنقدح من كل جانب.
28-ومن المشكلات المنهجية الطريفة عند الطوائف الفكرية أنك حين تطالبهم بنماذج يذكرون لك شواهد تفيد نقيض دعواهم تماماً، ومن ذلك مثلاً: أن يأتيك شخص ويقول لك مشكلة الخطاب الشرعي أنه يغالي في طاعة ولاة الأمور حتى أنه يمنع الإنكار لأنه معصية لولي الأمر، فإذا ذكرت له نماذج من إنكار الفقهاء والدعاة في مسائل كثيرة وضعها النظام السياسي، قال لك (ولكنك تعرف أن فرقة منسوبة للشيخ ربيع المدخلي تمنع ذلك كله) فتقول له: وكيف وقف الإسلاميون تجاه هذه الفرقة؟! إن وقفتهم الحازمة تدل على نقيض مقصودك!
ومن أمثلة ذلك أنك تجدهم يقولون الفقهاء يغيرون مواقفهم تبعاً للسياسي، فإذا قلت أعظني مثالاً لو سمحت؟ يقول لك: انظر اختلاط كاوست كيف أفتت بعض الشخصيات الوزارية الرسمية بجوازه، فتقول له: وكيف وقف الإسلاميون تجاه هذه الشخصيات؟ إن وقفتهم الحاسمة والحادة تدل على نقيض مقصودك!
وأحدهم قال لي مرة: الإسلاميون يرفضون استنباط شيء جديد من النصوص لا يوجد في كتب السلف، قلت له: أعطني مثالاً على ذلك قال: موقفهم السلبي من ظلال القرآن لسيد قطب، قلت له:
إذا كان سيد قطب وقع في هنات يسيرة خالف فيها عقيدة السلف، ومع ذلك تجد تفاني الإسلاميين في النقل عنه واستعذاب مقطوعاته فهذا يدل على نقيض قصدك جذرياً! إذا كان هذا موقفهم مع من استنبط وأخطأ، فكيف موقفهم مع من استنبط ولم يخالف السلف؟!
وهكذا يذكرون دوماً شواهد تفيد نقيض مقصودهم.
29-لاشك أن هداية الجميع مطلب شرعي، لكننا سنتكلم هاهنا عن الأولوية أيهما أولى (هداية أهل الأهواء الفكرية ذاتهم؟ أم حفظ الشاب الداعية الصادق من هذه الأهواء الفكرية؟) لاحظت بعض الأخيار تأخذه الحماسة في التأثير على أهل الأهواء فيلجأ إلى أن يستميلهم بإرضائهم بالموافقة على صحة بعض طعونهم في الخطاب الشرعي، ظناً منه أنه ببذل هذه المداهنة العلمية سيتألفهم لمنهج أهل السنة، لكن الواقع أن مثل هذا يعود بخسائر أكبر على طالب العلم والداعية الصادق الباحث عن الحق، ولذلك، فإنه يجب أن تكون الأولوية لحماية الشباب الصادق من أهل الأهواء ببيان زيف أفكارهم، فإن اهتدى أهل الأهواء الفكرية فبها ونعمت، وإن تمسكوا بأهوائهم فلسنا على استعداد للتفريط بإيمان الشباب المسلم وديانتهم وعبوديتهم لأجل أهل أهواء يشترطون على النص.
30-أوجه القصور في الخطاب الشرعي المعاصر:
تعرفنا في الجولات السابقة على الشائعات النقدية التي تستهلكها الطوائف الفكرية المعاصرة المخالفة لأهل السنة في منهج الإصلاح والنهضة، واكتشفنا سوياً حجم زيفها وبطلانها، فالسؤال الآن: إذاً ماهي أوجه القصور في الخطاب الشرعي المعاصر؟
فالحقيقة أن الذي يبدو لي شخصياً أن هناك محورين أساسيين تظهر فيهما تجليات القصور:
المحور الأول: نقص التغطية في كل المجالات، فحجم الجهود المبذولة في كل الميادين غير كافية إلى الآن، وسأضرب أمثلةً لذلك:
تشهد المجتمعات المسلمة اليوم ألواناً من الوثنية التقليدية، كالاستغاثة بالحسين وسؤاله تفريج الكربات، وهذه المظاهرة موجودة في مجتمعنا المحلي ذاته، وثمة دراسات ذكية وممتازة درست واقع المزارات المعاصرة المنتشرة في البلدان الإسلامية وكشفت نتائج مرعبة من شيوع الوثنية التقليدية، وهذا هو عين الشرك الذي ذهبت أعمار الرسل والأنبياء في محاربته، ومع ذلك لا تزال جهودنا تتقاصر عن معالجة أعظم قضية أهمّت الأنبياء واستولت على هرم أولوياتهم، بل وصلنا إلى درجة أكثر انحطاطاً حيث صار بعض المنتسبين للفكر عندنا يتعامل مع هذه المظاهر بكل برود وكأن حق الله الأعظم لم ينتهك! بل وقد يسخر ممن يؤرقه هذا الأمر ويسعى في معالجته، بل وبعضهم يعتبر معالجته نوع من “الطائفية”!
ومن صور القصور أيضاً، أن كثيراً من المجتمعات المسلمة تعاني من (شرك التشريع) أي عدم إفراد الله بالطاعة في تشريعاته، فتسن القوانين تلو القوانين التي تنتهك أحكام الله في المعاملات والجنايات وغيرها. وهذا الشرك الذي قال الله عنه {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} الشورى،21 . فسمى تشريعاتهم شركا. وقال تعالى عنه أيضاً: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} التوبة،31. فجعل طاعتهم شركا. وقال تعالى {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا} الفرقان،43. فجعل طاعة الهوى بما يخالف أمر الله نوع من “تأليه الهوى” .
ومن أعظم ما يبين مركزية (توحيد التشريع) في مشروعات الأنبياء للإصلاح أن الله تعالى حين ذكر “الرسل” و“الكتب السماوية” -وهما يمثلان ثلث أركان الإيمان الستة- رسم وظيفة الكتب السماوية بصورة أخاذة حيث يقول تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213]. فبالله عليك تدبر هذا الشمول الذي ذكرته هذه الآية عن وظيفة الكتب السماوية “ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه” وقارنه بواقع الحال اليوم.
والمراد أن جهودنا في معالجة شرك التشريع الذي هو من أعظم نواقض وقوادح التوحيد لا تزال أقل بكثير بكثير من المستوى المطلوب، بل وظهر لدى البعض نغمة جديدة صار يشعر أن قضية (تحكيم الشريعة) قضية جيدة ولكنها ليست أولوية، المهم هو الحقوق المالية، فاختزلت الشريعة كلها في الحقوق المالية!
ومن أمثلة قصور الخطاب الشرعي أن المؤسسات الإعلامية الكبرى اليوم تكثف نشر المواد الإعلامية التي تدفع باتجاه تطبيع العلاقات غير المشروعة بين الجنسين، وتقويض الحواجز الشرعية، وحفظ الأعراض واحد من أعظم مقاصد الشريعة الخمسة، ومع ذلك لا تزال جهودنا دون مستوى المواجهة.
ومن أمثلة قصور الخطاب الشرعي أن الطوائف الفكرية المنحرفة تضخ على الشباب اليوم آلاف المقالات التي تتضمن شبهات تزين للشاب المسلم تقحم الشهوات دون تأنيب ضمير، وفيها من تحريف معاني الوحي والتزهيد بفقه السلف واللهج بتعظيم الكفار شيئاً عجباً، وغالبها تقريباً يدور حول إعادة صياغة أحكام الإسلام بما يتناسب مع قيم ومفاهيم الثقافة الغربية عبر الاعتماد على الخلافات والشذوذات الفقهية، فإذا وجدوا شذوذاً فقهياً صار المرجح في المسألة ليس النص، وإنما مدى القرب والبعد عن قيم الثقافة الغربية، ولذلك تنتهي هذه الأفكار دوماً إلى (التفسير المادي للإسلام) أي إبراز الجانب المادي في التشريعات وتغييب بقية المحتويات العقدية والفقهية، ومع ذلك لا تزال جهودنا في مكافحة هذه الطوائف الفكرية المنحرفة دون المستوى المطلوب.
ومن أوجه القصور أن كثيراً من المناصب والولايات المؤثرة على حياة المسلمين صارت تعطى لغير الأكفاء، وكثير من العقود الحكومية صار ينخرها الفساد من الداخل، وهذا أثر جوهرياً على المصالح الخدمية للمسلمين بشكل عام، وأزمتي الإسكان والصحة بشكل خاص، ولا تزال جهودنا في المطالبة بالإصلاح دون المستوى المطلوب.
هذه نماذج فقط، والمراد منها التأكيد على أننا بحاجة لمضاعفة الجهود على جميع الجبهات، العقيدية والفضيلية والمالية وغيرها، فليست مشكلة الخطاب الشرعي أنه غالى في جانب وترك جوانب أخرى، بل مشكلة الخطاب الشرعي أنه لا يزال غير قادر على تلبية الاحتياجات في جميع الحقول.
والفرق بين أهل السنة وأهل الأهواء الفكرية في تحديد مواطن القصور، أن أهل السنة يطالبون دوماً بجميع الأبواب الشرعية، ويعظمون شأنها جميعاً، لأنها كلها من الدين عندهم، وأما أهل الأهواء فيضربون المطالب الشرعية بعضها ببعض، فأهل السنة يقولون دوماً يجب أن نجتهد في كل الفروض الكفائية، وأهل الأهواء يقولون –مثلاً- أوقفوا جهود التوحيد والفضيلة وتحدثوا في الحقوق المالية فقط. ومن يدعو لمضاعفة الجهد على كل الجبهات فهذا دليل على أنه يريد الأخذ بالدين كله، ومن كان يريد ضرب المطالب الشرعية بعضها ببعض فهذا دليل على أن في نفسه هوى.
المحور الثاني: قصور الأخطاء الفردية: لايمكن القول بأن فقهاء ودعاة الخطاب الشرعي معصومون، بل يحدث من الأفراد جميعاً بلا استثناء أخطاء فردية عرضية، فالإنسان يضعف أحياناً في العلم والعمل، يضعف في العلم فيتأول، ويضعف في العمل فيعصي، والواجب علينا جميعاً أن نتناصح في هذه الأخطاء الفردية.
لكن من المهم التنبيه إلى أن الأخطاء الفردية لا تحسب على قواعد وأصول أهل السنة ذاتها الموروثة عن خير القرون، فتجد بعض الشباب يأتيك ويقول لك: (الخطاب الشرعي لا يعتني بقضايا الأخلاق) فإذا ذكرت له نماذج واسعة من منتجات قضايا الأخلاق، قال لك (أنا أتذكر الشيخ الفلاني غضب مرةً وقال كلاماً، والشيخ الفلاني يهمل في عمله، ونحو ذلك) فمثل هذه الوقائع هي أخطاء شخصية لأفراد وليست أخطاءً لمنهج أهل السنة ذاته! هل يصح أن نأخذ مثلاً القصور البشري الذي اعترى بعض الصحابة ونقول إن منهج النبي في التعليم خاطئ؟! والمراد أن وقوع الخطأ من الأفراد يجب أن يعالج كأفراد، لا أن ننقلب على الخطاب الشرعي ذاته.
هذان محوران أرى شخصياً أنهما بحاجة للعناية لتنمية الواقع الإسلامي.