الماجريات
الفصل الثالث: الماجريات السياسية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
الماجريات السياسية
مدخل
سبق أن تداولنا سويًا التمييز بين الأنماط الأربعة المطروحة للعلاقة بين السياسة والخطاب الشرعي، وهي العلمنة والسلطنة والتعميم والتخصص، فاتجاه العلمنة ينابذ سلطة الأحكام الشرعية على السياسة، واتجاه السلطنة يُخضع السياسة لهيمنة الأحكام الشرعية لكن يحصر حق الحديث عنها في المستبد، واتجاه التعميم يُخضع السياسة لهيمنة الأحكام الشرعية -أيضًا- لكن يستنهض الجميع للدخول في الاشتغال السياسي، إما صراحة أو بلسان الحال، واتجاه التخصص يُخضع السياسة لهيمنة الأحكام الشرعية كذلك، لكن يضعها في مربع التخصص المطلوب، فالمتخصص يستوعب تفاصيلها، وغير المتخصص يكفيه مجملاتها، ولا يُلهب الجميع للتصدي للبت في مسائلها، بل يتصدى لخطابها المؤهل إما بعلم السياسة الشرعية من جهة أحكامها، أو بالخبرة السياسية المعاصرة من جهة فنياتها وإجراءاتها، وهذا الاتجاه لا يعتبر الاشتغال السياسي هو المفتاح الوحيد للإصلاح، بل هو خط مهم ونبيل لكن ضمن خطوط كثيرة علمية ودعوية لا يجوز الجور عليها في سياق تفخيم شأنه، بل يجب أن يعطى وزنه الطبيعي، لا باعتباره أبا للإصلاح، ولا باعتباره أجنبيًا دخيلاً عليه، بل باعتباره أحد الأشقاء الأفاضل في عائلة الإصلاح.
واتجاها العلمنة والسلطنة تبارت الأقلام عليها وتعاقبت الكراريس، وليسا موضوع بحثنا هنا، وإنما موضوع بحثنا هو الاتجاه الثالث المشار له آنفًا «اتجاه التعميم»، الذي يثير إشكالية «القدر الزائد من الانهماك السياسي»، أو ما يمكن تسميته «التخمة السياسية»، وقد كنا عالجنا مسألة الماجريات الشبكية من خلال الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة حول ظاهرتها، ولكننا في هذا الفصل المكرس للماجريات السياسية سنناقش إشكالية التخمة السياسية من مدخل آخر، حيث سنقرأ هذه الإشكالية من خلال التجارب التاريخية «الجادة» للعلماء المصلحين والمفكرين الإسلاميين في هذا العصر، وكيف تعاملوا مع إشكالية القدر الزائد من الانهماك السياسي، وكيف يمكن أن نستثمر المادة التاريخية في إنعاش الدافعية المشلولة.
هذا يعني أننا يجب أن ننتخب عدة عينات للدراسة بحيث تكون: «جادة» و«مستقلة»، ولها موقف نقدي من إشكالية «التعميم السياسي»، على أن تمثل هذه العينات شيئًا من التنوع في الخلفيات المعرفية والجغرافية وزاوية النظر النقدي، ولأجل ذلك اخترنا نموذجًا للعالم المصلح وهو البشير الإبراهيمي، ونموذجًا للداعية الإسلامي وهو الندوي وفريد الأنصاري، ونموذجًا للمفكر الإسلامي وهو مالك بن نبي والمسيري. وهذه العينات تمثل أيضًا تنوعات جغرافية: من الهند (الندوي)، ومصر (المسيري)، والجزائر (البشير الإبراهيمي ومالك بن نبي)، والمغرب (فريد الأنصاري)، وكل هذه الشخصيات لها رؤية لا توافق التعميم السياسي، وكلها أيضًا ليست موضع تهمة بأنها اتخذت هذه المواقف مُصانعةً لمستبدٍّ ما، وإلا لفقد النموذج دلالته.
وليست القضية هنا مجرد عرض لمواقف مجردة لشخصيات مرموقة علميًا وإصلاحيًا تنتقد «التعميم السياسي» أو «التخمة السياسية»، فهذه يمكن أن تقدم في صفحة واحدة في مقالة وينتهي الأمر، بل نحتاج إلى أمر أكثر تركيبًا من ذلك، فأكثر ما يهمنا في هذه النماذج والتجارب أن نعيش معها لحظات «الإنتاج الجاد» في تجاربها، ويتذكر القارئ أننا أشرنا في مدخل الدراسة لحاجتنا لمعاشية الخبرات والتجارب كوسيلة تضميد لجراحات الدافعية، كما أن أحد التمييزات الخمسة التي تحكم هذه الدراسة والتي سبق إيضاحها في فصل التمييزات الحاكمة كان «التمييز بين المتابعة المتفرجة والمتابعة المنتجة»، فليس المراد إذن في هذا الفصل إدانة «التورم السياسي» فقط، بل المراد أيضًا، وبصورة لا تقل أهمية؛ إنعاش الحيوية العلمية والعزيمة الإصلاحية لتستعيد نبضها الطبيعي، فحالة التقاعس والتواني التي ولّدها التفرج على الماجريات تفتقر إلى عينات وتجارب نخالط ونُمازج فيها معاناة الكدح والمزاولة في المعرفة والدعوة.
ولأجل هذه الأغراض والمحددات قسمنا كل نموذج لقسمين، الأول هو محيط النموذج نتعرف فيه على الإنتاج الجاد لصاحب النموذج ونفهم من خلاله سياق نموذجه، والثاني لدراسة مكونات وعناصر هذا النموذج المطروح حول العلاقة بين السياسة من جهة وبين العلم والدعوة من جهة أخرى.
شروحات وبرامج عن «الماجريات»
شروحات أخرى للكتاب1
- التريندات والانجاز - مراجعة كتاب الماجريات للدكتور ابراهيم السكرانALBASHFAHEM _ الباشفاهم