تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

الماجريات

الفصل الثاني: الماجريات الشبكية

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 49-71 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 21 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالماجريات

مدخل في العام ١٩٩٥م سبك الطبيب النفسي الأمريكي إيفان جولدبيرج مصطلح «اضطراب إدمان الإنترنت» (Internet Addiction Disorder) والذي بات يشار له اختصاراً (IAD)، ولكن لم يكن الأمر موضع اهتمام فعلي1.

ثم في العام ١٩٩٦م عرضت المتخصصة النفسية الأمريكية د. كيمبرلي يونج في مؤتمر متخصص دراسة جادة في تتبع الموضوع بعنوان (إدمان الإنترنت: ظهور اضطراب عيادي جديد) وعرضتها في المؤتمر السنوي للجمعية النفسية الأمريكية، والذي عقد في تورنتو، ونشرت الورقة بعد ذلك في أحد الدوريات النفسية المتخصصة2.

ولكن كيف استطاعت د. يونج دراسة هذه الظاهرة كإدمان مع أنها غير مصنفة مرضياً في الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM) الذي اعتمدته الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) والذي يعتبر المرجع الحاكم في هذا الحقل في الأمريكيتين؟ الحقيقة أن د. يونج أخذت من هذا الدليل بإصداره الرابع آنذاك (DSM-IV; APA, 1994) معيار «اللعب المرضي للقمار» وتوصلت الدراسة إلى أن عدداً من أفراد العينة من مستخدمي الإنترنت يعاني من نفس الأعراض المصاحبة «للعب المرضي للقمار»، المعتمد في الدليل الرسمي، مما يعني أنه تخريجاً على المعايير المعتمدة هناك «استخدام مرضي للانترنت»، وأعيد التأكيد أن هذه النتيجة تخريجية لا تطبيقية.

وتقول د. يونج ملخصة النموذج البحثي المستعمل، والنتيجة التي توصلت لها، في هذه الدراسة المبكرة المشار لها، التي كانت في أواسط التسعينات الميلادية: (تشير النتائج الحالية إلى أن بعض مستخدمي الشبكة أصبحوا مدمنين على الإنترنت قريباً من الحالة التي يصبح فيها آخرون مدمنين على المخدرات والكحول والقمار، والتي تظهر في الإخفاق الدراسي، وتدهور الأداء المهني، بل حتى الانفصال الأسري. والبحث العيادي حول الإدمانات السلوكية ركّز على لعب القمار القهري والإفراط في تناول الطعام، والسلوك الجنسي القهري …، وباستعمال «اللعب المرضي بالقمار» كنموذج، فإن إدمان الإنترنت يمكن تحديده بأنه حالة «اضطراب التحكم في الاندفاعية» والتي لا تتطلب مواد مُسكرة)3.

وواصلت د. يونج اهتمامها حول الموضوع بشكل مكثف، وأصدرت بحوثاً كثيرة، وكتباً مفردة ومشتركة، كلها مخصصة لظاهرة إدمان الإنترنت.

ثم انهمرت الدراسات والبحوث الأكاديمية والعيادية حول الموضوع وكثرت بصورة لافتة، وشارك فيها باحثون من جنسيات مختلفة، وبرز الاهتمام الرسمي أيضاً بالموضوع.

وفي المركز الطبي بجامعة ستانفورد قام خمسة من الباحثين بإجراء دراسة توصلوا فيها إلى أن واحداً من كل ثمانية أمريكيين يعاني من أحد أعراض الاستعمال المرضي للانترنت، ونشرت الدراسة عام ٢٠٠٦م4.

وأفاد ٢٠% من طلاب جامعة هارفارد أن استخدام الإنترنت بات يعرقل تحصيلهم الدراسي وأنهم يسألون عن علاج لهذه الحالة5. وتزامناً مع تفاقم المشكلة تبنت بعض وزارات الصحة في بعض الدول إنشاء ونشر المراكز الاستشارية التأهيلية لعلاج إدمان الإنترنت، حتى أنه في العام ٢٠٠٧م بلغت عدد المراكز الاستشارية لعلاج إدمان الإنترنت في كوريا الجنوبية (١٤٠) مركزاً6!

وبحسب ما لاحظته في البحوث ذات الصلة فإن كوريا الجنوبية أكثر الدول قلقاً حيال الموضوع، واهتماماً بعلاجه، وينقل المختصون عنها حالات في غاية الغرابة لإدمان الشبكة والانهماك فيها واستحواذها على الشخصية، كالسهر طوال الليل دون نوم، وترك الذهاب لقضاء الحاجة بما يتسبب بأضرار الاحتباس، وإهمال الضرورات الحياتية، الخ.

والباحثون الذين درسوا هذه الظاهرة تفاوتت نماذجهم التفسيرية المتخصصة في قراءة الظاهرة، فمنها: النموذج المعرفي-السلوكي (Cognitive-Behavioral Model)7، والنموذج العصبي الوظيفي (Neurophysiological Model)، ونظرية التعويض (Compensation Theory)، ونحوها، وهي مداخل ونماذج متخصصة ليس هذا الموضوع المناسب لعرضها، ويمكن للمستزيد مراجعة الأبحاث المتخصصة، أو الكتب الجامعة التي تستوعب خلاصات هذه الدراسات8.

ورغم اتفاق الباحثين في هذا الحقل على هذه الظواهر المرضية إلا أنهم يختلفون في تصنيفها هل يصنف فعلاً اضطراب إدمان (addiction disorder)؟ أم هو مجرد استعمال مرضي ومُشكِل لمحتويات محددة في شبكة الإنترنت (problematic internet use)؟، وهو جدل تصنيفي تخصصي يخرج عن إطار اهتمامنا هنا ويمكن مراجعته في الدراسات التي عنيت بعرضه9.

إدمان التواصل الشبكي (SNS addiction)

ينبّه الباحثون في هذا الحقل إلى أنه ليس المراد بالإدمان الشبكي إدمان الآلات المادية المحسوسة لهذه الأجهزة التقنية، وإنما مرادهم -بطبيعة الحال- إدمان المحتوى ذاته وإنما هذه الأجهزة وسائط10، وبشكل أكثر تحديداً فإن المحتوى الذي يشار له في هذه الدراسات هو شبكات التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة وألعاب الفيديو والقمار الإلكتروني والمواد الإباحية ونحوها، كما سيأتي الإشارة إليه، ويحظى الإفراط في الانهماك في شبكات التواصل الاجتماعي بدراسات خاصة تسمى اختصاراً (SNS addiction)، وهو يعنينا في موضوع كتابنا هذا أكثر من غيره من صور الإدمان الشبكي لأنه -وبحسب اطلاعي- هو أكثر المحتويات الشبكية قدرة على اصطياد الشرائح الجادة المشغولة بالعلم والإصلاح.

التصفح القسري

ومن الملاحظ أن بعض الناس أثناء الأوقات الجادة المخصصة للمهام، كاجتماع عمل أو حضور درس أو مذاكرة لاختبار أو بحث علمي أو ساعة ذُكر وتلاوة ونحو ذلك، تتسلل يده مرارًا إلى هاتفه الذكي ويفتح شبكات التواصل مثلًا، ويبدأ إبهامه في تمرير الصفحات، فهل هذه مجرد عادة (habit) أم هي إدمان (addiction)؟ المتخصصون في هذا الحقل يشيع بينهم التأكيد على أن الفارق بين العادة والإدمان هو صفة «القهرية» (compulsive)، فالعادة تظل محكومة بالقدرة على السيطرة على الإرادة، بخلاف الإدمان الذي يتحول إلى سلوك قهري.

الأعراض الانسحابية

من المفاهيم التقليدية المعروفة في الإدمان الكيميائي ما يسمى «الأعراض الانسحابية» (withdrawal symptoms)11، وهي حالة تصيب الجسم عند التوقف المفاجئ عن المواد التي أدمن عليها، حيث يبدأ انسحاب السموم من الجسم، وهذه الأعراض المصاحبة مثل التوتر والقلق والغثيان ونحوها، ومن الملاحظات الطريفة التي تشير إليها دراسات هذا الموضوع، أن العينات محل الدراسة التي تم تشخيصها بأنها مدمنة على الإنترنت، وهو إدمان سلوكي وليس

كيميائي، ظهر عليها أيضًا «الأعراض الانسحابية» عند التوقف المفاجئ عن استخدام الإنترنت، فيظهر عليها الغضب والقلق والتوتر والانزعاج12.

وهذه الحالة التي تذكرها هذه الدراسات تؤكدها التجارب الشخصية أيضًا، وما زلت أتذكر أحد الأصدقاء تأخر كثيرًا في تسليم رسالته العلمية، ولاحظ أن شبكات التواصل تلتهم عليه وقته وتفترس تركيزه الذهني والنفسي، فقرر حذف حسابه، ويروي هذا الصديق كيف كان يشعر بتوتر في اليوم الأول، وكيف كانت تقرصه يده للدخول لما اعتاد عليه، بل حدثني شخصيًا وهو مندهش كيف لاحظ أبناؤه فظاظته في التعامل معهم في الساعات الأولى التي حرم نفسه فيها من الدخول لشبكات التواصل، وهذه الحالة هي عينها «الأعراض الانسحابية» (withdrawal symptoms) التي رصدتها الدراسات التجريبية الجادة في هذا الحقل.

إغراء أم مهرب؟

ومن التصورات الشائعة: الظن أن العامل الجوهري في الإدمان الشبكي هو بفعل الجاذبية الاستثنائية للمحتوى على الإنترنت بحيث يخلب المرء عن المهام الأخرى، وهذا التصور غير دقيق البتة، فقد أكدت دراسات هذا الحقل أن الإدمان الشبكي كثيراً ما يكون «آلية هروب نفسي» (psychological escape mechanism) للفرار من تعقيدات المهام والمطالب العلمية والعملية، كما يقول مثلاً بعض الباحثين (هذا النوع من التفكير المكروب قد يقود إلى استخدام قهري للإنترنت لتوفير آلية هروب نفسي لتحاشي المشكلات الحقيقية أو المتخيلة)13.

ومما يؤكد -مثلاً- هذه النتيجة التي يذكرها الباحثون أن المرء يلاحظ في التجارب الشخصية أن الطلاب يتكثف شعورهم بالإلحاح النفسي الداخلي لزيارة مواقعهم المفضلة على الشبكة في أوقات ضغط المهام، كأوقات الاختبارات الدراسية أو في أوقات العبادة الجادة في رمضان ونحو ذلك، وليس ذلك لإغراء هذه المواقع بقدر ما هو حيلة ذاتية للتنفس خارج ضغط المهام المكتظة أو الثقيلة.

التصفح الملثم

ومن أكثر الظواهر التي كشفتها دراسات هذا الموضوع لفتاً للانتباه هو محاولة المفرط في استعمال الإنترنت الكذب أو إخفاء الوقت الحقيقي الذي مكثه في استعمال الإنترنت، وإظهار أنه وقت قليل وعابر، حتى أن عدداً من دارسي هذا الموضوع اعتبره من علامات الإدمان الشبكي، كما يقول بعض الباحثين (العلامات التي قد تشير إلى إدمان الإنترنت تشمل الآتي: … محاولة إخفاء أو تمويه كمية الوقت المستغرقة على الشبكة14.

ويعتبر هذا السلوك الطريف أحد أدوات مقياس اختبار إدمان الإنترنت (IAT)، حيث يوجد في هذا المقياس سؤال يقول (-كم عدد المرات التي حاولت فيها إخفاء مدة مكثك على الشبكة؟)15.

وهذه الحالة التي تشير لها هذه الدراسات هي بصراحة أكثر عرض استحوذ على انتباهي، فالدراسات الإنسانية التي يقرؤها الباحث ويتفاعل مع نتائجها ورصدياتها تتفاوت دوافعه في هذا التفاعل، فتارة تجده يقتبس منها مادةً في بحوثه ويستشهد بها لا لأنها كشفت له جديداً وإنما لأنها برهنت له ظاهرة يعرفها من قبل، فهو يستفيد من هذه الدراسة ليحول الفكرة من مجرد ملاحظة شخصية إلى معطى بحثي تطمئن له النفوس، وتارة أخرى يقتبس من هذه الدراسات ويحيل إليها لا لأنها أيضاً كشفت له جديداً؛ بل لأن الدارس استطاع صياغتها في جملة فنية اصطلاحية تمكن من تداولها كمعطى بدلاً من كونها صورة عائمة في الذهن تشرق في غير وقتها وتغرب حين الحاجة لها، وأما هذه النتيجة التي نحن بصددها وهي «إخفاء وقت المكث على الشبكة» فبكل صراحة لم أتفطن لها مسبقاً باعتبارها مظهراً من مظاهر التعامل المرضي مع الإنترنت، وحين قرأت هذه الدراسات حول هذا العَرَض بدأت الذكريات تنساب حول بعض الأحداث التي فسرها لي هذا المفهوم.

لقد تذكرت مثلاً أحد الأصدقاء وهو يبوح لي بمعاناته ويفضي لي بمعاركه النفسية مع الاستغراق في الشبكة، كان يقول لي أنه يخجل من أن يتفطن الناس لمدة جلوسه على شبكات التواصل، لدرجة أنه أحياناً يمسك هاتفه الذكي بطريقة مُمَالة لئلا يرى المجاورون حقيقة ما يصنعه ويوهمهم أنه يراجع بهاتفه مجرد أمر عارض هام .. وحكى لي أحد طلبة العلم المميزين أنه يدخل متخفياً إلى شبكات التواصل، بل ويشبع شهوة التعليق أحياناً بأسماء مستعارة؛ كل ذلك لئلا ينصدم الآخرون باستهلاك وقته في هذه الشبكات وهم يظنونه طالب علم جاد لا يطيق رفع عينيه عن كتابه ..

ولا أحصي كم سمعت طالب علم يردد أنه لا يعلم ما في هذه الشبكات وأنه مشغول، وربما أبدى التعجب في البداية لبعض ما ينقله الجلساء عنها، حتى إذا ثار الحديث عن آخر المعارك الشبكية نسي نفسه وتحدث حديث المتابع لأدق تفاصيلها ..

لكنه يخفي متابعته خجلاً من الناس أن تتخلخل صورته الذهنية العلمية السامقة في تصوراتهم .. وكم للنفوس من أغوار نائية سحيقة ..

العمى الزمني

ومن الظواهر التي كشفتها هذه الدراسات بشكل مبكر ما يسميه بعض الباحثين التواء أو التفاف الزمن (Terminal Time Warp) أو الثقوب الزمنية، وهو استعارة لظاهرة فلكية افتراضية بحيث يبدو المتصل كأنما يقفز من لحظة زمنية إلى أخرى، ويقصدون به مشكلة (فقد الإحساس بالزمن) أثناء الاتصال بالشبكة، يقول بعض الباحثين وهو يشرح مشكلة أحد المراجعين له: (تحكي روبن ذكرياتها قائلة «في إحدى المرات بقيت على الشبكة لمدة طويلة حتى أنني سمعت زقزقة العصافير وأمكنني رؤية الشمس تشرق خارج نافذتي قبل أن أدرك أن الساعة بلغت السادسة الذي هو وقت استيقاظي من النوم». لقد وقعت روبن في قبضة «التفاف الزمن» (Terminal Time Warp)، وهي ظاهرة يعانيها إلى درجة ما كل مستخدمي الإنترنت تقريباً، خلال رحلتهم على الشبكة …، إنه من الشائع أن تفقد متابعتك للوقت، وحينما شخص أو شيء ما يدفعك لحساب كم الوقت الذي مضى وأنت على الإنترنت؟ ربما تهزك الحقيقة، أربع ساعات؟! لقد بدت وكأنها فقط ١٥ دقيقة!)16.

هذا الكتاب الذي أشار لتشخيص هذه الظاهرة، أعني انسياب الوقت في ملاحقة الماجريات على الشبكة دون شعور، نشرته الباحثة عام ١٩٩٨م، أي قبل سبعة عشر عاماً من اليوم، وما زادت التطبيقات الشبكية الجديدة هذه الحالة إلا تعقيداً.

مدمنو البيانات (Dataholics)

من العقبات المعروفة في البحوث العلمية شح المعلومات في موضوع البحث التي تجعل الباحث يقلب الكتب وهو كاسف البال ويراسل المختصين فلا يعود بطائل ويصبح البحث كالجبل فوق رأسه، ولكن ليس هذا كل شيء، ليس شح المعلومات هو المشكلة فقط، فإن الكثرة المفرطة في المعلومات موضوع البحث هي أيضاً عقبة أخرى أكثر شيوعاً اليوم، فترى الباحث كلما ظن أنه استوعب منطقة البحث وحرثها جيداً، انفتحت عليه أبواب ومساحات أخرى فيتشعب ويتفرع ويتعقد حتى تخور قواه، فلا يسعفه الوقت لدراسة هذه المعلومات المتدفقة المتناسلة، وبذات الوقت يعز عليه أن يختم البحث ويستخلص النتائج وما زالت بعض معطياته مجهولة له، وخصوصاً إذا كان الباحث من المصابين بشهوة الاستقصاء. فما الذي يحدث في هذه الحالة؟ الحقيقة أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تخور قواه فيدع الباحث البحث على ما هو عليه، ويجعله مجرد مستندات محفوظة في جهازه المحمول، ويبدأ رحلة «مشروع بحث جديد» هروباً من الضغط النفسي السابق، ويصبح يتحدث عنه في مجالس أصحابه أن عندي بحث في كذا ولكن تمر السنون وهو يردد هذه الجملة.

وهذه الإشكالية في شهوة أو عقدة الاستقصاء سبق أن تحدث عنها كثير من مشاهير المشتغلين بالبحث العلمي، وباعثها الخفي هو «عائق تطلب الكمال».

والحقيقة أن طوفان المعلومات والقدرات البحثية المهولة التي وفرتها شبكة الإنترنت زادت من احتمالات هذه العقبة، ولذلك أطلق بعض الباحثين على أصل هذه الظاهرة لقب مدمني البيانات (Dataholics)، وهو لقب أعم يشمل كل من أصيب بالشراهة في مطاردة وجمع المعلومات على الشبكة17.

ويرى باحثون آخرون أن الإمكانات المعلوماتية الاستثنائية لشبكة الإنترنت ساهمت في زيادة ما كانوا يسمونه سابقاً الإغراق المعلوماتي أو الإفراط في تحميل المعلومات (Information Overload) وهو مصطلح له تاريخ سابق ليس هذا موضع عرضه، ولذلك يقول بعض الباحثين: (إدمان الإنترنت مصطلح فضفاض يغطي تشكيلة واسعة من السلوكيات ومشكلات التحكم في الدافعية، والأنواع الفرعية الخمسة لإدمان الإنترنت هي كالتالي: (..) ثم ذكر النوع الرابع فقال (٤-الإفراط في تحميل المعلومات: شبكة الإنترنت خلقت نوعاً جديداً من السلوك القهري يشتمل على الإفراط في تصفح الشبكة والبحث في قواعد المعلومات، وهؤلاء الأفراد يبددون كمية غير مناسبة من الوقت في بحث وجمع وتنظيم المعلومات)18.

تسلسل التصفح

كيف تمكنت الماجريات الشبكية أن تجرّ المتابع داخل الدوامة الزمنية دون الشعور بالوقت؟ يبدو لي أن مفتاح فهم الظاهرة هو قضية «تسلسل التصفح»، فالمادة الشبكية هي منظومة روابط (لينكات) يفضي بعضها إلى بعض، ومواد قصيرة متتالية يرتكز أغلبها على العرض البسيط المثير، ولذلك يستمر المتابع في هذه السلسلة التي تسلمك حلقاتها للأخرى، فهذا التجدد والتغيّر المتتالي في المواد القصيرة المعروضة هو السنارة التي لا يقاومها المستخدم، وتزيد شبكات التواصل عنصرًا آخر وهو معطى «التفاعلية»، فالمعروض ليس مواد مجهزة للعرض بل مواد يشارك فيها الطرف المستهلك نفسه في الجدل، ويحتف بذلك الخديعة النفسية كالقول بأنني سأمكث دقائق وأغادر، أو سأرى الأحداث قليلًا وأقفل التصفح، وهذا ما يمكن تسميته التصفح المتمادي أو التصفح المستطرد، وهو حالة من التفرع والتشعب في المتابعة.

النبأ المتدحرج

كانت الصورة التقليدية في متابعة الأخبار أن يستمع المتابع الأخبار من المحطات الإذاعية، وقد يطالع بعض مقالات مشاهير كُتّاب الرأي التي تحلل وتربط المعطيات الأخبارية، ثم جاءت الفضائيات وفتحت مساحة هائلة إضافة للنقل الحي وهو الحوارات واللقاءات الساخنة على مدرجات الأحداث مع اللقاء بالفاعلين وجهاً لوجه والإفضاء بشهاداتهم، لكن يظل المشاهد غير قادر على التحكم في وقت العرض وفي الوصول المباشر لموضع اهتمامه.

وأما المتخصص فقد يزيد بمطالعة الدراسات المتخصصة التي تدرس ما هو أوسع من الأحداث اليومية إلى دراسة التفسيرات والخلفيات والبنى الكلية ونحوها.

ثم جاءت الخدمات الأخبارية بواسطة الشبكات، وتعزز هذا بطفرة الهواتف الذكية (smartphone)، ثم انفتاح عالم شبكات التواصل (SNS)، فانتقلنا إلى سلسلة جديدة أشد تمادياً من كل ما سبق، وهو دخول عنصري «الفورية» و«التفاعلية»، من خلال ما يمكن تسميته (مسلسل الخبر والتعليق والتعليق على التعليق)، فالمتابع بمجرد أن يسمع الخبر سواء كان عالمياً أم محلياً تجده يسارع لفتح شبكات التواصل لا ليبحث عن «تحليل متخصص»، بل ليرى تعليقات الناس وردود أفعالهم وقد ينخرط فيها، فتثير التعليقات ردوداً، وردوداً على الردود، في متتالية تعليقية متناسلة لا تتوقف، وقد يزيد الاندماج إلى درجة التنقل عبر المسارات التواصلية، فتجد المتابع يصوّر عبر هاتفه الذكي تعليقاً أو مساجلة من أحد شبكات التواصل وينقلها لشبكة أخرى ويجري عليها جدلاً جديداً، فيصبح كأنما هو بشكل مستمر داخل صالون افتراضي سجالي حول الأحداث والوقائع.

هذا يعني أننا اليوم أمام الفيضان الرقمي للأنباء وتفاعلات شبكات التواصل والهواتف الذكية الملازمة؛ أصبحنا أمام مشهد أكثر تركيبًا للمتابع العام، فلم تعد المسألة متابعة الأخبار التي هي «الخبر الخام» أو الخبر المحلل من متخصص، بل القضية يمكن تسميتها بـ «الخبر المُضاعف»، لأنه يتدحرج ويستطير ويترامى ويتعنقد عبر «مسلسل الخبر والتعليق والتعليق على التعليق» في صورة فورية ودون الارتباط بأوقات عرض فضائية، ودون الحاجة لغرفة مناسبة لوضع الشاشة، بل الهاتف الذكي الذي أصبح صالونًا افتراضيًا سجالياً يلازم المرء في كل أحواله مكانياً وزمانياً، في مجلسه وبين أهله وأصدقائه وفي مقر عمله بل صار بعض الناس لا يستطيع التوقف عن التصفح في أماكن الخلاء وقضاء الحاجة، بل بلغ الأمر أن صارت أوقات الانتظار في المسجد تدعك يد المدمن ليستخرج هاتفه الذكي ويواصل المتابعة، وهكذا في أوقات زمنية متفاوتة أيضًا، حتى أن كثيرًا من الناس يستفتح أول شيء بعد استيقاظه بالاستعراض السريع لآخر المعروض التواصلي الذي وقع أثناء نومه!

لحظات التسلل

ثمة حالات كثيرة طبعًا للتسلل الشبكي، لكن يمكن لنا أن نرصد من حالات التسلل للفضول الشبكي ثلاث حالات: وهي حالة ضغط المهام، وحالة الاسترخاء بين المهام، وحالة استفتاح العمل، فأما حالة الضغط فإن البعض حين يمر بإثقال علمي أو عملي، مثل أن يكون في لحظة ضغط الصياغة بعد جمع المعلومات أو ضغط استخلاص نتيجة بحثية أو ونحوها، فقد تجده يفزع للتصفح، وهذه بلا شك حالة هروب أكثر من كونها خضوع لجاذبية، وقد سبقت الإشارة إليها.

وأما الحالة الثانية للتسلل فهي حالة الاسترخاء بين المهام، فالتسلل للهاتف الذكي أثناء القراءة أو البحث أو الحفظ واستذكار الدروس هو حالة تخفف من الإجهاد الذهني أثناء إرهاق النظر العلمي، ولذلك مثلاً تزداد دافعية الخروج للهاتف الذكي في كل مرة ينتهي الناظر العلمي فيها من صياغة فقرة أو الانتهاء من «وحدة ذهنية» معينة، وهذا يعني -أيضاً- أنه يمكن النظر للجهد الذهني باعتباره يقاس سيره بالوحدات وليس خطاً متصلاً.

وأما الحالة الثالثة للتسلل الشبكي فهي حالة استفتاح العمل، أي البداءة أحياناً بالتصفح ثم الانتقال للمهام العلمية والعملية من البحث والقراءة، فإذا أخذ المرء مجلسه للعمل قال لنفسه سآخذ جولة سريعة على شبكات التواصل ثم أنكب على البحث والقراءة والاستذكار وأركز في العمل، والواقع أنها فخ نفسي حيث تذهب زهرة المدة المخصصة للعمل بما فيها من صفاء ونشاط في التفرج والتصفح العشوائي، ثم يحاول التدارك كل مرة بعد أن لا يبقى لمهامه إلا فتات الزمن ونشارة الوقت.

ويمكن أن يكون التسلل الشبكي في لحظة أخطر، فحين تتهدج التسابيح وينجمع الهم على الإخبات والاستكانة لرب العالمين، ويعكف القلب في محراب التعبد، وتتعاقب الواردات الرحمانية، فلا يزال شيطان الخطرات ينزع وينفث حتى تندس كف الالتفات تنتر شاشات الفضول، فيتبلبل القلب ويتشعث الهم، وتتبعثر الخطرات في خلجان المرادات ..

الاستمراء بمواطأة النظراء

هل ما نتحدث فيه منذ اليوم هو معلومات غريبة أو ملحوظات فريدة؟ لا طبعاً، بل أنا أجزم أن عامة القراء سبق أن فكروا في الإشكاليات الشبكية المطروحة أنفاً، بل ثمة مستوى آخر، وهو أن كثيراً من القراء سبق أن تألموا من هذه الحال ثم برد الأمر عندهم. ما السبب في ذلك؟ السبب هو أن النفس البشرية بطبيعتها «قَطْوِيَّة» تستروح بالمشابهة كما قال الإمام ابن تيمية (الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض)19.

فما دام طالب العلم يرى طائفة من المنتسبين للعلم والثقافة والتغيير منخرطين في هذه الشبكات التواصلية فإنه يخف وقع الأمر في نفسه، حتى لو كان بينه وبينهم فرق في تنظيم الوقت والتحكم فيه، ولأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) نص بديع يشرح فيه كيف يستمرئ الإنسان الأمر بمواطأة نظرائه عليه، حيث يقول أبو حامد بطريقته البديعة في ضرب الأمثال: (ومما يدل على سقوط وقع الشيء عن القلب بسبب تكرره ومشاهدته؛ أن أكثر الناس إذا رأوا مسلماً أفطر في نهار رمضان استبعدوا ذلك منه استبعاداً يكاد يفضي إلى اعتقادهم كفره، وقد يشاهدون من يخرج الصلوات عن أوقاتها ولا تنفر عنه طباعهم كنفرتهم عن تأخير الصوم! مع أن صلاة واحدة يقتضي تركها الكفر عند قوم وحزّ الرقبة عند قوم، وترك صوم رمضان كله لا يقتضيه، ولا سبب له إلا أن الصلاة تتكرر، والتساهل فيها مما يكثر، فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب، ولذلك لو لبس الفقيه ثوبًا من حرير أو خاتمًا من ذهب استبعدته النفوس، واشتد إنكارها، وقد يُشاهد في مجلس طويل لا يتكلم إلا بما هو اغتياب للناس ولا يستبعد منه ذلك … ولكن كثرة سماع الغيبة ومشاهدة المغتابين أسقط وقعها عن القلوب وهوّن على النفس أمرها)20.

ويلخص أبو حامد هذه الخاصية النفسية بقوله (ومبدأ سقوط الثقل وقوع الأنس بكثرة السماع)21.

المهاترات الشبكية

بكل صراحة لا شيء يهرش الكدر ويكبس الغم على نفسي مثل أن أرى شابًا كان للتو قد ثنى رجليه على متون العلم أو لبس نظارته للثقافة الجادة؛ ثم انتحى يهريق عمره يتتبع المهاترات الفكرية والتيارية ومماحكات القضايا الصغيرة على الشبكة، يطارد تعليقات سوقية بليدة بعد أن كان يتقفر العلم الشريف، وبعد أن كان يشح بوقته على أمور مشروعة صار يجود بزهرة شبابه على اللغو الشبكي، بل كان هذا الشاب نفسه قبل مدة قريبة يسأل بحرقة كيف يتعامل مع الولائم الاجتماعية والاجتماعات العائلية والأسرية بحيث لا تأخذ من وقته لطلب العلم، برغم أن تلك الاجتماعات العائلية إما بر بالوالدين أو صلة للرحم، ومع ذلك كان حينها كاسف البال متحيرًا بسبب فوران همته للعلم، واليوم .. يريق تلك الساعات التي ضنّ بها على صلة رحم في ملاحقة تُرهات شبكية نقرها عابثٌ مستلقٍ على ظهره ذات مساء طبولي ..

ومن عجائب ابن آدم أنه قد يتذمر من ضيق الوقت، وينوح من الالتزامات والانشغالات؛ ثم إذا خلا بنفسه أطعم وقته مسبعة الماجريات ..

حجية كثرة الطرق

من مشكلات التكوين عبر شبكات التواصل، وخصوصًا ذات النصوص أو المشاهد القصيرة، أن الاتجاهات المنحرفة تعتمد فيها على «كثرة الطرق» للدعوى، دون برهنة، أو بحجة شعارية هشة من الداخل، لكنها مع كثرة الطرق تأخذ شرعية تشبه شرعية الكثرة الانتخابية لا شرعية العلم والبرهان والدليل، وهذه الحالة تؤثر على التفكير العلمي تأثيرًا سلبيًا عميقًا، بما ينتهي إلى حالة يمكن تسميتها حالة «شلل المقدرة الاستدلالية»، عبر تورم المعرفة بالدعاوى والفرضيات والمزاعم، وضمور العلم بالحجج والبراهين والأدلة، وهذا يفضي تدريجيًا إلى التوهان والحيرة واللاحسم.

بعد أن استعرضنا بعض مظاهر الماجريات الشبكية نعيد تأكيد السؤال: ما المطلوب؟ هل المطلوب مقاطعة هذه الوسائل المذهلة في قدراتها واعتزالها؟ لا طبعا، بل هذا رد فعل تجاوزي شديد الضرر، بل المطلوب هو «التوازن» في معاملة نظم الاتصالات، وإيلاء هذه المشكلة حقها من العناية، وأن لا تقودنا مشاهدة النظراء إلى التساكت المتبادل وتجاهل المعضلة، وخصوصا في المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي، فمن كانت هذه الشبكات قد لكزته في دوامة الماجريات فيفترض به الوقوف الصارم مع الذات وإعادة تنظيم العلاقة لتكون «متابعة منتجة» ومتناسبة مع القدر المطلوب فلا تطغى على مهامه الأخرى العلمية والعملية، ولا تبعثر جمعية قلبه على الله ..

وننتقل الآن من النظر للإشكالية من زاوية المستوى الفني، وهو الأدوات التقنية التي وفرتها نظم الاتصالات الحديثة، إلى قراءة المستوى الموضوعي أعني محتوى هذه الماجريات، وقد أشرنا إلى كثير من نماذج هذه المحتويات كالجدليات الفكرية والمهاترات التيارية ومغالطات القضايا الصغيرة والمواد الترفيهية واللغو واللهو الخ، وكلها تستحق العناية والمعالجة، ولكنني سأختار هاهنا أحد هذه المحتويات، وهو الانهماك في متابعة الأنباء والأخبار والأحداث وتعليقاتها، وهو ما خصصنا له الفصل القادم بعنوان «الماجريات السياسية».

Footnotes

  1. Yan Z. (ed), Encyclopedia of Cyber Behavior, IGI Global, 2012, p. 755. ↩

  2. Young K., Internet addiction: the emergence of a new clinical disorder, CyberPsychology and Behavior, 1(3), 1998, pp. 237-244. ↩

  3. Ibid. ↩

  4. Aboujaoude E., Koran L. M., Gamel N., Large M. D. & Serpe R. T., Potential markers for problematic Internet use, CNS Spectrums, The International Journal of Neuropsychiatric Medicine, 11(10), 2006, pp. 750-755. ↩

  5. Weintraub P., et al., Internet addiction. In Ruiz P. & Strain E. (ed), Lowinson and Ruiz’s Substance Abuse, Lippincott Williams & Wilkins, 5ed, 2011, p. 407. ↩

  6. Fackler M., In Korea a boot camp cure for Web obsession, The New York Times, November 18, 2007. ↩

  7. Davis R. A., A cognitive-behavioral model of pathological Internet use, Computers in Human Behavior, 17, 2001, pp.187-195. ↩

  8. Montag C. & Reuter M. (eds), Internet Addiction: Neuroscientific Approaches and Therapeutic Interventions, Springer, 2015. ↩

  9. Mitchell P., Internet addiction: genuine diagnosis or not?, The Lancet, 355(9204), 2000, p.632; Yellowlees P. & Marks S., Problematic internet use or internet addiction?, Computers in Human Behavior, 23(3), 2007, p.1447-1453. ↩

  10. Taintor Z., Internet/computer addiction. In Lowinson J., et al, (eds), Substance Abuse: A Comprehensive Textbook, Lippincott Williams & Wilkins, 2005, p. 54. ↩

  11. Feldman R. S., et al, Principles of Neuropsychopharmacology, Sinauer Associates, p. 604, 649. ↩

  12. Shek D., et al, Internet addiction. In Pfaff D. (ed), Neuroscience in the 21st Century: From Basic to Clinical, Springer, 2012, pp. 2777-2782. ↩

  13. Young K. & de Abreu C. (eds), Internet Addiction, John Wiley & Sons, 2011, p. 8. ↩

  14. Bosij P., The Dark Side of the Internet, Greenwood Publishing Group, 2006, p.198. ↩

  15. Aboujaoude E. & Koran L. (eds), Impulse Control Disorders, Cambridge University Press, 2010, p. 294 ↩

  16. Young K., Caught in the Net, John Wiley & Sons, 1998, P. 36. ↩

  17. Colman A., Dictionary of Psychology, Oxford University Press, 2015, p. 187. ↩

  18. Shaw M. & Black D., Internet addiction: definition, assessment, epidemiology and clinical management, CNS Drugs, 22(5), 2008, p. 355. ↩

  19. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: ٢٨/١٥٠). ↩

  20. الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الخير، الطبعة الثانية، 1413هـ-1993م، (ص: 2/333). ↩

  21. المصدر السابق، (ص: 2/332). ↩

شروحات وبرامج عن «الماجريات»

شروحات أخرى للكتاب1

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ