تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

الماجريات

حصائل وتعقيبات

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 312-327 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 16 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالماجريات

خلاصات: لا شيء يتواطأ عليه أهل العلم والإصلاح اليوم كالشجى من حجم التحديات أمام المجتمع المسلم، مثل الحاجة إلى إحياء الإيمان والتعلق بالله في كل دقائق الحياة وتجريد القصد له سبحانه وتفويض الأمور له، وتزكية الأخلاق والقيم، وبث الفقه في الدين، ورفع مستوى الثقافة الجادة، والنهضة بإمكانيات المجتمع المدنية، ومطالبه الحقوقية، ومناهضة التيار الجارف لإعادة تأويل أحكام الإسلام لينسجم مع ثقافة الغالب على مستوى الثقافة والتصور، ومناهضة التيار الجارف لبث التدهور الأخلاقي والقيمي وتطبيعه عبر الفنون المرئية والمسموعة على مستوى السلوك والآداب، ونحوها من المطالب الشريفة ..

وقد رأينا من خلال ما سبق أنه لا يمكن إصلاح هذا الواقع دون فقه الواقع، أي دون استيعاب أنماط تشكّله وصيغ تفكيره وطبيعة احتياجاته وحدود إمكاناته، سواء الاطلاع على الواقع الفكري أو الواقع السياسي، ولكن للأسف فإن بعضًا ممن دخل بمثل هذا المقصد الشهم اضطرب توازنه، فمالت به تروس الشبكات واستولجته في مسلسل أحداثها ووقائعها حتى بات مُسْتَبْعًا مَقُودًا في حراكها، بعد أن كان طرفًا منتجًا يستثمرها، وصارت أوقات بعض شباب الإسلام تُشوى على جمر الماجريات، وتهبط تدريجيًا إلى دركة مطاردة المهاترات الفكرية ومماراة المسائل الصغيرة، واستقصاء تعليقات الناس على كل نبأ جليل وهامشي، وتبخر الانكباب على الجهود الجادة والمنظمة في المعرفة والسلوك والإصلاح، حتى انتهت بعض النفوس إلى حالة «كثرة الكلام وقلة العمل»، وتزداد الصورة تعقيدًا بتوهم المرء أنه في قلب عملية التغيير الاجتماعي وهو مجرد مراقب ومتفرج ومُعَلَّق لاغير، ضمن ملايين المتفرّجين الذين وردوا على هذه الدنيا وغادروها وقد فاتهم شرف الحشر في رتل العلم والإصلاح ..

وظاهرة اختطاف التنين الشبكي لاستقلال الأفراد واختلاس أوقاتهم وحرفهم عن مسارهم وتحويلهم لكائن سبهللي، لم تعد من قبيل النياحة العامة التقليدية التي تبعثها صدمة الوهلة الأولى أمام طفرات النمو التقني، والمألوفة في تاريخ التقنية وردود فعل الثقافات تجاهها، لا، بل هذه الحالة اليوم صارت عينة بحث تعاورتها الدراسات النفسية والاجتماعية، حتى بات هذا الحقل له أدبياته النشيرية ومراكزه الاستشارية المتخصصة في بعض الدول، وكشفت هذه الدراسات عن كثير من التركيبات المدهشة أثناء تشريحها لهذه الظاهرة، خصوصاً بعد أن بلغت مستوى «السلوك القهري»، وتفاوتت مناهج الباحثين في مقارنة الظاهرة وتفسيرها.

وقد تناولنا بعض تجليات الظاهرة كالتصفح المتمادي المستطرد، والوقوف في متتالية الخبر والتعليق والتعليق على التعليق، ورأينا كيف يمكن أن يكون الانهماك الشبكي هو حالة هروب من الالتزامات والمهام العلمية والعملية أكثر من كونه تعلق بمادة جاذبة، ولذلك تزداد شراسة الرغبة في التصفح في أشد لحظات ضغط المهام العلمية والعملية، وشاهدنا أيضاً كيف يبلغ الأمر ببعض النابهين إلى الحرج الاجتماعي من التبديد الشبكي لأوقاتهم بما يقودهم للإسرار والتخفي حال التصفح أو تمويه كمية الوقت المُبذَّر، وربما يتألم المرء من حاله في أوائل الشعور بالمشكلة ثم يخف الوقع بمشاركة النظراء، كما أن الإمكانيات المعلوماتية المهولة التي فتحتها لنا ثورة نظم الاتصالات الحديثة رفعت احتمالات السقم بعقدة الاستقصاء وأسفرت عن ما سماه بعض الباحثين «إدمان البيانات».

واختلال التوازن في معاملة طوفان الآلة المعلوماتية الحديثة أفضى لاضطرام أعمار شباب الإسلام في تنور الماجريات الشبكية والماجريات الفكرية والماجريات السياسية على حساب التحصيل العلمي والانجماع الإيماني والإنتاج الإصلاحي؛ وهذه الحالة يجب أن لا تكون مشكلة نصوب النظر إليها ببرود الأجنبي ..

ويجب أن لا يدعونا مضي الزمن على المشكلة وكثرة العالقين في مصايدها إلى تجرع مضض التساكت .. بل ربما أفضى الأمر إلى ما هو دون ذلك مما عبّر عنه أبو حامد في الإحياء يومًا بأنه «مسارقة الطبع من مسالك القرناء» .. فتصفّده الماجريات داخل سياجها بعد أن كان قد غشيها يتوثّب حيوية لحلّ وثاق أسراها ..

ولقد لمسنا في مدرسة البشير الإبراهيمي -أسبل الله على قبره الرحمات- تمثالاً مجسّداً للجدية والتسامي عن الترهات، وتعلمنا نموذجًا خلابًا لمعادلة التوازن، عبر فقه الواقع وإصلاحه دون الذوبان في ماجرياته، كان تاريخًا أخّاذًا من التكوين العلمي الجاد، في حفظ العلم وضبطه، وفي الجلد والدأب على المطالعة وجرد الخزائن، ثم رأينا كيف مكث يدرّس مجتمعه زمنًا ويصمم مشروع الإصلاح الواقعي الحصيف، ثم اجتهاده في العمل الإصلاحي الفعلي وصبره على البلوى والضراء، وطالعنا شدة تحذيرات الشيخ البشير لشباب الإسلام أن لا يفقدوا توازنهم فينصرفوا عن العلم إلى الانهماك المفرط في جدل الأنباء والوقائع والأحداث.

ورأينا في تجربة مالك بن نبي ﷺ نموذجًا للجدية في المعرفة والتحليل، وكيف دفع الأكلاف الباهضة لقاء موقفه المبادئي من هيمنة الاستعمار وهو تحت نيره، ومر بنا هتافات مالك بن نبي الحارّة للأمة بأن الطريق ليس الانخراط العام في الخطابات والجدليات السياسية والإفراط في لغة الحقوق والمطالبة، وإنما الطريق عنده هو ما يسميه «منطق العمل» الذي يحوّل الأمة كلها -حسب تعبيره - إلى «ورشة للعمل المثمر».

وأما أبو الحسن الندوي ﷺ فمن أجلى لحظات جديته مثابرته في ريعان الفتوة لتعلم أربع لغات، ثم القراءة المنظمة في تاريخ الأمم والثقافات بتلك اللغات الأربع، وتوظيف ذلك كله في صياغة أطروحته المدوية لكشف وبرهنة خسارة العالم بتراجع المسلمين عن دورهم التاريخي .. ومن جهة أخرى لفت أبو الحسن انتباهنا إلى النهاية القصوى لمستوى التصعيد في الانهماك السياسي وهو رفعه من مستوى السلوك العارض إلى مستوى التأصيل الشرعي بجعل غاية وغرض الإسلام هو المشروع السياسي والبقية وسائل، ثم أوضح أبو الحسن ماذا يتمخض عن ذلك من المآلات.

وقد تنسل من الذهن كثير من تفاصيل هذه الدراسة لكنني لن أنسى أن المثقف شديد الحضور د. عبد الوهاب المسيري ﷺ كان يشتغل في الموسوعة منذ السادسة صباحًا وحتى الثانية عشرة مساءً!

وقد عكف على المشروع ثلاثين عامًا، ثم مغامرته في الدخول للكويت لحظة الاجتياح العراقي لإنقاذ ملفات مشروعه الثقافي، وأخبرنا المسيري أنه من أكبر الأوهام تصوّر أن المشروع الفكري المؤثر في الواقع يلزم منه الانهماك في ملاحقة الأحداث والأنباء اليومية، بل أخبرنا المسيري صاحب المشروع الفكري المؤثر أنه مارس على نفسه ما سمّاه «الانفصال المؤقت» و«الانغلاق النسبي»

و«العزلة النسبية»، وتحاشى الكتابة الحدّثية الدورية ليتفرغ لتأسيس منظور حول البنى والكليات.

ولا أعلم شخصية علمية أو دعوية معاصرة منحت هذه الإشكالية اهتمامًا وتأليفًا مثل الشيخ د. فريد الأنصاري ﷺ حيث كتب في تأصيل إشكالية العلاقة بين الحقل السياسي والمشروع الدعوي أربع دراسات (الفجور السياسي، التضخم السياسي، الأخطاء الستة، الفطرية)، وكان يتحرّن ويلتعج وهو يروي قصة شباب كان يراهم من حوله يذوقون حلاة الإيمان ثم ما زالت بهم الماجريات السياسية حتى فقدوا الشعور بهويتهم الإسلامية، وحتى تحولوا من دعاة يوظفون السياسة لإصلاح المجتمع، إلى مجرد أدوات توظفهم السياسة للتربيت على الغطيط الاجتماعي ..

الاستنامة للواقع

لا أحصي كم رأيت شخصًا يظن أن حمل هموم الأمة والتحرّق لقضاياها يستلزم في النهاية الاستغراق في متابعة الواقع وأحداثه وأنبائه .. ومن شدة كثرة الطرق على هذه القضية لقد ظننت يومًا أنها مُسلّمة فكرية في مشروع الإصلاح .. وكم كان عجبي شديدًا حين رأيت كثيرًا من فطاحلة العلماء المصلحين وعمالقة الفكر الإسلامي المؤثرين يبنّون الرؤية النقيضة تمامًا لذلك .. ولقد سبق في هذه الدراسة اقتباس نماذج متنوعة تؤكد على مخاطر مهلكة الماجريات، ويمكن أن أزيد هاهنا في خاتمة هذه الدراسة شاهدًا تأكيديًا جديدًا للأستاذ سيد قطب ﷺ يؤكد فيه عكس الصورة الشائعة، ويقول (الاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستقيم له؛ فلا تحاول تغييره)1.

نعم، الدوران في تروس الماجريات الفكرية والسياسية يزيح المرء عن الجهود الجادة والمنظمة في المعرفة والإيمان والإصلاح، وينتهي بصاحبه إلى حالة «كثرة الثرثرة وشح العمل»، ويخلق الوعي المزيف بأن يتوهم المرء أنه في كبد مشروعات الإصلاح، وهو واضح ذقنه على كفه فوق أريكة المشاهدين لا غير ..

فكرة الصوم عن الأخبار

سبق أن نقلنا عن المسيري أسلوبه في «الانفصال المؤقت»

و«العزلة النسبية» عن الأخبار، فهل هذا أسلوب شاذ في الإنتاج العلمي والعملي؟ الحقيقة أن أسلوب الإمساك عن متابعة الأخبار لغرض صحيح مؤقت روي عن طائفة من السلف، فقد روي عن التابعي الجليل مُطرِّف بن عبد الله بن الشخير (ت ٩٥هـ)، أنه قال (لبثت في فتنة ابن الزبير تسعًا أو سبعًا، ما أخبرت فيها بخبر، ولا استخبرت فيها عن خبر)2. وجاء نحو هذا عن القاضي شريح (ت ٨٠هـ) حيث روى ابن أبي شيبة وغيره عن شريح قال (ما أخبرت ولا استخبرت مذ كانت الفتنة)3، والاستخبار هو طلب الأخبار والسؤال عنها، فهم يحكون تجربة لهم أنهم في مدة معينة حجزوا أنفسهم عن نقل الأخبار وعن تطلبها والتفتيش عنها، لغرض شرعي صحيح.

وهذا المروي عن السلف له نوع صلة باستراتيجية ترد في عدة حقول معاصرة، كالحقل الذي يسمى الطب التكاملي وحقل تنمية الذات ومهارات النجاح ونحوها، ويطلقون على هذه الاستراتيجية مفهوم «الصوم عن الأخبار» (news fast)، وأول من بلور هذا المفهوم -بحسب ما أعلم- هو الطبيب الأمريكي د. أندرو ويل (Andrew Weil) (و1942م)، وهو من رموز الدمج بين الطب الرسمي والطب البديل الذي يسمى «الطب التكاملي» (Integrative medicine)، وبرغم أن هذا الفرع بات معترفًا به في بعض الأكاديميات الغربية؛ إلا أنه حقل ينبغي الاحتراس في التعامل معه، حيث تتسرب له عبر المشرقيات الطبية مفاهيم عرفانية وشعبوية في قالب لغة غربية فتروج على القارئ العربي ظنًا أنها حقائق طبية معملية، بينما جزء كبير منها من تراث النساك في كهوف الصين وغابات الهند!

وعلى أية حال فالدكتور أندرو ويل هذا، طرح من جملة ما طرح، مفهوم «الصوم عن الأخبار» (news fast) لتكون وسيلة من وسائل الاستشفاء باعتبار أن نشرات الأخبار متلهفة لبث أنباء الكوارث والحروب والصراعات الخ بما يغذي في المُشاهد المشاعر السلبية4.

وهذا كما ترى مدخل مختلف عما نحن فيه، لكنني رأيت عرض موجز عنه باعتبار اشتراكه مع موضوعنا في أصل فكرة «الامتناع المؤقت عن الإخبار والاستخبار» التي ذكرها التابعيان الجليلان مطرف بن عبد الله بن الشخير والقاضي شريح، ثم فكرة «الانفصال المؤقت والعزلة النسبية» التي ذكرها المسيري من المعاصرين وأنه استعان بها في الانكباب على التأليف.

امتيازات الفتوة العلمية

الحقيقة أن كل ما يُذكر في تحليل مخاطر الاستغراق في الماجريات فإنه لا شيء بالنسبة للشاب في المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي، فهذه المرحلة لا عديل لها، فلها خصائص وامتيازات لا تسبح في النهر مرتين، ومن خصائص هذه المرحلة أن الذاكرة العلمية في أسعد لحظات فتوتها حتى أن الإمام فقيه الكوفة علقمة النخعي (ت ٦٢هـ) وهو أخص تلاميذ ابن مسعود به، روى أبو زرعة الدمشقي (٢٨١هـ) في تاريخه عنه أنه قال (ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس)١(.

ومن خصائص هذه المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي أنها لا تنبخ ركابها طويلاً، وإنما تنصلت بين يدي المرء كأنما تسابق الظل، وقد كان أحمد الوراق المعروف بالإيتاخي ممن روى عن إمام أهل السنة والجماعة الإمام الجبل أحمد بن حنبل ﷺ، وقد ذكره الخلال، ونقل عنه أنه روى عن الإمام أحمد وصفًا بديعًا لسرعة تقضي مرحلة الشباب، حيث يقول الخلال عن الإيتاخي (كان عنده عن أحمد مسائل، منها قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «ما شبّهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط»)٢(، وكم من إنسان يعيش مرحلة الشباب معصوب العينين عن النظر إلى الموعد القريب لإقلاع هذه المرحلة، وما زال ينفق ساعات هذه المرحلة النفيسة في الفضول والتفرّج، وما أقرب أن يتفاجأ أن شيئًا في كمه سقط!

الغيرة على الزمن

وقد جاءت نصوص كثيرة في خُلُق «الغيرة»، ومن أعظم مراتبها الغيرة على الحرمات والغيرة على الدين، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال (إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه)٣(، وفي الصحيحين أيضًا من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال (ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش)5، وغيرهما، وقد استفاض أهل العلم في شرح معنى الغيرة على الحرمات والغيرة على الدين وعدّوا من فروعها واستحضروها في مواضع كثيرة، ولكن من ألطف ما رأيته من استجلاء تطبيقات الغيرة، ما ذكره القوم من أهل السلوك من معنى «الغيرة على الزمن» و«الغيرة على الوقت»(2).

وقد تحدث شمس الدين ابن القيم على معنى «الغيرة على الزمن» في عدد من كتبه، فوضع مبحثًا في كتابه «الفوائد» في أنواع الغيرة، وذكر منها (وكذلك يغار على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبه)6، وشرح ابن القيم «باب الغيرة» في منازل أبي إسماعيل وقال (الوقت أعز شيء عليه، يغار عليه)7.

مع الاحتراس في أن «الغيرة» في اصطلاحات القوم وقع فيها اشتراك معروف أفضى لمعانٍ مُحدّثة من جهة وإلى التباس الفهم بأغراضهم من جهة أخرى، وليس هذا موضع عرضه (1).

الزمن كأنفاس

يعبر الناس عن الزمن بوحدات كثيرة كالأيام والساعات والدقائق الخ، ومن ألطف تلك الألقاب ما روي من التعبير عن الزمن بـ «الأنفاس»! كما قال أبو القاسم اللالكائي (ت ٤١٨هـ) في التنويه بأئمة أهل السنة (وأنفاسهم على الأوقات محفوظة) (2)، وهذا التعبير عن الوقت بالأنفاس نافق في مدونات السلوك، بحيث ينظر لكل نفس من الأنفاس باعتباره وحدة عمرية كاملة، كما قال شمس الدين ابن القيم ﷺ (الأوقات تعد بالأنفاس) (3).

وهذا النظر إلى «الزمن كأنفاس» يثمر للمرء كمال اليقظة بأن لا يضيع نفس في غير ذخر، كما قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) ﷺ (فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها) (4)، والمرء أمام هذه الجواهر في سباق ورهان محموم على أن يسجل في كل نفس ذخرا يلقاه غدا، كما قال ابن الجوزي في (وكل نَفْسٌ خزانة؛ فاحذر أن يذهب نَفْسٌ بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم!).

وإذا استحضر المرء هذا المعنى ونظر إلى العمر باعتباره «أنفاساً»؛ اجتاحه الإحساس الفعلي بتسارع انسكاب العمر، كما قال ابن الجوزي (العُمْرُ أنفاسٌ تسير، بل تطير)8، والحق أن التمعن في العمر باعتباره أنفاساً، ومشاهدة كل نفس من هذه الأنفاس يغادر بزفيره بين يديك ولا يعود، وأنه ذهب مع ما سُجِّل فيه من العمل؛ مشهد لا تكاد تطيق النفوس رهبته وأثره على العزيمة.

القياس إلى فضول العلم

ومما يُوَجِّج العزيمة للغيرة على الزمن وأنفاس العمر قياس الاشتغال بالماجريات إلى كلام العلماء في الاشتغال بفضول العلوم الشرعية، فقد تعاقبت مقالات الأئمة في التزهيد بفضول العلم الشرعي ومُلحِّه ضناً بالعمر وتوفراً له على «العلم الذي تحته عمل»، وفضول العلوم الشرعية عندهم من جنس نوادر المسائل الفقهية والاستكثار من أسانيد الأحاديث الثابتة ووحشي اللغة، وهذه كلها وهي أقرب نسباً للوحي، فكيف يتبع جدالات ومماحكات الشبكات الاجتماعية؟! وكيف بالزمن يُسْفَح على مُهَاترات جاز الأمر مطالعتها إلى تصويرها وتبادلها.

وأما عِظات أهل العلم في تهجين فضول العلم فكثيرة ومنها قول أبي العباس ابن تيمية ﷺ (حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم: من الكلام، أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها ..)9.

فانظر كيف يعتبر أبو العباس ابن تيمية المسائل الفقهية النادرة وغرائب الحديث الضعيفة من فضول العلم، برغم أنها أوثق صلة بالعلم الشرعي من تفاصيل الأنباء اليومية وتعليقات الناس حولها والمهاترات الشبكية، بل لا مقارنة بينهما أصلاً، فإذا كانت مثل هذه المسائل الفضولية التي لها إلى العلم نوع رجم وواشجة لا يمدح الاشتغال بها فكيف بالانهماك بما دونها بدركات سحيقة؟!

مصارف طاقة التفكير

وقد كان أهل العلم ينهون إلى أن «التفكير» ليس رصيداً بسقف مفتوح، وليس طاقة لانهائية، بل التفكير ثروة لها قدر محدود، وهي آيلة يوماً إلى النضوب، ولذلك كانوا ينهون عن صرف رصيد التفكير في فضول العلم، كما ذكر الماوردي مرة مسألة من فضول العلم ثم قال (اجعل ما من الله به عليك من صحة القريحة وسرعة الخاطر مصروفا إلى علم ما يكون إنفاق خاطرك فيه مذخورا، وكد فكرك فيه مشكورا)10. فإذا كان هذا كلامهم في فضول العلم، فكيف بمن يتعاني التفكير وكد التأمل في هذه الماجريات، فينفق ذهنه وذكاءه في سوق كاسد!

استبحار العلم

بل هناك ما هو أشد في إيقاظ الغيرة على الزمن وأنفاسه من القياس إلى فضول العلم؛ وهو أن يستحضر المرء أن صُلب العلم وأصوله لا يستوعبه العمر، وتتصرم السنوات والشغوف بالعلم ما أروى نهمته منه بعد، ولا حقق خططه في استيفاء مسائله، حتى بات القبول بالتخصص العلمي اليوم حقيقة فرضت نفسها بالقوة لا بالاختيار، بسبب استبحار العلوم الجليلة وتفرعها وتشعبها، وتلك ظاهرة علمية خرجت من مجرد الشعور العارض إلى التنصيص في المتون الرسمية، فأشار أهل العلم في نثرهم ونظمهم لهذه الظاهرة، وحذروا الطالب من التشتت أمام سعة العلم، وكلام العلماء في نثرهم كثير، وأما ما ذكروه في النظم فقد ذكر هذا ابن معطي في ألفيته النحوية إذ يقول: (وبعد فالعلمُ جليلُ القدرِ وفي قليله نفادُ العمرِ فابدأ بما هو الأهمُّ فالأهمُّ فالحازم البادئ فيما يستتم) (1).

فابن معطي هاهنا يُذكرنا أن العمر ينفد في قليل العلم! ومن المعاصرين نبه الإمام الفقيه ابن عثيمين ﷺ في منظومته القواعدية بقوله: ﴿وَبَعْدُ فَالْعِلْمُ بِحُورٍ زَاخِرَةٍ لَنْ يَبْلُغَ الْكَادِحُ فِيهِ آخِرَةً﴾(١).

وبعد هذه الجولات في الماجريات الشبكية والفكرية والسياسية ستبقى المسألة أولاً وآخراً مسألة «توازن» .. ويجب أن لا نستسلم لحالة الانجراف في دوامة الماجريات بسبب تتابع كثير من الناس على ذلك .. ويجب أن تكون هناك نقطة توقف تعاد فيها الحسابات بشكل دقيق .. فبسبب هذا الغوص في الماجريات اليومية باتت أنفاس الزمان تغادر فارغة .. وجمعية القلب على الله تتبعثر .. والكتب المشتراة على حالها منذ آماد ..

والإنتاج الإصلاحي قد تجمد .. وآل الأمر إلى «كثرة الكلام وقلة العمل» .. ولا شيء أكثر حزناً من أن يتوهم الماجرياتي أنه في قلب عملية التغيير وفقه الواقع وهو مجرد مراقب ومتفرج لا غير ..

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

Footnotes

  1. سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة الخامسة عشرة، ١٤٠٨هـ-١٩٨٨م، (ص: ٦/٣٧٤١). ↩

  2. ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية، تحقيق محمد عطا، الطبعة الثانية، ١٤١٨هـ-١٩٩٧م، (ص: ٧/١٠٣). ↩

  3. ابن أبي شيبة، المصنف، تحقيق كمال الحوت، دار التاج، الطبعة الأولى، 1409هـ-1989م، (ص7/486). ↩

  4. Edlin G., Golanty E. & Brown K., Essentials for Health and Wellness, Jones & Bartlett, 2000, p.378; Chandler S., 100 Ways to Motivate Yourself, 2008, p.212; Brockie C, Take Control of Your Health, Ascension Int’l Group, 2009, p.50; Berry C., Reflections for a Better Life, WestBow Press, 2013, p.65. ↩

  5. البخاري (7403)، مسلم (2760). ↩

  6. أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق خليل المنصور، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1418هـ-1998م، (ص: 289)؛ أبو إسماعيل الهروي، منازل السائرين، مكتبة الشرق الجديد، (ص: 90). ↩

  7. ابن القيم، الفوائد، تحقيق محمد شمس، طبعة المجمع، الطبعة الأولى، 1429هـ، (ص: 49). ↩

  8. ابن الجوزي، المدهش، تحقيق عبد الكريم تنان وزميله، دار القلم، الطبعة الثانية، ١٤٣٥هـ-٢٠١٤م، (ص: ١/٣٨١). ↩

  9. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: 23/54). ↩

  10. الماوردي، أدب الدنيا والدين، تحقيق محمد راجح، دار إقرأ، الطبعة الرابعة، 1405هـ-1985م، (ص: 63). ↩

شروحات وبرامج عن «الماجريات»

شروحات أخرى للكتاب1

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ