تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

الماجريات

مدخل الكتاب

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 11-22 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 10 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالماجريات
  • ١ - الحمد لله وبعد، تناول كتابه الذي عزم على قراءته ضمن برنامجه العلمي، وتهيأ للمطالعة، وقبل أن ينهمك في القراءة خطر له أن يفتح هاتفه الذكي ليأخذ جولة خاطفة على آخر المستجدات، وفي خلده أنه لن يتجاوز عدة دقائق فقط، وبدأ ينقر الصفحات يسحبها تباعًا في شبكات التواصل، فرأى الناس يتحدثون عن واقعة حدثت قريبًا، فتاقت نفسه لمعرفة تفصيل موجز عنها، أخذ يبحث قليلًا، يراوح بين المواقع والمعرّفات، فلما استوعب الحدث، شدّه التهاب التعليقات على الحدث واشتعلت عدة وسوم على أثرها، ثم تفاجأ أن الأمر تطور من التعليق والتعقيب، إلى الردود ونقض كل تيار لموقف الآخر، ووقع وهو في أتون الجدل على تعليقات طريفة لبعض الظرفاء، أو ردود قاصمة لبعض الأذكياء، فأخذ يصوّر بعضها بهاتفه ويرسلها لبعض الأصدقاء والمجموعات التواصلية، ثم بقي مترقبًا ردة فعل الأصدقاء، فجاءته بعض الردود ونشأ نقاش تواصلي داخلي آخر، ثم لم يستفق إلا على صوت المؤذن يفجؤه وقد حضر وقت الصلاة الأخرى وهو لم يغادر الصفحة الأولى من كتابه الذي كان قد عزم على قطع شوط في مطالعته ..

هذه لقطة مكثفة وحزينة .. مقتطعة من شريط طالب علم قدّر الله عليه أن يعيش لحظة التكوين العلمي في عصر ثورة نظم الاتصالات وشبكات التواصل ..

ولا أحب أن أمثل أمام القارئ قصة مناقبية .. بل كاتب هذه الأسطر كان لديه مهام علمية وعملية اصطدم بوقت تسليمها قد أزف واضطر للتأجيل .. فلما تفكر في نفسه رأى جزءًا من الأسباب يقع خلف الاختلاس الشبكي لوقته دون أن يشعر .. فقرر أن يدرس هذه الإشكالية، من خلال النصوص وتحليلات العلماء، وما كشفته الدراسات المعاصرة لهذه المعضلة، واستعادة الدافعية بمعايشة الخبرات العلمية والتجارب العملية في العصر الحديث ..

والحقيقة أن الأمر أكبر مما كنت أتصور .. فلم يعد مقصورًا على شكوى الشاب حديث العهد بطلب العلم والقراءة .. بل باتت الشكوى من الخاصة من المشتغلين بالعلم والدعوة .. وقد بث لي بعض الأصفياء تباريح عن مثل هذه الشكوى تتفطر لها أكباد المعرفة .. فبعض طلاب العلم يقول إنه تأخر عن إنجاز رسالته الأكاديمية بسبب انهماكه في شبكات التواصل وأنه وقع في مأزق مع القسم ويحتاج للتأجيل والتوسلات والشفاعات .. وآخر يذكر أنه لم يستطع التوازن فاضطر لحذف حسابه مرارًا .. وآخر يذكر أنه لم يستطع كبح نفسه عن الدخول للشبكة عبر هاتفه الذكي فاضطر لإلقائه وشراء جهاز تقليدي لا يتيح خدمة الاتصال بشبكة الإنترنت .. وآخر ذكر لي أنه بات يتصفح صامتًا ويتحاشى التعليق في شبكات التواصل حياءً من الناس أن يستشعروا غرقه في دوامة هذه الشبكات وهم يظنونه قامة علمية جادة ..

بل من أعجب ما وقفت عليه حادثة باح بها الفقيه الواعظ د. محمد المختار الشنقيطي .. وهي قصة لها دلالات تهز الوعي .. فالشيخ الشنقيطي معروف بابتعاده عن الدخول في قضايا الشأن العام الساخنة، وانكبابه على تدريس الفقه ومحاضرات المواعظ الإيمانية .. وقد تواتر النقل عن تنسكه وانجماعه، وانقباضه عن مسائل الجدل العامة، نحسبه والله حسيبه .. وفي أثناء محاضرة له سأله شاب سؤالاً يفور بالحرقة من معاناته من شبكات التواصل .. حيث يقول السائل: (فضيلة الشيخ، ابتُليت مثل غيري في هذه الأيام بكثرة تتبع الأخبار والأحداث، وإدمان برامج التواصل الاجتماعي، مما يؤثر على علاقتي بالقرآن، وله كثير من السلبيات، لدرجة أنني أدعو الله في سجودي أن يصرف الله قلبي عن هذه الملهيات، وأتركها أحيانًا ثم أعود، دلوني على الحل جزاكم الله خيرًا).

ولن تخطئ عينك أخي القارئ حرارة الألم في شكوى هذا السائل بسبب انفلات مقود التوازن منه، حتى أنه بات يتضرع لله في سجوده بأن يخلصه من هذه المعاناة، ثم يحكي عن نفسه أنه يتخلص ثم يعود، ويريد حلاً نهائياً لمعاناته.

فأجاب الشيخ الشنقيطي جواباً مطولاً مؤصلاً علمياً، ففصل ولم يجب بجواب عام، بل ميّز في أحوال وأقسام الناس في التعامل مع هذه الشبكات، وبيّن الحال المحمود والمذموم ..

وليس هذا كله هو الذي شدّني، بل الذي باغتني وأنا أستمع، وهجمت علي من واردات الذهول ما يعلم الله مداها، أن الشيخ صارح مستمعيه بواقعة يتيمة حدثت له شخصياً، وهو المنصرف المنقبض عن هذه الأمور أصلاً، يقول الشيخ: (والله هذه الوسائل أمرها عجيب، جلست مرة من المرات على ما يسمى بتويتر، واسمه في النفس منه شيء، وفعلاً جلست بعد صلاة العشاء لأول مرة، حتى فوجئت بالسحر، ذهب علي وردي من الليل، مصيبة عظيمة، ما تشعر بشيء، ما تشعر، ومن يعرف هذه الأشياء يعرف هذا ..)1.

أوقفت الاستماع .. وأعدت المقطع مراراً .. وبقيت مندهشاً .. يا الله .. هذا الشنقيطي المعرض عن ما يخوض الناس فيه والمنشغل بشرح المتون الفقهية والإيمانيات يقول هذا عن نفسه في ليلة يتيمة واحدة؟! فكيف بأمم من الشباب صرعى على جنبتي شبكات التواصل في السنوات الذهبية للتحصيل العلمي؟!

حسنًا، هذا طبعًا فيما يتعلق بإشكالية انفلات التوازن في استثمار خيرات هذه الشبكات، وهذه الشبكات لها محتوى مختلف متعدد سنشير له لاحقًا، لكن أحد هذه المحتويات كان له وزن في التأثير لفت انتباهي، وهو ظاهرة الاستغراق في الأنباء السياسية.

  • ٢ - دعني أكشف لك منذ البدء عن هذه الحالة النبئية التي شهدتها وكانت الدافع الأساس للتأمل والمقارنة، ثم كتابة هذه الدراسة، ذلك أني كنت أطلع بكل ابتهاج مشهد مجموعات من الشباب كانت منكبة على العلم والدعوة وتستثمر وقتها بجدية وأعاتب نفسي أن ليتني كنت مثلهم، ثم إن كثيراً منهم أقبل على متابعة الأخبار السياسية والنشرات المتتابعة والأحداث اليومية، ثم زاد الاهتمام أيضاً فصارت الاجتماعات تدور حول مستجدات الأحداث اليومية، ثم زاد الاهتمام حتى صارت عينه لا ترتفع عن هاتفه الذكي يتابع شبكات التواصل وآخر تطورات الأحداث، وتعليق مختلف الأطياف عليها، حتى أصبح جوهر نشاطه اليومي يلوب بين تتبع الأخبار في مصادرها، ثم متابعة التعليق عليها ومناقشتها.

حسنًا .. ما الذي ترتب على هذه الصورة الجديدة؟ ترتب عليها أمران متقابلان، فمن جهة تدهورت الشهية العلمية والدعوية لدى هذه الشريحة، وأصبح يستثقل القراءة الجادة، والبحوث طويلة الأجل، والصبر على الدروس ومجالس العلم، بل حتى القراءات الثقافية الجادة أصبح يمل منها، ويستملح فقط متابعة الأحداث السياسية والوقائع اليومية والمهاترات الفكرية ومشاغبات القضايا الصغيرة، ثم متابعة التعليق على هذه الأحداث في شبكات التواصل، وما موقف كل تيار من هذا الحدث، وكيف علق وعقب كل رمز مشهور على الحدث، ورصد ومقارنة ذلك في كل حدث تقريبًا.

هذا من جهة، لكن من جهة أخرى: صرت أرى في هذه الشريحة نمو الوعي بالواقع وتطور لغته السياسية، والواحد منهم لديه مخزون واضح من تفاصيل الأحداث يستثمره في البرهنة أثناء مناقشاته.

فكنت أقارن كثيرًا وأتساءل: هل هذا الذي يجري صحيح وهي خبرات ممتازة يكتسبها طالب العلم؟ أم هذا الذي يجري خطأ وهو انقلاب لا واعي في المهمة الأساسية وتبادل مواقع بين الهامش والمتن؟

تارةً أتأمل في الأثر السلبي لهذا الانهماك السياسي على التكوين العلمي للشاب، إذ يلمس المراقب تصدع الجلد والدأب السابق، وضعف الصبر على مطالعة كتاب أو حفظ متن أو حضور درس، بل حتى التحرق للدعوة والتربية وإلقاء الكلمات النافعة لم تعد قضية تمثل هاجسًا كالسابق، وظهر الأثر واضحًا في تعطل البناء العلمي، وبدا كأنه توقف عند زمن معين، حتى يشعر القريب من بعض هؤلاء أن التمويل العلمي توقف عند لحظة معينة وصار يصرف من الرصيد السابق، فلم تعد تلمس في مجلسه جديداً معرفياً يعكس الاستمرار في التغذية العلمية، والمجالس غالباً تفضح الخطط العلمية للشخص لأنه يظهر في حديثه أثر آخر المقروءات والمحفوظات.

وتارة أخرى أرى حداثة اللغة السياسية في خطاب مثل هذه الشريحة وكمية البيانات الحَدَثِيَّة التي يتسلحون بها أثناء مناقشاتهم؛ فأشعر أن هذا مكتسب جيد لطالب العلم.

وهذه الحالة تتصاعد مع سخونة الأحداث والوقائع التي تتسابق الشبكات والفضائيات على ضخها، وبدأت أشاهد عدداً من المتميزين في العلم الشرعي والثقافة الجادة ينكمش شغفهم ببحث العلم وبثه وتبليغه، وتشعر بأن ثمة ضيفاً خفياً يزاحم برامجهم العلمية في غور منازلهم.

مكثت زمناً أتأمل هذه الإشكالية، وطرحت في عدة مجالس آثارها المحتملة، وخصوصاً آثارها على الكوادر العلمية والإصلاحية للمجتمع المسلم، ولا سيما أننا أمام متغيرات عالمية هائلة في الضغط على الأصول الإسلامية في التصور والقيم والسلوك بما يعقد مسألة البناء المجتمعي، والذخيرة الحقيقية أمام هذه المتغيرات الضاغطة هي العلم والإيمان.

  • ٣ - تقضي الأنباء اليومية المتدفقة وجدل الناس حولها، وتعقب مسلسل الشطحات العقدية والشذوذات الفقهية والتقليعات الفكرية التي تتناسل على شبكات التواصل، والانجرار إلى مطاردة المهاترات الفكرية والقضايا الصغيرة وتواصل التحديق في ترقب مماحكاتها ومغايظاتها المتبادلة، والدوران اللاواعي في مثل هذه الدوامة، وخصوصاً عبر الهواتف الذكية اللصيقة، يفضي بالمرء إلى الانفصال التدريجي عن روح العمل والتنفيذ والإنتاج، والشعور بأن المشاهدة والتعليق هي الحالة الطبيعية التي يعيشها طالب العلم والمصلح.

لم تعد القضية قضية تبديد الزمن فقط، بل تكشف سقم جديد أشد تعقيداً، ذلك أن هذه الحالة المشار لها، النابعة عن اضطراب التوازن في التصفح الشبكي؛ تنتهي تدريجياً إلى انحلال الدافعية وهبوط العزيمة، ومما يساعد بصورة رئيسة في تعزيز هذا الركون والإخلاد والاستنامة للواقع قلة الاتصال الممازج للمشروعات العلمية والعملية، أو بتعبير أدق: بُعد العهد بالتجارب العلمية والثقافية والإصلاحية، ذلك أن ترامي المسافة بين المرء والمُنتِجين يوفر بيئة جيدة لاستمرار الإغفاء، بينما البيئة المستعرة بصخب الفاعلين تطرد النعاس وتلهب الحيوية وتحيي الدافعية ..

ومن جهة أخرى فإن إدمان متابعة الوقائع والأحداث والمجادلات الشبكية المتوالية يصوغ نمطًا من «التفكير الأفقي» لا يبصر إلا الغلاف والقشرة الخارجية من المتغيّرات، ولا يعرف إلا المُنتَج النهائي من التصورات الذي يقدم للمستهلك العام، لأنه بكل اختصار غادر معامل الإنتاج إلى رفوف التسوق، وبالتالي فلا يمكن ترميم هذا النمط واستصلاحه إلا بإعادته للعيش التأهيلي في «عالم الإنتاج» وملامسة تفاصيله وصعوباته ومكابداته، وعالم الإنتاج هو الخبرات العلمية والتجارب الإصلاحية.

لقد كنت، وما زلت، شديد القناعة أن من أعظم ما يداوي الاستنامة للواقع والتفكير الأفقي معايشة تجارب المُنجِزين في العلم والثقافة والإصلاح، ومخالطة تفاصيل كدحهم ومكابداتهم، بل كم من رمز حاضر اليوم في إعلام الثقافة والتغيير نتوهم أننا نعرفه، والواقع أن معرفتنا به غير دقيقة البتة، ولا تتجاوز القشرة الخارجية، وأرجو أن تكون النماذج المطروحة في الفصل الثالث من هذه الدراسة تبرهن جزءًا من هذه الفرضية.

وبسبب ذلك أدركت أن المهمة في معالجة هذا الموضوع مُركّبة، فنحن بحاجة لشخصيات علمية وفكرية ودعوية يكون لها موقف مفصل مُدوّن تجاه إشكالية الانهماك المفرط في متابعة الأحداث، بحيث يمكن اعتباره «نموذجًا فكريًا»، وفي ذات الوقت نحن مفتقرون إلى معايشة جزء من تجارب هؤلاء لنستثمره في مداواة أسقام الدافعية التي ولّدها الاستغراق في الماجريات، ولكي نتصور موقف كل شخصية من المسألة محل البحث بشكل دقيق، ولأجل هذا الغرض فقد جعلت الفصل الثالث يدور حول شخصيات علمية وفكرية ودعوية، وكل نموذج منها يدور التعاطي معه على قسمين، القسم الأول لمحيط النموذج بحيث نسعى لأن نعيش فيه أيام تلك التجربة ومثابراتها ومقاساتها وخبراتها، كما نستلهم هذه الأيام من أجل «مدخل تاريخي» لفهم مرامي ومغزى النموذج المفهومي الذي تطرحه هذه الشخصية. وأما القسم الثاني من كل شخصية فهو عن مكونات النموذج بحيث نحاول جمع عناصره من خلال نصوص الشخصية محل الدراسة ونقرأه على ضوء ما بيدنا من معطيات تاريخية سبق أن درسناها، لنوفر فهما أفضل وأدق قدر الإمكان.

وسأحاول في هذه الورقة أن أستعرض أولًا الحدود الحاكمة لهذه الدراسة ومغزاها، ثم سنتعرض سويًا لمنزلة الماجريات في تصور علماء المسلمين، ثم سننتقل بعد ذلك إلى الماجريات الشبكية والدراسات الحديثة حولها وعلائق طالب العلم بها، وأما الماجريات السياسية فسنحاول فهمها من خلال دراسة نماذج علمية وفكرية جادّة ومنتجة كان لها موقف من هذه الإشكالية كما سبقت الإشارة لذلك.

وأسأل الله أن يجزل المثوبة للأصدقاء الذين عرضت عليهم مسودة الدراسة فنبّهوني لتنقيحات وتصويبات ما كنت لأتنبه لها لولا فضل الله ثم كريم مراجعتهم.

أبو عمر الرياض - خواتيم رجب لعام ١٤٣٦ هـ iosakran@gmail

Footnotes

  1. جزء من محاضرة مسجلة على شبكة الإنترنت: https://www.youtube.com/watch?v=GAkPWt39rKc ↩

شروحات وبرامج عن «الماجريات»

شروحات أخرى للكتاب1

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ