الماجريات
نموذج أبي الحسن الندوي (التفسير السياسي للإسلام)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
(التفسير السياسي للإسلام)
القسم الأول: محيط النموذج
العائلة العلمية
كنت منذ زمن قديم أُفتِّش أحيانًا في ذكريات الطنطاوي -تغمده الله برحمته- أبحث فيها عن حديثه عن الكتب وتقييماته لها وتنبيهاته على المميِّز منها، وبينما كنت مرةً أطالعها مرَّ بي قوله عن الشيخ العالم المؤرخ عبد الحي الحسني (مؤرخ الهند حقيقة، ولقد استفدت من كتابه العظيم «نزهة الخواطر» فوائد جليلة في تراجم عظماء الهند التي أودعتها كتابي «رجال من التاريخ»1، وقال (كتاب «نزهة الخواطر» الذي جمع فيه من سيِّر أعلام الهند ومن نشأ فيها ما لم يجمعه كتاب غيره، فهو يُغني في هذا الباب عن كل كتاب ولا يغني عنه كتاب)2.
ولم أكن اطلعت على هذا الكتاب، بل ما سمعت به قبل ذلك، ولا أعرف مؤلفه، وكان تاريخ علماء الهند عندنا أشبه بالجزيرة المجهولة لشح المصادر عنهم باللغة العربية، حتى يمر بالباحث عالم من علمائهم من الرجال أو النساء فيحتاج لترجمته فلا يكاد يظفر بمعلومة وافية، فهجم عليَّ الشغف بالحصول على هذا الكتاب، لكني أصبت بالخيبة إذ لم أجده في مكتبات الرياض حينها، ثم اطلعت على الكتاب لاحقاً، وهو في ثمانية أجزاء، وفيه ترجمة لما يزيد على (٤٥٠٠) شخصية، واستغرق تأليفه أكثر من ثلاثين سنة، وكان أغلب وقت مؤلفه يصرفه له، وكان لا يقتصر في جمع مادته على النصوص المكتوبة، بل يراسل ذوي الصلة بالعالم ويستزيدهم.
أتدري مَن هو هذا العالم المؤرخ «عبد الحي الحسني»؟ إنه والد الداعية الأستاذ أبي الحسن الندوي ..
في مثل هذا المناخ العلمي التاريخي الأدبي، نشأ أبو الحسن الندوي، فوالدته -أيضاً- لها مؤلفات علمية، وإخوانه وأخواته من المعتنين بالعلم ولهم فيه أعمال منشورة، وولد الشيخ بين هذه الأسرة وهذه الأجواء المعرفية سنة (١٣٣٣هـ-١٩١٤م).
الإمكانيات اللسانية
وكان من تلاميذ وأصحاب أبي الحسن الشيخ محمد اجتباء النَّدَوي (ت ١٤٢٩هـ)، وقد كتب عن شيخه وصاحبه أبي الحسن مرارًا، وكان مما ذكره عن شيخه أن أبا الحسن في صغره درس أولاً لغتين (اللغة الأوردية واللغة الفارسية) وكان أساتذته فيها هم أعمامه، ثم درس لغة ثالثة وهي (اللغة الإنجليزية) على الشيخ الصِّدِّيقِي وأتقن القراءة بها وكاد ينقطع لها، ثم تضرعت والدته إلى الله أن يصرفه إلى اللغة العربية، فترك مواصلة دراساته في اللغة الإنجليزية وانصرف إلى دراسة اللغة الرابعة وهي (اللغة العربية)، ودرسها على علامة اللغة العالم المغربي الفطحل تقي الدين الهلالي (ت ١٤٠٧هـ)، فصار الشيخ أبو الحسن يقرأ بأربع نظارات الأوردية والفارسية والإنجليزية والعربية، ثم تبحر في دراسة الآداب العربية ودرس كتب الحديث النبوي كالصحيحين والترمذي وأبي داود، وتفسير البيضاوي ونحوها من الكتب الشرعية، ودَرَس ودَرَّس في جامعة دار العلوم التابعة لمؤسسة «ندوة العلماء»3.
وندوة العلماء كانت استجابة إصلاحية مبكرة ورائدة في نهاية القرن التاسع عشر، نهض بها جمع من علماء الهند لمواجهة الانشطار الثقافي الذي صنعه الاستعمار الإنجليزي في الهند.
فأصبح في الهند اتجاهان: المدرسة العلمية العريقة المتجذرة بعلوم التراث الإسلامي لكنها معزولة عن التأثير في الواقع، والنخبة المتبجحة بالثقافة العصرية لكنها مبتوتة الصلة بعلوم الإسلام، فأنشأ هؤلاء المصلحون «ندوة العلماء» عام ١٨٩٣م، برئاسة الشيخ محمد علي المونكيري رحمه الله، وشيدوا جامعة تابعة لها سمّوها «دار العلوم»، وكان هدفها كما يصوره أبو الحسن الندوي (إحداث قنطرة تصل بين الثقافتين: الإسلامية والغربية، والطبقتين: علماء الدين والمثقفين العصريين)4.
وكنت أتوهم -كما لا يزال كثير من الناس يتوهم أيضًا- أن لقب «الندوي» هو اسم أسرة في الهند، وكنت كلما رأيت كتابًا عليه اسم شخص ينتهي بلقب «الندوي» أزداد عجبًا من هذه العشيرة الحافلة بهذا الكم من العلماء، ثم عرفت لاحقًا أن «الندوي» ليس اسم أسرة ولا عائلة، وإنما هو لقب يُعْتَمُّ به كل من اعتزى إلى «ندوة العلماء»، فهو نسبة مدرسية لا عشائرية، فالذي يجمع بين المنتسبين إليها ليس رحمًا بيولوجيًا، بل رحم علمي، وهذا مما يبين لك حجم اعتزاز وتشرف هذه الجماعة من أهل العلم والدعوة بمعهدهم، حتى قال الشيخ الطنطاوي حماه الله (لا أعرف أهل معهد أو مدرسة لهم تعلق بمعهدهم أو مدرستهم كتعلق الندويين بندوتهم، ينتسبون إذا انتسبوا إليها لا إلى آبائهم …، فكل من دخلها حمل لقب «النَّدْوِي» فعُرف به لا بلقب أهله)5.
ومن خلال هذه اللغات الأربع التي درسها الشيخ أبو الحسن النَّدْوِي بدأ في مطلع شبابه يلتهم كتب تاريخ الأمم يدرس أحوال الثقافات، وبسبب ظروف الحرب العالمية الثانية آنذاك فقد كانت أكثر المراجع المتوفرة في متناول يده باللغة الإنجليزية والأوردية كما يروي الشيخ عن نفسه في تلك المرحلة فيقول: (طالعت قريبًا تاريخ أوربا سياسةً واجتماعًا وديانةً وخلقًا وحضارةً وثقافة، بنهامة وفي توسع وعمق …، هذا عدا تاريخ الأقطار الشرقية والإسلامية، ودياناتها وحركاتها وفلسفاتها، وتاريخ الإسلام والمسلمين، وتاريخ العرب في الجاهلية والإسلام ..)6.
السؤال المضاد
ولاحظ أبو الحسن أن الطريق التقليدي المألوف في التفكير في واقع المسلمين، حتى عند من يكتب في الإسلاميات، هو التساؤل عن خسائر ومعاناة المسلمين أمام التقدم الغربي، وماذا خسر المسلمون أمام الثورة الصناعية الغربية، وكيف يمكن للمسلمين أن ينهضوا ليقتربوا من هذه الأمم الراقية، فخطر للشيخ أبي الحسن أن يقلب السؤال رأسًا على عقب، وأن يفكر من خلال الطريق المعاكس تمامًا لهذا النسق التقليدي في التفكير، ليكون السؤال: ماذا خسر العالم نفسه بتخلف المسلمين، وكيف تاهت الأمم المعاصرة في الانحطاط بسبب تخلي المسلمين عن قيادة العالم، وماذا سيجني العالم من المكاسب إذا عاد المسلمون لكابينة القيادة، ليصبح المسلمون من خلال هذا التفكير هم المركز والآخرون الأطراف، ولكن الشيخ تهيب بادئ الأمر من طرح المسألة بهذا المسار، ثم صمم أخيرًا وبنى الكتاب على هذا الأساس، وسماه باسمه التساؤلي الرنان (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)7، حتى باح لي بعض المتذوقين للأدب أن هذا العنوان بمجرده هو كتاب مستقل بذاته يلهم من سمع بالعنوان حتى لو لم يقرأ الكتاب!
وبدأ الشيخ بغرض تأليف كتابه هذا في جمع مادة غزيرة من تاريخ ثقافات الأمم وأحوالها وبلغات متعددة لم تكن معهودة البتة في تلك الحقبة، بل لقد حكى تلميذه وصاحبه محمد اجتباء أن الشيخ أبا الحسن لم يكتفِ بجمع المادة عبر تلك اللغات الأربع التي يتقنها (الإنجليزية والأوردية والعربية والفارسية)، بل كانت بعض المسائل اليسيرة في الكتاب تضطره لمراجعة لغات أخرى فكان يسأل أهل الخبرة بها، وذكر منها (اليونانية والسنسكريتية والعبرية واللاتينية)8.
ولما انتهى الشيخ من الكتاب، وهو مازال شابًا مغمورًا، راسل من الهند لجنة التأليف والنشر بمصر التي يرأسها أحمد أمين، وبعث له نموذجًا من الكتاب، فرد عليه أحمد أمين وسأله: هل رجع المؤلف للمراجع الأجنبية؟ فبعث له أبو الحسن قائمة مراجعه الأجنبية، فأبلغه أحمد أمين بموافقته على نشره.
ثم مضت عدة شهور ولم يتم إبلاغ أبي الحسن بأي خبر عن كتابه، وصار لا يعرف عن مصيره شيئًا، ثم سافر للحجاز عام ١٩٥٠م، فاتفق أن سفير سورية جواد المرابط كان قادمًا للحجاز -أيضًا- مرورًا بمصر، ولما اجتمع به أبو الحسن أخذ السفير جواد المرابط يتحدث عن تميز علماء الهند، وأن هناك كتابًا لعالم هندي اسمه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟»، ولم يكن السفير جواد يعلم أنه يتكلم مع مؤلف الكتاب ذاته! فسأله أبو الحسن: هل معك نسخة من الكتاب؟ فأخبره أنه أتى بها أثناء مروره بمصر، وكانت هذه اللحظة من أعظم لحظات الشباب في حياة أبي الحسن، إذ غمره شعور تحدث عنه بدمعات النجاح، يروي أبو الحسن في أحد المواضع شعوره فيقول:
(ومضت على ذلك شهور وأنا لا أعلم مصير هذا الكتاب، وذلك في سنة ١٩٥٠م، وفوجئت بنسخة مطبوعة عند سفير سوريا الأستاذ جواد المرابط . . . كان قد استصحبها من القاهرة، وكان يبدي إعجابه بعمق فكر علماء الهند وأصالته، مستشهداً بهذا الكتاب . . . وهو لا يعرف أنه يتحدث إلى مؤلفه، ومن السهل الميسور تقدير فرح المؤلف الشاب المغمور، الذي يفاجأ بأثره العلمي التأليفي الأول الصادر من أكبر دور النشر، فاستعاره من سعادة السفير ليرده إليه بعد مطالعته)9.
الحضور المحتشم
ثم أخذ الشيخ يطوف بلدان العالم الإسلامي ويلتقي قدر إمكانه بالدعاة والمصلحين الإسلاميين، ويتحاورون ويتشاورون ويتبادلون الخبرات في إصلاح الواقع المسلم، ويلقي المحاضرات والخطب، وطُبع له (١٧٦) مطبوعة ما بين كتاب ورسالة قصيرة، وكثير من رسائله القصيرة محاضرات يلقيها ثم تعاد تهيئتها للطباعة.
ثم صار للشيخ حضور دعوي عميق في الهند وأصبح له وزن اجتماعي واحترام رسمي، وبات شخصية إسلامية عالمية، وشارك في قضايا الشأن العام في الهند مباشرة، ومنها مناهضته لبعض القوانين العلمانية المتطرفة، حتى اضطرت الحكومة لسحبها بعد اندلاع الغضب الشعبي، ومنها وقوفه الحاسم ضد تغيير بعض أحكام الطلاق في قانون الأحوال الشخصية، ومنها مصاولته لمرسوم فرض النشيد المدرسي «وند ماترم» الذي يحمل عقائد وثنية على الطلاب بمن فيهم من المسلمين، فعدلت الحكومة عنها كلها10.
ويبدو لي -والله أعلم- أن مما ساعد على غرس هذه الجلالة المهيبة للشيخ في نفوس المسؤولين هو ترفعه عن دنياهم واحتشامه عن الطلب لا لنفسه ولا لغيره، وقد روى عنه من عاصره وصحبه أخباراً متظاهرة في ذلك، ومنها قصة وقعت في الدوحة يرويها د. القرضاوي فيقول: (أذكر أنه حينما زارنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً في قطر، وكان يشكو من قلة موارد «دار العلوم» بندوة العلماء، اقترح عليه بعض الإخوة أن نزور بعض الشيوخ وكبار التجار نشرح لهم ظروف الدار ونطلب منهم بعض العون لها، فقال: «لا أستطيع أن أفعل ذلك»، وسألناه: لماذا؟ قال: «إن هؤلاء القوم مرضى ومرضهم حب الدنيا ونحن أطباؤهم، فكيف يستطيع الطبيب أن يداوي مريضه إذا مد يده إليه يطلب عونه؟ أي يطلب منه شيئاً من الدنيا التي يداويه منها؟!» قلنا له: أنت لا تطلب لنفسك، أنت تطلب للدار ومعلميها وتلاميذها حتى تستمر وتبقى. قال: «هؤلاء لا يفرقون بين ما تطلبه لنفسك وما تطلبه لغيرك، ما دمت أنت الطالب وأنت الآخذ!»11.
ولا أخفي عن القارئ أنني وقفت مشدوهاً أمام هذه العبارة «هؤلاء لا يفرقون بين ما تطلبه لنفسك وما تطلبه لغيرك» . . . يا الله ما هذا النظر الفسيح في تفرس أغوار النفوس . . . وأي أنفة تكاد تطأ الأرض برمح الشكيمة . . .
وهذا الموقف لأبي الحسن يذكرني بموقف آخر له رواه المؤرخ الأديب محمد المجذوب (ت ١٩٩٩م) في كتابه المشهور، حيث يقول: (وأنا لا أذيع مجهولاً من حياة الشيخ عندما أذكر أنه، وهو العضو الدائم في المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لم يقبل أن يصرف له فلس واحد من المكافآت السخية المخصصة لمثله، ولم أعرفه نزل فندقاً قط على حسابها على تعدد المرات التي حضر فيها اجتماعات هذا المجلس حتى الآن)12.
والعلاقة بين الترفع عن الناس والهيبة في قلوبهم نبه عليها كثير من أئمة الدين، وفي ملاحظة مكثفة يقول أبو العباس ابن تيمية تغمده الله برضوانه: (فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه . . .، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء؛ نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم)13.
هذه بعض القسمات من الحياة العلمية والإصلاحية للشيخ أبي الحسن تمهيدًا للانتقال لتحليل مكونات نموذجه في قراءة العلاقة بين السياسة والخطاب.
القسم الثاني: مكونات النموذج
المآلات الأربع لتسييس الإسلام
نحن طوال هذه الدراسة نحاول التمعن في إشكالية الانهماك «العملي» في متابعة الماجريات والأحداث والأنباء، ولكن أبا الحسن الندوي يقدم لنا هنا معالجة لإشكالية أكثر تعقيدًا، وهي تتجاوز الانهماك «العملي» في متابعة الماجريات السياسية إلى مستوى أكثر تصعيدًا وهو التأصيل والتقعيد «النظري» لشرعية هذه المبالغة والإفراط في الاستغراق الماجرياتي السياسي المباشر، وهو الاتجاه الذي يجعل أساس رسالة الإسلام ووظيفة الدين هو المشروع السياسي، بما يترتب عليه أن كل انهماك واستغراق في الانشغال الماجرياتي السياسي هو في جوهره انشغال بأساس الإسلام وغاية الملة ووظيفة الدين ومقصد الشريعة الأكبر، ومن هذا الوجه صار نموذج أبي الحسن يعنينا في هذه الدراسة باعتباره مناقشة لأشد حالات الماجرياتية السياسية تصعيدًا.
ونموذج أبي الحسن الندوي حول منزلة السياسة في الإسلام وموقعها في الخطاب الإصلاحي عرضه في رسالة مستقلة بعنوان (التفسير السياسي للإسلام)، ولكن برغم أن هذه الرسالة مكرسة لهذا الموضوع واستوعب فيها جوانبه، إلا أنها ليست الرسالة الأولى التي يشرح فيها أبو الحسن رؤيته حول هذه الإشكالية، بل لعلها من أواخر ما كتبه، وقد سبق أن عرض رؤيته هذه في أكثر من خمس رسائل سابقة، ستأتي الإشارة إليها.
نقطة الانطلاق في تصور مرامي وأبعاد أطروحة أبي الحسن النَّدْوِي هو استيعاب المناخ الفكري الذي استحثه على التفكير بهذا المسار، والحقيقة أنه لا يمكن تصور مراد النَّدْوِي إلا باستيعاب ظاهرة الداعية الإسلامي الكبير أبي الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م) والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية، حيث كان النَّدْوِي أحد من اتصل بها وتفاعل مع دعوتها، لكنه رأى أنه برغم محاسنها وجهودها إلا أن فيها إشكالاً فصار النَّدْوِي يناقش وينتقد أفكار المودودي لكن بتلميح دون تعيين، فكان المودودي هو المخالف المُضمر في خطاب النَّدْوِي، ثم عاد النَّدْوِي لاحقاً وصرح باسم المودودي في نقاش يتقاطر أدباً ولباقة.
حيث يرى أبو الحسن النَّدْوِي أن أبا الأعلى المودودي -تغمده الله برحمته- له مساران في نتاجه الفكري والإصلاحي: المسار الأول: دفاعه عن القضايا والمفاهيم والأحكام الشرعية في وجه الهزيمة للثقافة الغربية العصرية، وإحياء العزة بالإسلام في نفوس الطبقة الهندية المثقفة، والنَّدْوِي يثمن ويُجَل ويُكبر هذا المسار وهذا الدور الذي قام به المودودي رحمه الله.
والمسار الثاني: أن أبا الأعلى المودودي لما رأى إقصاء الشريعة عن الحكم في الحياة المعاصرة، أدركته الغيرة والحمية لدين الله، وأراد مجاهدة ذلك، لكنه -بحسب تقييم النَّدْوِي- اندفع قليلاً بسبب رد الفعل المتجاوز فجعل غاية القرآن وأساس رسالته هو السلطة والحكم، وأكثر من ذلك في كتاباته، ثم كرّس بحثًا مستقلًا لإعادة تفسير الكلمات المركزية الأربع في القرآن (الإله الرب العبادة الدين) ليبرز معنى السلطة والحكم فيها وأنه الأساس وغيره تبع، كما يقول المودودي مثلاً (فخلاصة القول أن أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة)14، وينقل الندوي عن أحد كتب المودودي باللغة الأوردية أنه يقول (غاية مهمة الأنبياء في الدنيا هو الحكومة الإلهية وتنفيذ نظام الحياة الذي جاء من الله)، وأن جوهر نزاع الأنبياء مع أقوامهم هو قضية السلطة كما يقول المودودي (ولم تكن دعوى فرعون الأصلية: الألوهية الغالبة المتصرفة في نظام السنن الطبيعية، بل الألوهية السياسية!)15.
ويرى الندوي أنه بسبب هذا التأصيل الذي طرحه الشيخ المودودي رحمه الله فقد أفضى ذلك -وخصوصًا لدى أتباع الجماعة الإسلامية في الهند- إلى أربعة مآلات: الأول: إدانة التاريخ الإسلامي بأنه لم يفهم أساس القرآن الذي فهمه العربي الجاهلي الأول، والثاني: تضخم حضور السياسة والمشروع السياسي والماجريات السياسية في الخطاب الدعوي على حساب بقية أبواب الدين وشعب الإيمان ومطالب الدعوة الأخرى، والثالث: التزهيد في مقاومة الشركيات التي حاربها الأنبياء باعتبارها مجرد الوثنية الساذجة والجاهلية البدائية، والرابع: إعادة تأويل الشعائر بأنها وسائل لتحقيق الغايات السياسية الإسلامية بما ينتهي لوهنها في النفوس.
فاهتم النَّدْوِي بملاحظة مشكلة هذا التأصيل وآثاره، وتبنى رؤية مضادّة، وصار يذيع جزءًا منها في محاضرات ورسائل، ونحن هاهنا لا يعنينا البتة هل كان المودودي رحمه الله في مثل هذه الصورة التي صوره فيها النَّدْوِي فعلًا أم أنها صورة غير دقيقة؟ فكلاهما داعيتان سكبا عمرهما في دعوة الناس لدين الله، وكلاهما اجتهد في ذلك بحسب القدرة والإمكان، وكلاهما تحملا الابتلاء والبأساء والضراء في سبيل ذلك، وإنما الذي يعنينا فعلًا هو التصور الموضوعي للنموذج الذي طرحه النَّدْوِي بغض النظر عن ثبوت نسبة التشخيص أم عدمه لفكر المودودي، ويمكن لنا متابعة بعض تطور هذه الأطروحة لدى النَّدْوِي وهي «نقد التفسير السياسي للإسلام»
عبر هذه الرسائل الخمس التالية:
الرسائل النقدية المبكرة
فقبل عام (١٣٦٩هـ-١٩٥٠م) كتب الشيخ أبو الحسن النَّدْوِي رسالة إلى أحد ملوك العرب، ثم بدا له أن يطبعها، فهيأها للنشر العام ونشرت فعلًا، بعنوان (بين الجباية والهداية)، لكنه أبهم اسم المرسل إليه حين نشرها، وقال في بعض كتبه (أصل هذا المقال رسالة شخصية وجهت إلى ملك من ملوك العرب، ثم طبعت كرسالة عامة)16، وفي هذه المقالة المبكرة أشار النَّدْوي لقناعته أن السلطة والحكم نتيجة وثمرة وليست هي غاية تُقصد ابتداءً، كقوله (وهكذا جاءت الدعوة بالحكومة كما تأتي الأمطار بالخصب والزرع، وكما تأتي الأشجار بالفاكهة والثمر، فلم تكن هذه الحكومة إلا ثمرة من ثمرات هذه الدعوة الإسلامية)17.
وقال في موضع آخر من ذات الرسالة (أتى على المسلمين حين من الدهر نسوا أن الحكومة في الإسلام لم تكن إلا جائزة الدعوة)18.
ثم في عام (1370هـ-1951م)، وقد بلغ عمر النَّدْوي (37) عاماً، ألقى في مدينة الجيزة بمصر محاضرة بعنوان (أريد أن أتحدث إلى الإخوان)، ثم نشرت في رسالة مطبوعة، وزاد النَّدْوي في هذه الرسالة إيضاح رؤيته حول موضوع إشكالية التفسير السياسي للإسلام، ومما جاء فيها قوله: (وفرق كبير أيها السادة بين «الغاية» التي تُقصد و«النتيجة» التي تظهر، ويظهر هذا الفرق في نفسية العامل والساعي، فالذي يقصد الحكومة يتوانى ويقعد إذا لم ينلها أو انقطع أمله فيها، ويشتغل بها عن الدعوة ويطغى إذا نالها، وخطر على كل جماعة تتكون عقليتها بحب الحكومة والسعي لها أن تقعد عن الجهاد في سبيل الدعوة، أو تنحرف وتزيغ في قصدها، لأن أساليب الوصول إلى الحكومة تخالف أساليب الدعوة)19.
وفي محاضرته ورسالته هذه نقل النَّدْوِي من رسالته السابقة «بين الجباية والهداية» عدة اقتباسات وعلّق عليها.
ثم بعد ذلك بما يقارب ثلاث عشرة سنة، أي عام (١٣٨٣هـ- ١٩٦٣م)، نشر النَّدْوِي كتابه النبوة والأنبياء، وهو بالمناسبة أحد الكتب الخمسة التي يعتبرها النَّدْوِي أحب كتبه إليه حين سئل عن ذلك20، واقترب فيه جدًا من المساس بأطروحة المودودي لكنه لم يذكر اسمه، وكان أحد عناوين فقراته (جناية الأساليب الصناعية والمصطلحات السياسية على فهم النبوة والأنبياء)21، وانتقد فيه اختزال أغراض الأنبياء بالأهداف السياسية، وعقد عنوانًا آخر (فهم الصحابة والعرب الأولين لكلمات القرآن ومصطلحاته)22 وانتقد فيه تفسير الكلمات الأربع بالمعنى الذي سبق أن طرحه المودودي «الإله الرب العبادة الدين»، وعقد فقرة ثالثة أيضًا يحذر فيها من الإيحاء بأن العلماء في تاريخ المسلمين أطبقوا على الضلال في معرفة حقيقة الإسلام، ووضع فقرة خاصة أيضًا لموقع الشركيات في دعوات الأنبياء وأنها ليست قضية هامشية، ويعرف القارئ بطبيعة الحال أن الشخصية المضمرة في هذا النقد هي الأستاذ أبو الأعلى المودودي.
ثم في عام (١٣٨٩هـ-١٩٦٩م) ألقى الشيخ الندوي محاضرة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أمام الطلاب المرشحين للدعوة في الخارج، وطبعت المحاضرة بعنوان (منهج أفضل في الإصلاح: للدعاة والعلماء) وجوهر الرسالة هي محاولة طرح أسلوب دعوي يتحاشى الصدام المسلح مع السلطة23، ويسعى للإصلاح عبر الاقتراب من رأس الهرم واستمالته للخير وما ينفع المسلمين، وكان هذا الطرح عبر عرض تجربة إصلاحية يرى الشيخ أنها تجسد هذا النموذج، وهي تجربة الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي (ت ١٠٣٤هـ) الذي يرى الندوي في رسالته هذه أن السرهندي (له فضل على كل مسلم في الهند)24.
الرسالة الأطروحة
قبل وفاة الشيخ أبي الأعلى المودودي بتسعة أشهر، كانت قد طبعت رسالة الشيخ الندوي «التفسير السياسي للإسلام» (١٣٩٩هـ- ١٩٧٨م)، التي خصصها لهذه الإشكالية ودرسها ونقد آثارها، ونقل فيها نصوص المودودي من كتبه، وبعث النَّدْوِي فوراً بنسخة من الكتاب بلغة مهذبة إلى الشيخ المودودي، فرد المودودي أيضاً برسالة جوابية لناقده واسعة الصدر تدل على رحابة نفس قال فيها المودودي للندوي «إنني لا أعتبر نفسي فوق مستوى النقد».
وهذه الرسالة التي تبلغ في طبعتها العربية (١٦٢ صفحة) هي -بحسب ما أعلم- أوسع ما كتبه النَّدْوِي حول رؤيته عن منزلة السياسة في سلم القضايا الشرعية، ومنزلة المشروع السياسي والماجريات السياسية في الخطاب الدعوي، ومناقشة الاتجاه المخالف.
وتضمنت هذه الرسالة عناصر متعددة سنعرضها إجمالاً:
حيث استهل النَّدْوِي رسالته بالحديث عن ظاهرة الحاجة في كل عصر لأساليب جديدة في عرض الإسلام بسبب المتغيرات الثقافية، وأن هذه الأساليب قد يحدث فيها ميل أو جنوح يؤثر على المحتوى نفسه، وأن هذه الجهود مشكورة إلا أنها تستلزم جهداً آخر في دوام التصحيح للأساليب الدعوية المعاصرة حين تتجاوز إلى الخلل في المضمون.
ثم وضع النَّدْوِي أبا الأعلى المودودي في قلب هذا الخطاب التجديدي، وقسم نتاجه إلى قسمين: المسار الأول مهاجمة الهزيمة النفسية للفكر الغربي، وذكر أنه استخدم أسلوباً جديداً غير مألوف بين من يكتب في الإسلاميات في تلك الحقبة وهو «الأسلوب الهجومي»، وأن مقالاته التي كان ينشرها خلبت الانتباه في الهند وكان لها (دور رائع في إعادة الثقة إلى الطبقة الذكية المثقفة بالثقافة الغربية، وفي تخليصها من مركب النقص)25.
ثم تحدث الندوي عن المسار الثاني لدى المودودي، وهو أنه تألم من إقصاء شريعة الله عن الحكم، فقاده ذلك لبناء تأصيل شرعي ينتهي إلى مركزية مفهوم السلطة والحكم في الإسلام، وخصوصًا في كتابه «المصطلحات الأربعة» حيث فسرها كما يقول الندوي (تفسيرًا خاصًا يتميز بالطابع السياسي، وينحصر به نزول القرآن والدعوة الإسلامية في تأسيس الحكم الإسلامي وإقامة الحكومة الإلهية فحسب)26.
وذكر أبو الحسن أنه لاحظ هذه الآثار فعلًا في روح المتخرجين على كتابات المودودي حيث يقول الندوي عن نفسه (ولم يُقدم المؤلف إلى هذا البحث إلا حين عرف وعاشر كثيرًا من الذين تخرّجوا في المدرسة الفكرية التي تقوم على كتابات الأستاذ المودودي وحدها …، وأفزعته اتجاهات فكرية، وفهوم وتفسيرات للدين ..)27.
كما سلط الندوي الضوء النقدي على أول أثر من آثار هذا الطرح في نظره وهو فكرة غلبة الضلال على الأمة في تاريخها في فهم أصول الإسلام، واحتج الندوي لنقض ذلك بالنصوص التي وصفت القرآن بأنه مبين، ونصوص عدم اجتماع الأمة على ضلالة، ونصوص الطائفة المنصورة، ونحوها وشرح الأثر السلبي لهذه الفكرة على التكوين النفسي للمسلم المعاصر تجاه تاريخ أمته وتشكّل ما سمّاه «اليأس من تاريخ الإسلام».
كما نقد الندوي اختزال المفاهيم المركزية في القرآن في البعد السياسي، وخصوصًا في رسالة المصطلحات الأربعة المشار لها، وأوضح أن الألوهية والعبادة أوسع وأشمل من أصل الحكم، وحاول الندوي أن يعزز موقفه هذا بالاستشهاد برسالة «دعاة لا قضاة» للهضيبي التي كان أول فصل من الفصول العشرة منها موجهًا أصلاً لنقد رسالة المودودي «المصطلحات الأربعة».
وفي سياق مناقشته قارن الندوي بين تعريف ابن تيمية لمفاهيم العبادة والإله والألوهية ونحوها، كتعريفه للعبادة بأنها «تتضمن غاية الذل مع غاية المحبة» واسترسال ابن تيمية في ذكر أعمال القلب، وآثار هذا التعريف على النفس المتعبدة، في مقابل تعريف المودودي للألوهية بأن «أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة»، وآثار هذا التعريف على المتعبد.
ثم انتقل الندوي إلى أثر آخر من آثار هذه النظرية وهو التزهيد في مقاومة شرك العبادة كالاستغاثة بغير الله والذبح لغير الله والتقرب للأضرحة ونحوها، باعتبارها مظاهر للوثنية الساذجة والجاهلية البدائية، وعقد الندوي عدة فقرات تفصيلية في كون موضوع جهاد الأنبياء هو التوحيد والشرك، وألقى الندوي هاهنا عبارة بديعة جداً، قال فيها (ثم إن هذه النظرية، نظرية أن مظاهر الشرك الجلي المتقدم ذكره، من خصائص الجاهلية الأولى الساذجة؛ إساءة إلى دعوة الأنبياء وجهودهم)28.
والحقيقة أن هذه ملاحظة ذكية فعلاً، لأن مؤدى هذه النظرية أن الأنبياء في جهادهم العظيم الذي رواه القرآن وعظمه؛ إنما تُظهرهم هذه النظرية وكأنما اشتغلوا بهوامش الإشكاليات لا بالقضايا الجليلة، ولو لم يكن لهذا التفسير السياسي للإسلام إلا هذه الكارثة لكفى بها.
لكن الشيخ الندوي في هذا الموضوع ندّت منه عبارة غير دقيقة من وجهة نظري، حيث يقول تغمده الله برحمته: (أما مظاهر الجاهلية الأخرى كالطاعة لغير الله، والتحاكم إلى غير الله، وقبول التشريع غير الإلهي …، فكل ذلك يتبع هذه الوثنية والشرك ويأتي بعده)29.
والذي يبدو -والله أعلم- أن الشيخ الندوي في رده على المودودي هاهنا وقع في رد فعل تجاوزي -أيضاً- زاد فيه قليلاً بحسن قصد ونبل نية، فظاهر عبارة الندوي توحي بالتقليل من «شرك التشريع» وجعله في مرتبة تبعية ثانوية، حيث عبّر بكلمة «يتبع»، وبقوله «يأتي بعده»، وهذا الذي يوحي به ظاهر العبارة غير دقيق، ويمكن مراجعة (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله) في كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -صب الله على قبره الرحمات- وشروح الكتاب المعروفة، ورسالة حفيده الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ «تحكيم القوانين»، لاستيضاح منزلة «شرك التشريع» وخطورته وأنه شرك شنيع مستقل بذاته وليس مسألة «تبعية» أو «تأتي بعد»، ولعل الندوي -إن شاء الله- لم يكن يقصد هذا المعنى، ولكننا كنا نقترح فقط مزيد تدقيق لظاهر العبارة، وليس الشيخ الندوي رحمه الله ممن يمكن لأمثالنا من القاصرين المزايدة عليه في العناية بأصول الإسلام.
ولما سيطرت هذه الفكرة على الشيخ المودودي رحمه الله وهي تضخم الغاية السياسية في تفسيره للألوهية والعبادة، قاده ذلك إلى أثر حساس جدًا يستدعي التوقف فعلًا، وهو ما يمكن تسميته «توسيل الشعائر» فأصبح الشيخ المودودي يتحدث عن مباني الإسلام الأربعة والأذكار الشرعية، بأنها وسيلة لتحقيق هدف السلطة الإسلامية، كما يقول المودودي رحمه الله عن الصلاة والزكاة والصيام والحج (والتعبير عنها بالعبادة لا يعني أنها هي العبادة ليس غير، بل معنى ذلك أنها تُعد الإنسان لتلك العبادة، فكأنها مقررات تدريبية لازمة لها)30.
والواقع أن هذا الأثر والمآل من أكثر الأمور إيلامًا، وقد أوضح النَّدْوي أن هذا التفسير عكس القرآن أصلاً، وأن القرآن بين أن التمكين في الأرض هو الوسيلة لإقامة الشعائر وليس العكس، كقوله سبحانه ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ونحوها، وأشار النَّدْوي لدور توسيل الشعائر في تذويب جلالتها وهيبتها وعظمتها في النفوس، وقال النَّدْوي بحرارة (هذه العبادات ليست وسائل مجردة إلى إقامة الحكومة الإلهية، بل أعمال مقصودة بذاتها)31.
وبسبب رؤية المودودي هذه -وهي نتيجة متوقعة طبعًا- فقد حمل على التصوف باعتباره طريقًا إلى البطالة والانسحاب عن النضال والتفاهم مع القوى الباطلة وممالئتها، لكن النَّدْوي رحمه الله لم يوافق على ذلك، وجعل في أواخر رسالته فقرات في ذكر مآثر بعض رموز الصوفية، والحقيقة أن نقد المودودي كان أقرب للصواب من دفاع النَّدْوي، والنَّدْوي -أسكنه الله فسيح جناته- يتوسع في الثناء على بعض رموز التصوف والطُرقية بقدر فيه إشكال.
ثم ختم النَّدْوي رسالته بكلام متوازن عن أهمية «القوة» لإقامة الدين وذكر النصوص على ذلك، مع التنبيه أن «القوة» مجرد وسيلة للمقصود الأعظم.
حسنًا، هذه أطروحة الشيخ أبي الحسن الندوي، ويمكن القول أنها تناقش أشد حالات التصعيد في التورم الماجرياتي السياسي، الذي يتعدى الاهتمام العملي المفرط بالصخب السياسي، إلى تأويل الإسلام نفسه بأن غرضه المشروع السياسي، وقد ناقش الندوي هذه الفرضية ببراعة، وأوضح مآلاتها الأربع الخطرة، التي تفضي إلى التزهيد في مقاومة شرك العبادة والألوهية باعتبارها شركيات بدائية، وتوهين الشعائر باعتبارها وسائل للمشروع السياسي، والجور على المطالب العلمية والدعوية والتربوية والإيمانية والثقافية لصالح التورم السياسي، وسوء الظن بفقهاء السلف بأنهم لم يفهموا غرض القرآن. وإذا كنا رأينا في معالجة مالك بن نبي تحليلاً لما هو أبعد من مجرد الاستغراق في الماجريات كسلوك عملي إلى مناقشة «التأصيل الفكري» لهذا الاستغراق في الماجريات السياسية، فإننا رأينا في معالجة أبي الحسن الندوي مناقشة «للتأصيل الشرعي» للاستغراق في الماجريات السياسية.
ومناقشات وتحذيرات الشيخ أبي الحسن لم تصدر من شخصية على هامش الأحداث، بل هو شخصية فاعلة ومؤثرة، بل هو أحد النجوم في تاريخ الدعوة المعاصرة، سواء بالإنتاج في الفكر الدعوي الحديث، أو بالمشروعات العملية المؤسسية في الهند وخارجها.
كما أنه مرّ بنا في المسيرة العلمية للشيخ الندوي من مظاهر الجدية الصارمة في معاناة العلم وتاريخ الثقافات ما يزكي هذه التحذيرات من الانهماك في الماجريات، وأنها تحذيرات نابعة من تجربة وممارسة، لا من تنظير هوائي. ومن زاوية أخرى فإن هذه الجدية الندوية في استثمار المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي والثقافي توقظ الحيوية والعزيمة من نعاسها واستنامتها للتفرج على الأنباء وتعليقاتها.
Footnotes
-
علي الطنطاوي، الذكريات، جدة: دار المنارة، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ-١٩٨٩م، (ص: ١٠٤/٨). ↩
-
علي الطنطاوي، الذكريات، مصدر سابق، (ص ١٠٦/٨). ↩
-
محمد اجتباء النَّدَوي، أبو الحسن علي الحسني النَّدَوي: الداعية الحكيم والمربي الجليل، دار القلم، الطبعة الأولى، 1421هـ، (ص: 30، 35). ↩
-
أبو الحسن الندوي، ندوة العلماء مدرسة فكرية شاملة، مطبعة ندوة العلماء - لكهنؤ، (ص: ١). ↩
-
علي الطنطاوي، الذكريات، جدة: دار المنارة، الطبعة الأولى، 1409هـ-1989م، (ص: ١١١/٨). ↩
-
أبو الحسن النَّدْوِي، قصة كتاب يحكيها مؤلفه، المجمع الإسلامي العلمي-لكناؤ، الطبعة الأولى، 1413هـ، (ص: 15). ↩
-
أبو الحسن الندوي، قصة كتاب يحكيها مؤلفه، مصدر سابق، (ص: 18-21). ↩
-
محمد اجتباء الندوي، أبو الحسن الندوي: الداعية الحكيم والمربي الجليل، مصدر سابق، (ص: ٨٨). ↩
-
أبو الحسن الندوي، قصة كتاب يحكيها مؤلفه، مصدر سابق، (ص: ٢٣). ↩
-
د. يوسف القرضاوي، الشيخ أبو الحسن الندوي كما عرفته، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ، (ص: ٦٧-٦٩). ↩
-
د. يوسف القرضاوي، الشيخ أبو الحسن الندوي كما عرفته، مصدر سابق، (ص: ١٤). ↩
-
محمد المجذوب، علماء ومفكرون عرفتهم، دار الشواف، الطبعة الرابعة، ١٩٩٢م، (ص: ١٤٣/١). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: ٣٩/١). ↩
-
أبو الأعلى المودودي، المصطلحات الأربعة في القرآن، ترجمة كاظم سباق، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1414هـ، (ص: 24). ↩
-
المودودي، المصطلحات الأربعة في القرآن، مصدر سابق، (ص: 67). ↩
-
أبو الأعلى المودودي، إلى الإسلام من جديد، دار القلم، الطبعة الثالثة، 1394هـ-1974م، (ص: 107). ↩
-
أبو الحسن النَّدْوي، بين الجباية والهداية، مكتبة الإسلام - لكناو، (ص: 5). ↩
-
النَّدْوي، بين الجباية والهداية، مصدر سابق، (ص: 15). ↩
-
أبو الحسن النَّدْوِي، أريد أن أتحدث إلى الإخوان، رسالة مطبوعة ضمن مجموع بعنوان: محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة، جمع وتحقيق سيد الغوري، دار ابن كثير، (ص: ٣٢/١). ↩
-
محمد اجتباء النَّدْوِي، أبو الحسن النَّدْوِي الداعية الحكيم والمربي الجليل، مصدر سابق، (ص: ٧٣)، وانظر أيضًا من ذات المصدر (ص: ١٠٦). ↩
-
أبو الحسن النَّدْوِي، النبوة والأنبياء، دار القلم، الطبعة السادسة، ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م، (ص: ٤٣). ↩
-
أبو الحسن النَّدْوِي، النبوة والأنبياء، مصدر سابق، (ص: ٥٨). ↩
-
أبو الحسن الندوي، منهج أفضل في الإصلاح: للدعاة والعلماء، المجمع الإسلامي العلمي - لكهنؤ، (ص: ١٥). ↩
-
أبو الحسن الندوي، منهج أفضل في الإصلاح، مصدر سابق، (ص: ١٣). ↩
-
أبو الحسن الندوي، التفسير السياسي للإسلام: في مرآة كتابات الأستاذ أبي الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب، دار آفاق الغد، 1980م، (ص: 15). ↩
-
الندوي، التفسير السياسي للإسلام، مصدر سابق، (ص: 16). ↩
-
الندوي، التفسير السياسي للإسلام، مصدر سابق، (ص: 18-19). ↩
-
الندوي، التفسير السياسي للإسلام، مصدر سابق، (ص: 94). ↩
-
الندوي، التفسير السياسي للإسلام، مصدر سابق، (ص: 93). ↩
-
الندوي، التفسير السياسي للإسلام، مصدر سابق، (ص: 104). ↩
-
النَّدْوي، التفسير السياسي للإسلام، مصدر سابق، (ص: 108). ↩
شروحات وبرامج عن «الماجريات»
شروحات أخرى للكتاب1
- التريندات والانجاز - مراجعة كتاب الماجريات للدكتور ابراهيم السكرانALBASHFAHEM _ الباشفاهم