مسلكيات
فن القراءة الجردية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
لعلك لاحظت أنه كلما أطلقت أجراس الإجازات فرحتها وجدت كثيراً من الشباب -ولله الحمد- قد عزم على القراءة والاطلاع، وبعضهم وضع لنفسه جدولاً وعيّن كتباً لقراءتها، وبعضهم يستشير أهل التخصصات في مقروءات يقترحونها.
والحقيقة أن من أهم المعطيات في باب العلم، وفعالية القراءة والاطلاع؛ هو أنه وبكل اختصار: (الكتب البديعة كثيرة، والعمر قصير، والصوارف تتزايد)، ومن تأمل هذه المعادلة أدرك أنه لا يمكن الفرار من التفكير في استثمار الوقت المخصص للقراءة إلى أقصى ما يمكن تحقيقه من الأرباح المعرفية.
ومن وسائل استثمار (وقت القراءة) ما يسمى بـ (قراءة الجرد)
وهي المطالعة السريعة للكتاب بحيث يلتقط القارئ من خلالها:
هيكل الكتاب، وأسئلته الرئيسية، ومظان المسائل فيه، والتصورات العامة في الكتاب.
ويحدد من خلال هذا الجرد: ما مدى احتياجه للكتاب؟ ثم أين يقع بالضبط موضع الحاجة منه؟ حتى لا يتورط بصرف قراءة دقيقة تحليلية لكتاب قد يكشف بعد الانتهاء منه أنه كتاب هش ضيع وقته، أو لا يتلاقى مع احتياجاته، أو يكشف أن المفيد من الكتاب هو الفصل الفلاني فقط، الخ. فمثل هذه الأمور لا يستطيع أن يحددها من يبتدئ الكتاب بقراءة دقيقة قبل قراءة الجرد، حيث تمثل قراءة الجرد (قراءة استكشافية مسبقة)، وهذه القراءة السريعة ليست (تصفح عشوائي) بل هي (تصفح منظم)، والتمييز بين التصفح العشوائي والمنظم هو أحد التمييزات الهامة في فن القراءة كما سيأتي التنبيه عليه.
والمراد أن الانخراط في القراءة التفصيلية للكتاب، قبل عملية التصفح المنظم، نوع من الغرر المعرفي، وهو يشبه ركوب المجاهل قبل تصفح الخريطة.
والقراءة الجردية كانت أحد أهم الأنماط الشائعة للقراءة لدى سلفنا، بجانب أنماط أخرى للقراءة طبعا، كقراءة الضبط والتصحيح والتأمل والاستظهار والحفظ الخ، وأخبارهم في القراءة الجردية منتشرة مبثوثة في كتب التراجم، ولكن بعض أهل العلم جمع نماذج من ذلك، ومن أهم من خصص فصولاً أو استطرادات جمع فيها هذه النظائر: المقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ) في كتابه: فتح المتعال في مدح النعال، والمحبي (ت ١١١١هـ) في كتابه: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، وجمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ) في كتابه: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، وعبد الحي الكتاني (ت ١٣٨٢هـ) في كتابه: فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات.
فأما المقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ) فإنه لما ذكر خبر قراءة الفيروزآبادي لصحيح مسلم في ثلاثة مجالس، وخبر قراءة القسطلاني لصحيح البخاري في خمسة مجالس، قال بعد ذلك (ومما هو من هذا القبيل في السرعة ..)1 ثم استرسل في رواية بعض أخبار السرعة في القراءة والمطالعة.
وأما المحبي فإنه لما ترجم لأبي بكر باعلوي الشلي وذكر سرعة قراءته قال (حُكِيَ عن بعض الحفاظ ما هو أعظم من هذا ..)2 ثم استعرض بعض أخبار الأئمة في سرعة القراءة.
وأما القاسمي فقد عقد فصلاً في كتابه قواعد التحديث في ثنايا الباب التاسع قال فيه (ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة)3 ثم ساق عدداً من الأخبار.
وأما الكتاني فقد نقل كلام ابن حميد -صاحب السحب الوابلة- عن شيخه السنوسي وقراءته لكتب الحديث في أيام قليلة، ثم علّق الكتاني مستطرداً بقوله (وعلى ذكر سرعة القراءة، والصبر على السماع ..)4 ثم ساح قلم الكتاني في ذكر أخبار أهل العلم في قراءة الجرد السريعة.
وسأنقل هاهنا بعض النماذج التي نبهت لها المصادر السابقة، ونحوها مما مرّ بي، ليطلع القارئ على نماذج من القراءة الجردية عند سلفنا، فمن هذه الأخبار:
- في كتابه الشهير تاريخ بغداد ترجم الخطيب البغدادي (ت ٦٣٤هـ) للمحدث إسماعيل الحيري، وكان إسماعيل هذا يختص بميزة إسنادية، وهو علو إسناده في رواية صحيح البخاري، حيث يرويه عن الكشميهني عن الفربري عن البخاري، ولما أراد الحيري السفر من نيسابور إلى مكة للحجّ، مر ببغداد إذ كانت على طريق سفره، لكن حملة الحج تعثرت لظروف أمنية، فعزم على الرجوع لنيسابور، فانتهاز الخطيب البغدادي الفرصة، وقرأ على الحيري صحيح البخاري كاملاً في مدة استثنائية، حيث يروي الخطيب البغدادي القصة بنفسه قائلاً:
(إسماعيل الضربير الحيري من أهل نيسابور، قدم علينا حاجاً في سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة ..، كتبنا عنه، ونعم الشيخ كان فضلاً وعلماً، ولما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازماً على المجاورة بمكة، وكانت وقر بعير وفي جملتها «صحيح البخاري»، وكان سمعه من أبي الهيثم الكشميهني عن الفربري، فلم يُقْضَى لِقَافِلَةِ الْحَجِيجِ النُّفُوذِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِفَسَادِ الطَّرِيقِ، وَرَجَعَ النَّاسُ، فَعَادَ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُمْ إِلَى نِيسَابُورَ، وَلَمَّا كَانَ قَبْلَ خُرُوجِهِ بِأَيَّامِ خَاطَبَتِهِ فِي قِرَاءَةِ كِتَابِ «الصَّحِيحِ»، فَأَجَابَنِي إِلَى ذَلِكَ، فَقَرَأَتْ جَمِيعَهُ عَلَيْهِ فِي ثَلَاثَةِ مَجَالِسٍ، اثْنَانِ مِنْهَا فِي لَيْلَتَيْنِ، كُنْتُ أَبْتَدِئُ بِالْقِرَاءَةِ وَقْتَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَأَقْطَعَهَا عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ أَنْ أَقْرَأَ الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ عِبْرَ الشَّيْخِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مَعَ الْقَافِلَةِ وَنَزَلَ الْجَزِيرَةَ بِسُوقٍ يُحْيِي، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانُوا حَضَرُوا قِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي اللَّيْلَتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فِي الْجَزِيرَةِ مِنْ ضُحْوَةِ النَّهَارِ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَفَرَغْتُ مِنَ الْكِتَابِ، وَرَحَلَ الشَّيْخُ فِي صَبِيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَعَ الْقَافِلَةِ)5.
وَقَدْ تَنَاقَلُ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ، وَكَتَبُوهَا بِحَبْرِ الدَّهْشَةِ، وَشَرَقَتْ كَلِمَاتُهُمْ بِالانْبِهَارِ، حَتَّى أَنَّ الذَّهَبِيَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي كِتَابِهِ «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» ثُمَّ عَقَّبَ الذَّهَبِيَّ بَعْدَهَا بِقَوْلِهِ (قُلْتُ: هَذِهِ وَاللَّهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِأَسْرَعِ مِنْهَا)6، كَمَا نَقَلَ الذَّهَبِيُّ الْقِصَّةُ ذَاتَهَا فِي كِتَابِهِ الْآخَرِ «تَارِيخُ الْإِسْلَامِ» ثُمَّ قَالَ (وَهَذَا شَيْءٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فِي زَمَانِنَا يَسْتَطِيعُهُ)7.
وَقَدْ صَدَقَ الذَّهَبِيُّ، فَإِنَّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ فِي طَبَعَتِهِ بِالْحُرُوفِ العادية يقع في أربع مجلدات، فكيف قرأه الحافظ الخطيب البغدادي على شيخه الحيري في ثلاثة أيام؟! هذه الواقعة فيها شاهد لسرعة وطلاقة القراءة، وشاهد آخر لا يقل عنه وهو الجلد والدأب وصلابة التحمل والصبر على المطالعة.
- ويعرف المتابعون لتاريخ الفقه أن رأس علماء المالكية في القرن السادس هو القاضي عياض اليحصبي (ت ٥٤٤هـ)، وله مهابة في نفوس المالكية، وأقيمت للتنويه به مؤتمرات معاصرة متعددة، والقاضي عياض له كتاب أشبه بمعاجم الشيوخ على طريقة المحدثين، سماه «الغنية»، ذكر فيه أشياخه الذين سمع منهم وشيئاً من أخبارهم، وهذا الكتاب مصدر عزيز اعتمد عليه المؤرخون ممن جاء بعده، ومن أشياخ القاضي عياض الذين سمع منهم وترجم لهم في هذا الكتاب ابن النخاس، وقد قال عنه: (أبو القاسم ابن النخاس، زعيم المقرئين بقرطبة … حدثني بـ«رسالة ابن أبي زيد»، بقراءتي عليه، في مجلس واحد، في داره بقرطبة)8.
ورسالة ابن أبي زيد (ت ٣٨٦هـ) مرجع مركزي في الفقه المالكي طُبعت في مجلد9، وطُبعت لها شروح عديدة، وتأمل كيف جردها القاضي على شيخه في مجلس واحد.
- ولما استعرض الحافظ أبو سعد السمعاني (ت ٥٦٢هـ)
شيوخه في معجمه المعروف، عرض لذكر شيخه أبي الفتح الوالوالي، وقال عنه: (لما رجعنا إلى سمرقند سألته -أي شيخه الوالوالي- يوماً الحضور عندنا، لنقرأ عليه الكتاب -أي كتاب الشمائل للترمذي-، فحضر، وقرأنا عليه جميع الكتاب في مجلس واحد)10.
وكتاب الشمائل للترمذي مطبوع في مجلد واحد، وقد اجتمعوا وقرؤوه في مجلس واحد!
-وتواطأ المترجمون لابن تيمية ممن شاهدوه وشافهوه، ثم من روى عن هذه الطبقة، على التعجب من أمرين في شخصية ابن تيمية: سرعة قراءته وسرعة كتابته، وقد صوّر الذهبي تفاصيل شخصية ابن تيمية في مسرد طويل حتى كأنك تراه، وجاء من ضمن وصفه أن قال الذهبي عن ابن تيمية (وكان الشيخ .. سريع القراءة)11.
وقال ابن عبد الهادي عن ابن تيمية (وقرأ الغيلانيات في مجلس)12 والغيلانيات طبعت في مجلد13، وتقع صفحاتها في محمد بن سعود، الطبعة الأولى، 1417هـ، ص(2/1063).
حدود (٣٥٠) صفحة، وتتضمن (١١٠٤) حديث، وهي من أعلى كتب الحديث إسناداً، وتلاحظ أن ابن تيمية قرأ هذا الكتاب في مجلس واحد!
ووصف الصفدي سرعة كتابة ابن تيمية فقال (وكان ذا قلم يسابق البرق إذا لمع، يملئ على المسألة الواحدة ما شاء من رأس القلم، ويكتب الكراسين والثلاثة في قعدة)14.
وذكر ابن رجب نموذجاً للكتب التي كتبها ابن تيمية بسرعة فقال (قلت: وقد كتب «الحموية» في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وكتب في بعض الأحيان في اليوم ما يبيض منه مجلد)15.
والحموية طبعت في مجلد، وهي أحد أهم الكتب الأصول في دراسة عقيدة أهل السنة، وهي غزيرة بالحجج والنصوص، وكثيراً ما يستغرق تدريسه في المساجد زهاء سنة، وقد كتبها في جلسة واحدة رحمه الله.
- وحين ترجم الحافظ تقي الدين ابن فهد في ذيله على تذكرة الذهبي وذيلها للحسيني، ذكر من جملة المترجمين الحافظ أبا الفضل العراقي (ت ٨٠٦هـ)، وذكر رحلاته للسماع، وروى فيها أحوالاً تشهد فعلاً بسرعة قراءة الحافظ العراقي رحمه الله، فمن ذلك قول ابن فهد:
(وابن الخباز محمد بن إسماعيل قرأ عليه -أي العراقي- صحيح مسلم في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب، وهو يعارض بنسخته)16.
-وجاء في ترجمة الفيروزآبادي (٨١٧هـ) صاحب «القاموس» أنه قرأ بدمشق، على ناصر الدين بن جهبل، صحيح مسلم، في ثلاثة أيام، ثم أنشد:
قرأت بحمد الله جامع مسلم بجوف دمشق الشام جوفاً لإسلام على ناصر الدين الإمام ابن جهبل بحضرة حفاظ مشاهير أعلام وتم بتوفيق الإله وفضله قراءة ضبط، في ثلاثة أيام17.
وصحيح مسلم كما يعرف القراء الكرام في طبعته بالحروف العادية يقع في أربع مجلدات، فانظر كيف قرؤوا هذه المجلدات الأربع، قراءة ضبط، في ثلاثة أيام! وبصوت مسموع وليست فقط قراءة خافتة تسترق الحروف!
وقد نقل المقري -أيضاً- هذه القصة متعجباً، وصدرها بقوله (ومن أغرب ما منح الله تعالى المجد مؤلف القاموس ..) ثم ذكر القصة السابقة، ثم بعد أن انتهى من سرد القصة عقب عليها بقوله (فسبحان المانع الذي يؤتي فضله من يشاء)18.
-وفي واحد من عيون كتب التراجم، وهو كتاب الحافظ السخاوي الذي سماه (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)، وشرح فيه السخاوي أحوالاً علمية في غاية الفرادة والإبهار لشيخه الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ)، ومنها منجزات ابن حجر العلمية أثناء رحلاته، إلى قوص والإسكندرية والحجاز واليمن والشام، وما أبدعه خلال ذلك من المطالعات والمؤلفات والتعليقات، وكانت قائمة مذهلة من الأعمال العلمية، ثم عقب السخاوي بعد ذلك بتفسير هذه القدرة الاستثنائية لهذا الإنجاز، فقال:
(وأعانه على كل هذا أمور يسرها الله تعالى له، قلّ أن تجتمع في غيره، منها: سرعة القراءة الحسنة، فقد قرأ السنن لابن ماجة في أربعة مجالس، وقرأ صحيح مسلم بالمدرسة المنكوتمرية على الشرف أبي الطاهر الربعي في أربعة مجالس، سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء، فإنه كان الجلوس من بكرة النهار إلى الظهر، وما وقع لصاحب الترجمة -أي ابن حجر- في قراءة صحيح مسلم أجلّ مما وقع لشيخه المجد اللغوي صاحب القاموس، وكذا قرأ كتاب النسائي الكبير على الشرف المذكور في عشرة مجالس كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وأسرع شيء وقع له أنه قرأ في رحلته الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو ألف وخمسمائة حديث، ومن الكتب الكبار التي قرأها في مدة لطيفة «صحيح البخاري»، حدث به الجماعة من لفظه بالخانقاه البيبرسية في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات (..)19.
- ومن أشهر شروح صحيح البخاري شرح العلامة شهاب الدين القسطلاني (ت ٩٢٣هـ) وهو يعتني بضبط اللفظة ومعناها على الاختصار، وفيه ميزة عظيمة إذ يدرّب قارئه على العلم بأسماء رجال الحديث وضبطها فهو يكرر إيضاح الاسم في كل موضع يتكرر، فلا يخرج منه قارئه إلا ورجال البخاري كأنهم أهل حية، وربما تدخل بعض السآمة على القارئ فقط من تدقيق القسطلاني في اختلاف بعض الألفاظ غير المؤثرة في نسخ وروايات الصحيح كأبي ذر والأصيلي وأبي الوقت والكشميهني والحموي والمستملي وابن عساكر ونحوها مما يذكره في شرحه، أما اختلاف الألفاظ المؤثرة فلا شك أنه أصل في العلم النافع، والمراد أن القسطلاني حين ابتدأ شرحه هذا وبلغ أول باب في صحيح البخاري وهو باب «كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ» ذكر القسطلاني في هذا الموضوع إسناده إلى البخاري، فقال:
(أخبرنا به، وبما سبق من أوله، إلى آخر الصحيح: الشيخ المسند رحلة الآفاق أبو العباس أحمد بن عبد القادر، وقد جاوز التسعين، بقراءتي عليه لجميع هذا الجامع، في خمسة مجالس، وبعض مجلس، متوالية، مع ما أعيد لمفوتين، أظنه نحو العشر، آخر يوم الأحد ثامن عشر من شوال سنة اثنين وثمانين وثمانمائة، قال أخبرنا أبو الحسن ..)20.
ثم واصل القسطلاني عرض أسانيده إلى محمد بن إسماعيل البخاري نفسه صاحب الصحيح، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والحقيقة أنني في هذا الخبر الذي يرويه القسطلاني عن نفسه وشيخه، وقفت متحيراً، هل العجب من سرعة قراءة القسطلاني، أم العجب من شيخه أبي العباس الذي بلغ التسعين، وانحنى عظم كهولته، ومع ذلك يتجلد ويكابد مجالس السماع المطولة، ويختم صحيح البخاري كاملاً في خمسة مجالس، وهو شيء لا يطيقه الشبان في عنفوان الفتوة إلا وقد أرعدوا بالتأفف ودلقوا لسان التذمر .. فاللهم تغمد رحلة الآفاق برضوانك.
- ومن العلماء الذين درسوا على القسطلاني عالم الشام في زمانه بدر الدين الغزي (ت ٩٨٤هـ) وله مواقف مسجلة في ترجمته في الصدع بالحق في وجه ولاة الجور، وقد كان للبدر الغزي هذا ابن من أهل العلم أيضاً، وهو نجم الدين الغزي صاحب الكتاب التاريخي المشهور «الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة»، وقد شحن النجم الغزي كتابه هذا بأخبار والده ومن له صلة بهم، وكان من جملة من ترجم لهم النجم الغزي تلميذ أبيه «برهان الدين البقاعي»، وذكر عنه وعن أبيه خبرين لافتين في سرعة القراءة، حيث يقول النجم الغزي:
(برهان الدين البقاعي، قرأ على شيخ الإسلام الوالد في الأصول والعربية، وحضر دروسه كثيراً، وقرأ عليه البخاري كاملاً في ستة أيام، أولها يوم السبت حادي عشري رمضان، وصحيح مسلم كاملاً، في رمضان سنة إحدى وثلاثين، في خمسة أيام متفرقة)21.
ويلاحظ هاهنا أن البقاعي وشيخه البدر الغزي اختاروا شهر رمضان لجرد الصحيحين، وقرؤوا البخاري في ستة أيام، ومسلم في خمسة أيام!
- وفي كتابه الذي كرسه لأعلام القرن الحادي عشر ترجم المحبي الحنفي لأبي بكر باعلوي الشلي (ت ١٠٥٣هـ)، ومما جاء في ترجمته قوله عنه: (وكان كثير المطالعة للكتب، له جلد عظيم على قراءتها، فربما استوعب المجلد الضخم في يوم أو ليلة، ويقال أنه قرأ الإحياء في عشرة أيام، وهذا أمر عجيب بالنسبة إلى أهل هذا الزمن)22.
والإحياء المقصود هو كتاب أبي حامد الغزالي «إحياء علوم الدين»، وهو مطبوع في خمس مجلدات، أي أنه يقرأ نصف مجلد يومياً، ويختم كل يومين كتاباً!
- والحافظ المُحدِّث اللغوي المرتضى الزبيدي (ت ١٢٠٥هـ) صاحب الموسوعتين الذائعتين «تاج العروس شرح القاموس»، و«شرح إحياء علوم الدين»، له معجم جمع فيه شيوخه ومن روى عنهم على عادة المحدثين، وسماه «المعجم المختص»، إلا أنه وسعه وذكر فيه تلاميذه الأخذين عنه أيضاً، ولأن الزبيدي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر (١١٤٥-١٢٠٥هـ) فقد صار هذا الكتاب موردًا ثجاجًا لتراجم وتاريخ هذه الحقبة التي وُعك فيها العمل الترجمي، حتى أن الجبرتي في تاريخه المشهور، وهو تلميذ الزبيدي، التهم كتاب شيخه هذا، حتى قال الكتاني إن «الجبرتي أكل معجم الزبيدي أكلًا لما»23، والمراد أن من جملة من ترجم لهم الزبيدي تلميذه الذي لازمه أبا الحسن علي بن أحمد العلوي التوقادي، وذكر الزبيدي من أحواله وتلاميذه شيئًا عجيبًا في سرعة القراءة، حيث يقول الزبيدي في ترجمة أبي الحسن المذكور:
(وقرأ علي «الصحيح» في اثني عشر مجلسًا، في رمضان سنة ١١٨٨هـ، في منزلي بسويقة المظفر، ثم سمع علي «الصحيح» ثاني مرة مشاركًا مع الجماعة، مناوبةً في القراءة، في أربعة مجالس، وكان مدة القراءة من طلوع الشمس إلى بعد كل عصر، وصحيح مسلم في ستة مجالس مناوبةً بمنزلي في خان الصاغة)24.
فإنهاء هذه المجلدات الأربع في أربعة مجالس وفي ستة مجالس، وجعل هذه القراءة الجماعية من طلوع الشمس إلى العصر، أي بواقع عشر ساعات متواصلة على الأقل، هذا يؤكد مجددًا العنصرين اللذين سبقت الإشارة إليهما: الطلاقة في المطالعة، عدم الكلال.
- وهذه الأخبار السابقة سرد بعضها الشيخ العلامة جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ) في الفصل الذي عقده لذلك في كتابه عن مصطلح الحديث، كما سبقت الإشارة لذلك، ثم لما انتهى من سياق هذه الأخبار أردف ذلك بتعليق روى فيه قصة عن نفسه، حيث يقول القاسمي:
(والعبد الضعيف، جامع هذا الكتاب، قد من الله عليه بفضله فأسمع صحيح مسلم رواية ودراية في مجالس من أربعين يوماً، آخرها في ٢٨ من شهر صفر الخير سنة ١٣١٦هـ، وأسمع أيضاً سنن ابن ماجه كذلك في مجالس من إحدى وعشرين يوماً، آخرها في ٢٢ من شهر ربيع الأول سنة ١٣١٦هـ، وأسمع -أيضاً- الموطأ كذلك في مجالس من تسعة عشر يوماً، آخرها في ١٥ من شهر ربيع الآخر سنة ١٣١٦هـ، وطالعت بنفسي لنفسي «تقريب التهذيب» للحافظ ابن حجر، مع تصحيح سهو القلم فيه، وضبطه، وتحشيته من نسخة مصححة جداً؛ في مجالس من عشرة أيام، آخرها في ١٨ من شهر ذي الحجة سنة ١٣١٥هـ. أقول: وهذه الكتب قرأتها بإثر بعضها، فأجهدت نفسي وبصري، حتى رمدت بأثر ذلك، شفاني الله بفضله، وأشفقت من العود إلى مثل ذلك، وتبين أن الخيرة في الاعتدال، نعم لا ينكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه، وهو أدري بها)25.
-وهكذا صنع الشيخ عبد الحي الكتاني (ت ١٣٨٢هـ) نظير صنيع القاسمي، فإن الكتاني ساق عدداً من الأخبار السابقة، ثم عقب بعدها بذكر قصة عن نفسه، فقال:
(وجامع هذه الشذرة، محمد عبد الحي الكتاني؛ قرأ صحيح البخاري، تدريساً، بعزة القرويين، قراءة تحقيق وتدقيق في نحو خمسين مجلساً، لم يدع شاذة ولا فاذة تتعلق بأبوابه ومحل الشاهد منها إلا أتى عليها، مع غير ذلك من اللطائف المستجادة، ولعله أغرب وأعجب من كل ما سبق، والله خالق القوى والقدر)26.
والأخبار والقصص السلفية في هذه التقنية من تقنيات الاطلاع والقراءة كثيرة جداً، ولم يكن الهدف الاستقصاء والاستيعاب، بل الهدف ذكر نماذج منتخبة من قرون الإسلام، بما يؤكد حضور نمط (القراءة الجردية) بين أهل العلم، وأنها ليست تقنية طارئة استحدثها المعاصرون.
وقد كنت مرةً أشاهد محاضرة للداعية الأمريكي حمزة يوسف بعنوان (How to read a book?) أي: كيف تقرأ كتاباً؟ وشد انتباهي تنويهه بكتاب بذات العنوان، للمفكر الأمريكي مورتيمر أدلر (Mortimer Adler)، وذكر حمزة يوسف أن محاضرته مستمدة من هذا الكتاب، وذكر أنه درس على المؤلف، وأن المؤلف صديق لوالده، واستمر في تثمين الكتاب، ولما بحثت عن الكتاب اكتشفت أنه مترجم للعربية أيضاً، ترجمه طلال الحمصي، ونشرته الدار العربية للعلوم، بنفس العنوان (كيف تقرأ كتاباً؟)، وفي هذا الكتاب نبه المؤلف على أهمية القراءة الاستكشافية السريعة المسبقة للكتاب.
كما ميز المؤلف بين التصفح العشوائي والتصفح المنظم، وذكر أن التصفح المنظم يستهدف الإجابة عن: ما الشيء الذي يبحثه الكتاب؟ ما بنية الكتاب؟ ما أجزاؤه؟
وقد نبه على أهمية هذه القراءة الاستعراضية الأولية بقوله: (معظم الأشخاص، بل وحتى عدد كبير من القراء الجيدين؛ لا يعرفون أهمية القراءة التصفحية، إنهم يبدؤون الكتاب من الصفحة الأولى، ويتقدمون بجد وثبات حتى آخر الكتاب، وبدون قراءة الفهرس، إنهم في هذه الحالة يواجهون إنجاز هدف المعرفة السطحية للكتاب، بنفس الوقت الذي يحاولون به فهمه، وهذا يضاعف صعوبة الكتاب)27.
وقد ذكر إرشادات وآليات لهذا النوع من القراءة التصفحية في الفصل الرابع28.
ومن أهم الإشكالات التي تطرأ في أذهان بعض القراء هو قولهم: أننا من خلال القراءة السريعة نخشى أن لا نفهم؟!
وهذا غير دقيق بتاتاً، فكثير من الناس يتصور أن البطء في القراءة يثمر دوماً الفهم، وهذا صحيح جزئياً، ولكنه ليس كل شيء، بل هناك مستوى من الفهم لا يمكن إلا بالقراءة السريعة! وهي «التصورات العامة للكتاب»، ولو قلت لشخص إنك بالقراءة البطيئة سيفوت عليك فهم أشياء مهمة في الكتاب لربما يستغرب، ولكن هذا أثبتته التجربة، ونبه عليه عدد من المعنيين بالمعرفة، ومن ذلك ما قاله عالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي المعروف باسكال (ت ١٦٦٢م) في رسالة صغيرة له ضمنها بعض تأملاته يقول فيها: (When we read too fast or too slowly, we understand nothing)29.
وترجمتها: (حين نقرأ بسرعة شديدة، أو ببطء شديد؛ فإننا لا نفهم شيئاً)
والحقيقة أن كون القراءة بسرعة «شديدة» تنتج عدم الفهم، هذا معروف وشائع، لكن كون القراءة ببطء «شديد» تنتج أيضاً عدم الفهم؛ فهذا تصور يغيب عن الكثير من المعنيين بالقراءة والاطلاع! بل لربما تصور بعضهم العكس، وهو أن القراءة ببطء شديد تثمر مزيد الفهم، برغم أنها تضيع الفهم!
لقد أثبتت التجربة أن التصورات العامة للكتاب ليست موجودة في «المفردات» بل في «الروابط» بين المفردات، وهذه الروابط لا تتضح للذهن إلا إذا تم وصلها بسرعة، فأما مع الانفصال الزمني بينها فإن الذهن يشرد.
على أية حال، المقصود من هذا الفصل عرض نمط للقراءة وظفه علماء السلف بكثافة، ونبه عليه لاحقاً علماء ومفكرون غربيون، والهدف منه المساهمة في بناء المعرفة والعلم في المجتمع المسلم، وتخيل معي لو أن طالب علم قرر جرد مطولات الإسلام في فترة وجيزة، مثل: الكتب الستة، وتفسير الطبري، وتفسير القرطبي، والتمهيد لابن عبد البر، وفتح الباري لابن حجر، والمغني لابن قدامة، ونهاية المطلب للجويني، ومجموع فتاوى ابن تيمية، وتاريخ الإسلام للذهبي، فماذا سيحصل من: التصورات الشرعية الكلية، ومظان المسائل، وهياكل الفنون، ومواطن الاتفاق والاختلاف؟!
بل هل يسمح العمر بقراءة مثل هذه المطولات إلا بنمط القراءة الجردية التي طبقها السلف؟
العمر قصير، ومطولات الإسلام كبيرة، وفيها أمتع ما في الدنيا، وأخشى أن تكون أوقات شباب الإسلام الذين عليهم الرهان تلتهمها مواقع التواصل الاجتماعي، والعلم والثقافة سواعد الدعوات.
Footnotes
-
المقري، فتح المتعال في مدح النعال، تحقيق علي عبد الوهاب وزميله، دار القاضي عياض، ص (٥٢٧). ↩
-
المحبي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، تحقيق محمد إسماعيل، دار الكتب العلمية، ص (٩١/١). ↩
-
القاسمي، قواعد التحديث، تحقيق مصطفى شيخ، مؤسسة الرسالة، ص (٤٥٢). ↩
-
الكتاني، فهرس الفهارس والأثبات، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب، ص (٢/١٠٤٤). ↩
-
الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، تَارِيخُ بَغْدَادَ، تَحْقِيقُ بَشَّارِ عَوَّادٍ، دَارُ الْغَرْبِ، ص (٣١٧/٧). ↩
-
الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، إِشْرَافُ شُعَيْبٍ الْأَرْنَاؤُوطِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص (٢٨٠/١٨). ↩
-
الذَّهَبِيُّ، تَارِيخُ الْإِسْلَامِ، تَحْقِيقُ بَشَّارِ عَوَّادٍ مَعْرُوفٍ، دَارُ الْغَرْبِ، ص (١٨٢/١٩). ↩
-
القاضي عياض، الغنية، تحقيق ماهر جرار، دار الغرب، ص (١٤٧). ↩
-
ابن أبي زيد، الرسالة الفقهية، وبحاشيتها: غرر المقالة في شرح غريب الرسالة للمغراوي، تحقيق د. الهادي حمو وزميله، دار الغرب. ↩
-
السمعاني، المنتخب من معجم شيوخه، تحقيق د. موفّق عبد القادر، نشرة جامعة الإمام ↩
-
الذهبي، ذيل تاريخ الإسلام، تحقيق مازن باوزير، دار المغني، ص(329). ↩
-
ابن عبد الهادي، طبقات علماء الحديث، تحقيق أكرم البوشي وزميله، مؤسسة الرسالة، ص(4/282). ↩
-
البزاز، الغيلانيات، تحقيق فاروق مرسي، دار أضواء السلف. ↩
-
الصفدي، أعيان العصر، ص (١/٢٣٥). ↩
-
ابن رجب، ذيل طبقات الحنابلة، ص (٤/٥٠١). ↩
-
ابن فهد، لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، مطبوع مع ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني، دار الكتب العلمية، ص(223)، وقارن بـ: قواعد التحديث للتهانوي ص(453)، فهرس الفهارس للكتاني ص(2/1048) ↩
-
السخاوي، الضوء اللامع، دار الجيل، ص(10/80)، وانظر: أزهار الرياض للمقري (3/48)، وشذرات الذهب لابن العماد (9/192) فيبين النصين اختلاف في ضبط بعض ألفاظ الأبيات، والله أعلم بالصواب. ↩
-
المقري، أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، تحقيق مصطفى السقا وزملائه، مطبعة فضالة، ص (٤٨/٣). ↩
-
السخاوي، الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، تحقيق إبراهيم عبد المجيد، دار ابن حزم، ص (١٦١-١٦٣) مختصراً؛ وقارن بذيل ابن فهد ص (٣٣٦). ↩
-
القسطلاني، إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري، وبهامشه مسلم مع شرح النووي، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، الطبعة السابعة، ص (٤٩/١). ↩
-
الغزي، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، ص (٢/٧٦). ↩
-
المحبي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، تحقيق محمد إسماعيل، دار الكتب العلمية، ص (١/٩١). ↩
-
الكتاني، فهرس الفهارس، ص (٢/٦٢٣). ↩
-
الزبيدي، المعجم المختص، تحقيق نظام يعقوبي ومحمد العجمي، دار البشائر، ص (٥٣٢). ↩
-
القاسمي، قواعد التحديث، تحقيق مصطفى شيخ، مؤسسة الرسالة، ص (٤٥٤). ↩
-
الكتاني، فهرس الفهارس، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب، ص (٢/١٠٤٩). ↩
-
مورتيمر أدلر، كيف تقرأ كتاباً؟، ترجمة الحمصي، الدار العربية للعلوم، ص (٣٣). ↩
-
المصدر السابق، ص (٤٧). ↩
-
Pascal B. Pensées, no. 69 ↩
شروحات وبرامج عن «مسلكيات»
شروحات أخرى للكتاب3
سلسلة: حكاوي الكتبحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- خلاصة كتاب | مسلكيات | دكتور ابراهيم السكران | عبدالرحمن المنشاويعبدالرحمن المنشاوي