مسلكيات
جناح الذل
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
كثيرة هي العبارات التي تمر بالمرء في حياته قراءةً أو سماعاً، بعضها يفقده الذهن ويتشرد من الذاكرة فور مروره عليها ..
بعض الكلمات كأنها زائر دخل بالخطأ واعتذر أنه يريد السلام ويمضي فقط ..
وبعض الكلمات تحفر حروفها في الذهن .. بل لربما مضى الزمن وقد ترعرعت حولها ذرية من العبارات المتولدة عنها ..
هل للعبارات تاريخ صلاحية؟ أم أن أذهاننا كولونيالية، تؤوي وتقمع وتطرد، دون قوانين واضحة؟
وثمة كلمة في كتاب الله مرت بي ولأول وهلة سمعتها وهي تحمل سؤالاً في نفسها ..
وهي استعارة قرآنية خلبت اهتمامي .. ومكثت أفكر فيها زمناً:
ما مراد الله سبحانه بهذا التركيب؟
وماذا أراد الله أن يوحي من المعاني من جزء العبارة الأول لجزء العبارة الثاني؟
هذه الاستعارة القرآنية هي التي اخترت أن تكون عنوان هذا الفصل، وهي قول الله: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤].
نحن نعرف أن (الجناح) جزء حسي في الطيور ركب الله فيها تخفق به وتنتقل .. ونرفع رؤوسنا في ميادين السماء فنرى هذه الطيور تميل بأجنحتها .. فتنشرها وتصفق بها .. بل هذه الصورة ذاتها ذكرها القرآن في موضع آخر ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩].
فوصف الله في هذه الآية أجنحة الطير وهي فوقنا في السماء إذ تبسط أجنحتها تارة فتصفها .. وإذا تضرب بأجنحتها جنوبها تارة أخرى فتقبضها ..
ويدلك على عظمة هذا المشهد من مشاهد حركة أجنحة الطير أن الله ذكره أيضاً في موضع آخر من القرآن فقال الله: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١].
وأشار الله لهذا المشهد بصورة مجملة في موضع آخر فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل: ٧٩].
حسنًا .. هذا مشهد من مشاهد جناح الطير في كتاب الله .. وهو لا يخفى على القارئ .. لكن السؤال الذي كان يقرع ذهني بصورة مستمرة هو السؤال التالي:
لماذا أضاف الله هذا (الجناح) الحسي المعروف، إلى (الذل) الذي هو سلوك أخلاقي وجزء منه شعور معنوي؟
ما مغزى هذه الاستعارة؟ وماذا يريد الله سبحانه بهذا التركيب اللغوي؟
ولنجعل التساؤل أكثر تحديداً: ما هي الدلالة المتطلب إيجاؤها من لفظ الجناح بما يخدم مفهوم الذل؟
هذا السؤال تأملته كثيراً .. وما زالت تتكشف لي فيه دلالات فسيحة الأرجاء ..
ثم لما تتبع تأملات البلاغيين والمفسرين في هذه الاستعارة القرآنية استحوذت على الدهشة من تفاوتهم في استكشاف العلاقة بين الجناح والذل .. ورأيتهم داروا حول أربع علاقات ..
ومن أول من رأيته من أهل العلم طرح تحليلاً لمكونات هذه الاستعارة وتفسير العلاقة بين الجناح والذل هو العلامة القفال الشاشي الكبير (ت ٣٦٥هـ)، والقفال الشاشي رحمه الله طرح وجهين للعلاقة بين الجناح والذل:
فأما الوجه الأول فهو أنه لما كان الطائر ينشر جناحه ويرفعه إذا أراد التحليق والصعود، ويخفض جناحه إذا أراد الهبوط والنزول، فناسب أن يصوّر التذلل للوالدين بأنه كأنه خفض جناح من الطأطأة والخضوع.
وأما الوجه الثاني فجوهره أن الطائر يحنو على فراخه فيلقهم بجناحه ويسبله عليهم تعطفاً وشفقة، فناسب أن يصوّر التذلل للوالدين والرحمة بهم كأنه خفض جناح الطائر على فراخه.
كما يقول القفال:
(في تقريره وجهان: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك. والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه؛ فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه)1.
هذان هما الوجهان اللذان طرحهما القفال الشاشي رحمه الله في تفسيره، إلا أن تفسيره هذا مفقود، ولم يقع بأيدينا، ردّه الله على أمة محمد، ونحن ننقل عنه هذه المعلومة السابقة بالواسطة، من خلال ما يقتبسه المفسرون عنه.
وكثيراً ما يمر بالقارئ في كتب التفسير قولهم «قال القفال»، وهذا الذي يرد في كتب التفسير هو القفال الشاشي الكبير، وأما إذا قيل «قال القفال» في كتب الفقه الشافعي الوسيط كالنهاية والوسيط والمهذب ونحوها فالمقصود به القفال المروزي الصغير (ت ٤١٧هـ)، وهو نجم الطريقة الخراسانية في الفقه الشافعي، وكلاهما شافعيان، وكلاهما يكنى أبا بكر، ومن هنا ينشأ الخلط بينهما، ونبه على هذا الفرق بين القفالين أبو زكريا النووي رحمه الله2.
وقد رأيت أطروحات أكاديمية في جمع تفسير القفال الشاشي الكبير من خلال النقولات المتناثرة عنه في كتب التفسير.
وفي القرن السابع رأيت الأديب ضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ) يطرح تحليلاً ثالثاً للعلاقة بين الجناح والذل، ففي كتابه «المثل السائر» اعتبر أن الطائر إذا أدركه الإعياء والوهن خفض جناحه، فصور التذلل للوالدين بهذه الصورة، كما يقول ابن الأثير: (فإن الجناح للذل مناسب، وذلك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه، وخفضه وألقى نفسه على الأرض)3.
وبصراحة فإن هذا الكتاب لابن الأثير ثري بتحليلات تطبيقية بلغة في غاية العذوبة لكيفية صناعة الجمال البياني.
وأما العالم المتفنن الشهاب الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ) فقد أشار إلى وجه رابع، وهو أنه لما كان الطائر يحلق ويطير شامخاً، فإذا فاجأه الجارح والبازي شله الذعر وأعياه الطيران ولصق بالأرض وخفض جناحيه كالمطرق الذليل، فناسب أن يصوّر التذلل للوالدين كأنه خفض جناح الطائر المستسلم المطرق، كما يقول الشهاب: (وأيضاً: هو إذا رأى جارحاً يخافه لصق بالأرض، وألصق جناحيه، وهي غاية خوفه وتذلله)4.
هذه أربع استكشافات لمغزى الاستعارة القرآنية (جناح الذل) .. ذكر اثنين منها القفال الشاشي وذكر الآخرين الضياء ابن الأثير والشهاب الخفاجي .. وثلاثتهم في علوم العربية بمنزلة الغرر والحجول.
وحينما اطلعت أول مرة على هذه التحليلات الأربع لوجه الصلة بين الجناح والذل في هذه الاستعارة القرآنية مكثت زمنًا تداهمني المقارنة بينها كلما ارتطمت بموقف تسع فيه الكهولة عبراتها على موقف عقوق ..
حينما أرى شاباً عليه سيماء الاستقامة لكنه يجادل والده بمنطق الند ويستظهر عليه الحجة تحاصرني مجدداً هذه الوجوه الأربعة في هذه الاستعارة القرآنية ..
حتى ربما خرجت من عالم الموقف المحيط بي وسرحت في عالم التأملات ..
وأبقى أردد في ذهني:
هل هذا خفض جناح الذل كما يخفض الطير جناحه للهبوط؟
هل هذا خفض جناح الذل كما يسبل الطير جناحه لفراخه حنواً عليهم؟
أهذا خفض الجناح كما يخفض الطير جناحه من الوهن؟
هل هذا الإطراق الذي يريده الله أمام الوالدين كما يطرق الطير استسلاماً أمام البازي؟
وهكذا أعيد قراءة المشهد على ضوء كل التحليلات البلاغية التي طالعتها لآية ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ..
هل كنت أتفطر من الفارق بين البر الشاهق في الآية وبين منحدرات العقوق في حياتنا الاجتماعية؟
أم تراني كنت أقارن بين هذه التحليلات أبحث عن الراجح منها على ضوء الواقع؟
أم تراني كنت أبحث عن أكبر قدر من التحليلات البيانية تجوب أقصى ما يمكن من الجغرافيا الدلالية لهذه الاستعارة التي خلبت اهتمامي؟
لم يقف إبهار هذه الآية لي عند هذا الأفق .. بل تكشفت لي فيها أفلاك معنوية جديدة أيضاً ..
فقد ذكر أصحاب علم القراءات أن كلمة «الذل» في هذه الآية أنزلها الله بقراءتين .. بضم الذال «الذُل» وهي القراءة المشهورة التي نقرأ بها .. ولكن ثمة قراءة أخرى لعلها أشد دلالة على التذلل منها وهي قراءة كسر الذال «الذِلّ» .. وما الفرق بينهما؟
يقول أبو الفتح ابن جني أثناء توجيه القراءتين:
(ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير في جماعة غيرهما «جناح الذُل»، قال أبو الفتح: «الذُل» في الدابة ضد الصعوبة، و«الذُل» للإنسان وهو ضد العز، وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة)5.
فانظر بالله عليك في هذه القراءة الأخرى التي بالكسر كيف أراد الله فيها أن نكون في التذلل للوالدين كما تكون الدابة ذليلة متقادة مستكنية مطاوعة لراعيها ..
فإذا ضمت الإيحاءات البلاغية لكلمة (خفض الجناح) وأضفتها لـ(الذِلّ) بالكسر الذي يكون للدابة .. انفتحت لمتدبر القرآن أقصى ما يمكن من معاني الإذعان .. وأن يكون الابن هش العنان لأبويه ..
ولست في حاجة للتذكير أن الاتجاه من أهل العلم الذي ينكر المجاز له مسار مختلف في قراءة هذا التركيب وأنهم يحملون الجناح على الحقيقة، ولهم كلام خاص في خصوص هذه الآية (١).
كنت مرةً أراجع بعض مسائل (فقه الحسبة)، وأحكام (النهي عن المنكر)، ووجدت بعض أهل العلم استشكل مسألة وقوع الأب في المنكر، وهل ينكر عليه ابنه؟ ومنشأ الإشكال أن النفوس تشعر بأن من ينهاها عن المنكر أنه إنما يخاطبها بفوقية ..
فالإمام أحمد نقل عنه ابن مفلح في الآداب الشرعية في الفصل المعقود لهذه المسألة أنه قال: «ليس الأب كالأجنبي»، والغزالي في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإحياء قسم الحسبة لخمس مراتب، وجعل اثنتان منها تليق من الابن للوالد وهما مرتبة التعريف ومرتبة الوعظ اللطيف، والبقية لا تليق، وذكر السنامي الحنفي (ت ٧٤٣هـ) في كتابه «نصاب الاحتساب» اعتبارات أخرى ..
مررت بهذه المعالجات .. وكنت أتأمل الراجح فيها .. ولكنني بكل صراحة لم أستطع أن أتجاوز عبارةً لإمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله .. حيث علّق على هذه المسألة تعليقاً بديعاً لم ينسَ فيه تلك الاستعارة التي أذهلتني .. يقول القرافي:
(المسألة الأولى: أن الوالدين يُؤمران بالمعروف ويُنهيان عن المنكر، قال مالك: ويخفف لهما في ذلك جناح الذل من الرحمة6.
حين قرأت تعقيب الإمام مالك في هذا الجواب، شعرت أنه أجاب بمشروعية النهي عن المنكر إذا وقع فيه الأب، لكن الإمام مالك تذكر هذه الآية العظيمة، ولم تغب عن ذهنه هذه الاستعارة التي تضمنتها والتي تهز قلب المؤمن، فعقب فوراً بتهذيب أسلوب الإنكار، وقال: «ويخفف لهما في ذلك جناح الذل» . .
بل سأكشف القارئ أنني حين قرأت تعقيب الإمام مالك هذا قلت في نفسي: هل يا ترى كان مالك يفكر كثيراً في هذه الاستعارة القرآنية؟ هل كان مندهشاً من جلالة جماليات البر فيها؟
بل إنني كنت أقنع نفسي وأقول مؤكد أن الإمام مالك ما استحضر هذه الاستعارة البلاغية القرآنية في ثنايا نقاش فقهي دقيق إلا أنه كان مبهوراً بإيحاءاتها الدلالية . . لابد أن مالك كان يتساءل عن مغزى العلاقة بين (خفف الجناح) و(الذل) . . وهكذا لعلني كنت أبحث عن شرعية تفكير . .
ولا يقتصر استحضار السلف لنصوص التذلل للأبوين في ثنايا الفتاوى الفقهية . . بل إن أئمة السلف كان يدققون في سلوكيات البر بسمو استثنائي . .
في واحدة من أعجب القصص التي مرت بي أن التابعي الجليل ميمون بن مهران الذي روى عن أبي هريرة وعائشة وغيرهم، رزقه الله بابن عالم، وهو الحافظ عمرو بن ميمون بن مهران (ت ١٤٥هـ)، وهو من رجال الصحيحين، وكان هذا الابن باراً بأبيه، وقد جاء في ترجمته:
(قال الحلبي: حدثني عمرو بن ميمون بن مهران، قال: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول، فلم يستطع الشيخ يتخطاه، فاضطجعت له، فمر على ظهري)7.
فانظر إلى هذه الصورة الرفيعة من خفض جناح الذل .. فحين جاء الأب الذي أرعدت السنون مشيته فما عاد يقوى أن يعبر جدول ماء .. تحول الابن إلى جسر يغمر نفسه في الطمي كي يخطو والده فوقه بقدميه ..
يا الله .. عليك رحمات ربي يا عمرو بن ميمون .. أكنت محظوظاً أن لم تر شاباً يستكثر أن يدفع عربة والده المقعد تحت سياط الظهيرة أمام مبنى الجوازات؟!
يا شيخنا عمرو بن ميمون .. أكانت فطرتك ندية فلم يعكرها خبر شاب يستقل مرافقة والده في مستشفى .. ينظر لوالده المغطى نصفه والمكشوف نصفه الأعلى لأنابيب الحياة .. ويسارق النظر لرسائل أصحابه في الجوال تستحثه للنزهة وتراوده بصور ربيعية .. فيتكلف الأعذار ليركب الريح مع أصحابه في مسامرات الضياع؟!
إيه .. يا عمرو بن ميمون .. اضطجعت في جدول الماء فوق الطين ووالدك يدوسك بقدميه ليعبر الجدول .. أكنت يا عمرو بن ميمون أحد أنواع البلاغة البشرية التي يتحدث عنها قول الله ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾؟
ومن أغنى الأوهام المنتشرة اليوم توهم أن «بر الوالدين»
مربوط بكمية الخدمات الحسية المادية .. واحرقتاه من هذا الوهم .. يبدو أن عصر الماديات في أحسن أحواله لا ينتج إلا تديناً مادياً أيضاً .. !
لا .. بر الوالدين ليس مقصوراً على الخدمات المادية .. بر الوالدين هو «خفض جناح الذل» لهما قبل كل شيء .. البر المعنوي يفوق قيمة البر المادي بقدر ما تفوق الوجهة قيمة الخبزة .. ألا ترى الرجل الحر يتضور جوعاً وينشل لسانه قبل أن يكتب معروض استجداء؟!
ألا ترى الحرة تجوع ولا تأكل بثديها ..
إنها القيم المعنوية التي قال عنها دنقل يوماً: «هي أشياء لا تشتري» ..
هذه النفحات المعنوية ليست إلا بعض أنفاس بيانية من دلالات «واخفض لهما جناح الذل» ..
الإمام الحافظ عبد الله بن عون (ت ١٥١هـ) من كبار أتباع التابعين، فقد أدرك طبقة من تأخرت وفاتهم من الصحابة لكن لم يسمع منهم، وهو إمام أهل البصرة في زمانه، وشيخ الأئمة المشاهير الكبار كشعبة بن الحجاج وعبد الله بن المبارك.
وبالنسبة لي فمن أكثر المواضع التي كانت تبهرني في منزلة ابن عون أن الإمام مسلم في مقدمته الشهيرة لصحيحه لما ذكر «أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار، ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها»، ثم أراد التمثيل لذلك، ذكر ستة نماذج من أئمة الحديث، كان أحدهم ابن عون! ومن له صلة بعلوم السنة يدرك دلائل هذا التمثيل ..
والمراد أن الحافظ عبد الله بن عون هذا ممن امتزج بروحه دلائل قول الله ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ .. ووقف على دقائق تجليات هذه الآية بحساسية شريفة .. حيث لاحظ رحمه الله أن مما يدخل في خفض جناح الذل للوالدين «مراعاة مستوى الصوت»!
وهذه هي القيم المعنوية الراقية لمعنى بر الوالدين حقاً .. فقد جاء في ترجمته رحمه الله: (عن عبدالله بن عون: أنه نادته أمه فأجابها، فعلاً صوته صوتها؛ فأعتق رقبتين)8 ..
لعلك تتذكر الآن أن الله في كتابه جعل عتق الرقبة من الكفارات في المناهي العظيمة، كقتل الخطأ والظهار والوطء في نهار رمضان ونحوها، فانظر كيف لما صار صوت ابن عون أعلى من صوت أمه .. وهو إنما رفع صوته ليستجيب لندائها فقط ..
ولم يكن رفع صوته جدلاً أو معارضةً .. ومع ذلك حاسب هذا الإمام العظيم نفسه .. وكفر عن أمر لا يعده أكثر الناس إلا سلوكاً طبيعياً .. ومع ذلك كله أعتق هذا الإمام رقبتين تكفيراً عن هذا العمل!
واغوثاه .. من شاب يصرخ من غرفته في الدور الثاني على والدته مستبطناً غداءه! ويتذرع بأنه مرهق ومتعب «وما هو مرّوق»! وكيف لا تتفطر الأكباد من شاب يتفنن في قرع أبواق سيارته يستعجل والدته الخروج من المنزل ليذهب بها لمشوار التمسته منه! وترى الوالدة المسكينة تتقافز تجمع أغراضها مشوشة الذهن تحت ضغط منبهات سيارته!
وابن عون يعتق رقبتين لأن صوته أرفع من صوتها وهو يستجيب لندائها! أي فارق فلكي بيننا وبين القوم؟!
وجاء هذا المعنى أيضاً عن التابعي الجليل محمد بن سيرين (ت ١١٠هـ) .. حيث كان يطبق مفهوم «خفض جناح الذل» في مخاطبة والدته .. فكان (إذا كلم أمه كلمها كالمصغي إليها بالشيء)9، و(إذا كان عند أمه، ورآه رجل لا يعرفه، ظن أن به مرضاً من خفضه كلامه عندها)10.
ومن تجليات «خفض جناح الذل» كمال الأدب في طريقة النظر للوالدين .. وخضوع العيون للعيون .. وهذا من عيون تفسيرات السلف لهذه الاستعارة القرآنية .. فقد روي عن عطاء وعروة من ضمن تفسيرهم لهذه الآية أنهما قالا: (ولا تحدّ بصرك إليهما، إجلالاً وتعظيماً) خرّجه ابن أبي حاتم وغيره عنهما.
وجاء هذا المعنى عن عائشة مرفوعاً: (ما بر أباه من حدّ إليه الطرف) لكنه معلول بصالح بن موسى.
وقد أشار المناوي إشارة بديعة لهذا المستوى من بر الوالدين بنمط نظر العيون للعيون .. إذ يقول المناوي في فيض القدير: (العقوق كما يكون بالقول والفعل؛ يكون بمجرد اللحظ المشعر بالغضب)11 وهو داخل في عموم آية خفض جناح الذل .. لأن النظر شرراً ليس إلا دخاناً خارجياً للهب استعلاء يمور في الباطن ..
أي مسافة تربطنا بقوم يدققون في مجرد الخشونة البصرية للوالدين .. وفينا من يتفنن في مقطوعات التذمر لوالدته لأنه فتح دولابه ولم يجد ملابسه قد غسلت وكويت في التوقيت المطلوب!
وهذه المشاهد المبهرة لأئمة السلف في فهم دقائق الآفاق الدلالية لخفض جناح الذل مرتبطة ارتباطاً مباشراً بعمق علم السلف بمنازل العبادات التي يحبها الله .. وقد كان للإمام التابعي الجليل محمد بن المنكدر شقيق اسمه عمر بن المنكدر .. ومحمد اشتهر بالعلم والرواية فقد روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم، بينما اشتهر عمر بالعبادة والتنسك وغلبت عليه .. وروى الإمام ابن سعد في طبقاته بإسناده قال: (قال محمد بن المنكدر: بات عمر يصلي، وبت أغمزُ رجلي أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته)12.
هذا هو الفقه الدقيق في مراتب الأعمال .. فقد بقي الإمام ابن المنكدر عامة ليله يدلك رجلي أمه .. ويخفف إعياءها .. ويطيب خاطرها .. ويؤانس وحدتها .. ويتقرب إلى الله بذلك .. وأخوه عمر صافٌ قدميه بين يدي الله يصلي الليل .. ومع ذلك ما ترك محمد ابن المنكدر رجلي أمه بل صرح أنه يعتقد أن بر الوالدين أجل في ميزان الله من التهجد ..
ولنكن صرحاء مع أنفسنا ونعترف أن هذه المقارنة بين عمل محمد وعمر ابني المنكدر هي مجرد مقارنة تاريخية لا صلة لنا بها .. أنا أحجل أصلاً من أن أطرح هذه المقارنة باعتبارها مرتبطة بواقعنا .. فهؤلاء يتنافسون بين إحياء الليل في التهجد أم إحياء الليل في بر الوالدين .. وكلاهما بالنسبة لنا اليوم خارج النمط المألوف في حياتنا الاجتماعية أصلاً إلا من رحم الله!
وتمر بالمرء قرارات كثيرة في حياته .. في حياته العلمية والعملية .. تحديد تخصص دراسي، قبول عرض وظيفي، شراء مسكن أو مركب، الخ .. وقد يكون أحد الوالدين رافضاً للقرار .. فيشعر الابن أن أباه أو أمه ليس لهما اطلاع كافٍ يخولهما فهم الأمر ورفضه .. فيدير مقود شأنه باتجاه ما قرر ولا يفكر في استرضاء والديه أولاً .. وغالب هذه القرارات يُنزع منها البركة .. والعاقِل الحصيف هو الذي يسترضي والديه قبل أن يقدم .. فإن لم يرضيا فمن يتق الله يجعل له مخرجاً .. ولا أقبح من الاستخفاف باسترضاء الوالدين .. والشعور أنهما لا يدركان ما يدرك الابن .. وإذا تداول الناس مسألة «أثر التقوى على العلم» فإنهم يذكرون عبارة الإمام أحمد الشهيرة التي رواها المروذي أن أحمد قال: (عبد الوهاب الوراق رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق) وعبد الوهاب هذا له ابن اسمه الحسن، وهو أحد المقرئين من تلاميذ الدوري، وكان ابناً باراً، وحدث له مع أبيه قصة، يحدث الحسن عن نفسه قائلاً:
(كنت قد اعترمت إلى الخروج إلى «سر من رأى» في أيام المتوكل، فبلغه -أي أباه- ذلك، فقال لي: يا حسن ما هذا الذي بلغني عنك؟ فقلت: يا أبت، ما أريد بذلك إلا التجارة، فقال لي: إنك إن خرجت لم أكلمك أبداً، قال: فلم أخرج وأطعته، فجلست، فرزقني الله بعد ذلك، فأكثر وله الحمد)13.
فانظر كيف أثمر خفض جناح الذل للوالدين في قرار تجاري البركة في الرزق، فوجد في طاعة والده بركة في ماله، كان سيفقدها لو صغر خده وشمخ برأيه الشخصي ..
إظهار الاحترام لرأي الأبوين، وإجلالهما، وإظهار الاستفادة من خبرتهما، والصدور عن توجيههما: هي جنة البر التي من لم يدخلها لن يعرف ماذا تعني هذه الاستعارة القرآنية ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ..
وكم ترى في الشبان من يسعى لإظهار جهل والديه وأنهما لا يفهمان الجيل الجديد بل ربما رأيت الشاب يستعرض بمصطلحات شبابية كالمستعلي على والده أنه لا يفهمها ..
وكم ترى في الفتيات من إذا دخلت المرحلة الثانوية والجامعة صارت تلمز ذوق والدتها .. وتظهر لها أن فلانة من قريباتها أحسن ذوقاً منها .. تظن أن هذه مجرد تقييمات عابرة .. ولا تعرف جرح الكبرياء الذي تغرزه في خاصرة والدتها بلا مبالاة .. أبعد كل هذه السنوات التي طافت بها والدتك الأسواق لتجعلك شامة في عيون قريباتك .. تأتين اليوم وترمين العبارات اللاذعة عن ذوق والدتك؟!
وبرغم كل هذه الصور البائسة اليوم في عدم التفطن لدقائق قول الله: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ فما زال في الأمة خير ولله والحمد .. وما زالت صور من البر يتناقلها الناس اليوم سُرُجاً يستضاء بها في سماء المادية الكالحة في هذا العصر ..
Footnotes
-
انظر نقل المفسرين هذا التحليل عن القفال الشاشي في: الرازي، مفاتيح الغيب، دار الفكر (20/192)؛ أبو حيان، البحر المحيط، تحقيق عادل عبد الموجود وزملائه، دار الكتب العلمية، ص (6/25)؛ ابن عادل، اللباب في علوم الكتاب، تحقيق عادل عبد الموجود وزملائه، دار الكتب العلمية، ص (12/259). ولست متأكداً هل أبو حيان وابن عادل ينقلان عن تفسير القفال مباشرة، أم ينقلان عن الرازي عنه؟ والأشبه الثاني والله أعلم. ↩
-
النووي، تهذيب الأسماء واللغات، تحقيق عادل مرشد وزميله، دار الرسالة العالمية، ص (٤٤٢). ↩
-
ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وزميله، دار نهضة مصر، ص (١٥٣/٢). ↩
-
الشهاب الخفاجي، عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي، دار صادر، ص (٢٤/٦). ↩
-
ابن جني، المحتسب في تبين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، تحقيق علي ناصف وزميله، نشرة لجنة إحياء التراث الإسلامي، ص(2/18). ↩
-
القرافي، الفروق، (ف ٢٧٠). ↩
-
ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق محب الدين العمروي، دار الفكر، ص (٦١/٣٥٢). ↩
-
أبو نعيم، حلية الأولياء، تحقيق سامي جاهين، دار الحديث، ص (2/318). ↩
-
ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق محب الدين العمروي، دار الفكر، ص (٥٣/٢١٦). ↩
-
المصدر السابق، ص (٥٣/٢١٧). ↩
-
المناوي، فيض القدير، تحقيق أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، ص (5/551). ↩
-
ابن سعد الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عطا، دار الكتب العلمية، ص (٣٥٨/٥). ↩
-
الخطيب، تاريخ بغداد، تحقيق بشار معروف، دار الغرب، ص (12/284). ↩
شروحات وبرامج عن «مسلكيات»
شروحات أخرى للكتاب3
سلسلة: حكاوي الكتبحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- خلاصة كتاب | مسلكيات | دكتور ابراهيم السكران | عبدالرحمن المنشاويعبدالرحمن المنشاوي