تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات

الباب الثالث: تقنية التسييس

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 177-214 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 35 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالتأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات

تقنية التسييس: الفصل الأول: التسييس في الاستشراق الفيلولوجي

سبق أن أشرنا أن الأداة التفسيرية الثانية المفضلة في الخطاب الاستشراقي وشارحه الحداثي العربي هي أداة تسييس الموضوعي1، بما يعني افتعال خلفيات وأغراض سياسية خلف العلوم الإسلامية التي فرضتها المعطيات الموضوعية في التراث الإسلامي.

ولا يمكن أن نرسل الكلام هاهنا إرسالا دون شواهد دالة على هذا الرصد، ولذلك سنشاهد الآن نماذج استشراقية لتقنية (تسييس الموضوعي)، وسنتبعها بتطبيقات حداثية عربية أعادت إنتاج هذا الخطاب الاستشراقي.

يتحدث جولدزيهر مزهواً بالبحوث الاستشراقية ويدعي أنها كشفت المستور السياسي في المرويات الموثوقة عند المسلمين، ليس في علم واحد فقط، بل في الحديث والمغازي والتاريخ!، حيث يقول (أخبار الروايات التي تبدو في قالب أبعد ما يكون عن الريبة؛ حتى في سيرة الرسول ومغازيه، وفي تاريخ الإسلام القديم، تواري في طياتها ميول الأحزاب والاتجاهات المختلفة، وآمال الطبقات المحلية المتنوعة في الأمة الإسلامية الناشئة)2.

وهكذا فجولدزيهر يؤكد أن المرويات التي لا تتطرق إليها ريبة المسلمين في تاريخ الإسلام اختلقتها الاتجاهات الإسلامية لدعم موقفها، فالروايات المعتمدة هي مجرد أقنعة خارجية تتشكل طبقاً لمصالح الفرق العقدية والطبقات الاجتماعية.

وحتى إجراءات جمع القرآن الأولية التي جمعت على يدي أتقى وأورع البشر بعد النبيين، وهو أبو بكر رضي الله عنه، يدس فيها المستشرقون أغراضاً سياسية فاسدة، فاختيار أبي بكر رضي الله عنه لزيد بن ثابت ليس لحيثيات موضوعية، بل لدوافع سياسية!

حيث يعتقدون أن ذلك بسبب أن زيد بن ثابت شاب صغير، وسيكون أبو بكر قادراً على تطويعه، بخلاف الموظفين كبار السن، كما جاء في كتاب نولدكة وتلاميذه: (أما عن شبابه -أي زيد بن ثابت- فثمة تفهم عند الدارسين لهذا الموضوع، إذ ينتظر المرء من شاب مطاوعة أكبر لأوامر الخليفة، من موظف كبير في السن وعنيد3.

بل حتى مسائل علوم القرآن التفصيلية يتم إقحام الغايات السياسية وراءها، فيقول جولدزيهر مثلاً (فأما النهي عن التفسير بالقرآن بالرأي فيرجع فقط إلى استغلال القرآن استغلالاً مذهبياً لصالح النظريات الحزبية العقدية)4.

وكذلك قراء القرآن يتم صبغهم بالخلفيات السياسية كما يقول بروكلمان (ولقد سبق لنا غير مرة أن رأينا قارئ القرآن يتعصبون للمذاهب السياسية)5.

ومنزلة السابقين الأولين إلى الإسلام تخضع للتسييس أيضاً، حيث يقول بروكلمان (والحق أن ترتيب هؤلاء المؤمنين الصادقين الأولين من حيث السبق إلى الدخول في الدين الجديد أمر مختلف فيه، وكثيراً ما خضع للتقديم والتأخير تبعاً لاعتبارات سياسية في ما بعد)6.

بل حتى الرحلات العلمية لأئمة السلف تخضع للتسييس، وينظر لأئمة السلف الذين ملؤوا الدنيا من عبق الورع على أنهم يتصارعون على النفوذ! حتى قال بروكلمان (مذهب الشافعي لم تكتب له الغلبة لا في الحجاز، وهو موطن أسرته، حيث كان لتلامذة مالك شأن كبير، ولا في العراق حيث كانت السيادة لتلامذة أبي حنيفة، ومن هنا حاول أن يضمن لنفسه منطقة نفوذ جديدة في مصر)7.

ولما كان أكثر من روى الحديث من الصحابة هو أبو هريرة، وأكثر من روى الحديث من طبقة التابعين هو الزهري، فالزهري في التابعين كأبي هريرة في الصحابة، ولذلك فإن المستشرقين صرفوا عناية خاصة لبث الشكوك السياسية في هذين الرجلين، لاعتقادهم أن إسقاط هذين الرجلين سيترتب عليه سقوط السنة النبوية!

ومن ذلك مثلاً أن جولدزيهر اخترع هذه القصة المسيّسة المتخيلة التي نسبها للزهري، والتي شاعت بين المستشرقين، يقول جولدزيهر:

(ولما رغب الخليفة الأموي عبد الملك في منع الحج إلى مكة لأنه كان متضايقاً من منافسه عبد الله بن الزبير، لجأ إلى وسيلة لصرف الناس عن الحج إلى مكة، وذلك بفكرة الحج إلى بيت المقدس، وأن الطواف به يعدل الطواف بالكعبة، وأنيطت مهمة تبرير هذا الإصلاح الموجّه سياسياً للحياة الدينية بالزهري، المحدث التقي، وذلك باختراع قول يُنشر على أنه قول للنبي، وهو أن هنالك «ثلاثة مساجد يشد الناس إليها الرحال، في مكة والمدينة وبيت المقدس»8.

ومن صور التسييس فكرة أن أئمة الفقه اصطنعوا أحاديث الأحكام لدعم مذاهبهم الفقهية، فلما تحدث جولدزيهر عن الكتب الستة وجمعها قال (وهكذا وجد أصحاب الرأي المخالف ذخيرة لآرائهم في الأحاديث التي من المحتمل أن تكون نشأت عندما احتاجت تلك المذاهب لما يؤيدها من الأحاديث)9.

وكالعادة أخذ تلميذه شاخت ذات الفكرة وبعجها ومدها إلى نهاية الموجة، وجعل الأحاديث النبوية كلها مختلفة، وأن أئمة الفقه افتروا الأحاديث لتعزيز مذاهبهم، وعقد فصلاً خاصاً لما سماه (نمو الأحاديث الفقهية)10، وفي مطلع هذا الفصل يفتح شاخت هامشاً وينبه قارئه أن هذه الدراسة للأحاديث الفقهية لها علاقة بدراسة أستاذه جولدزيهر (دراسات محمدية).

وقد أصبح كتاب شاخت هذا الذي هو توسيع وتعميق لأطروحة أستاذه جولدزيهر غمامة غطت على عيون المستشرقين، وصارت فرضيات شاخت مسلمات، وصار من أصعب الأمور زحزحة المستشرق عن تشكيكات شاخت في كامل السنة النبوية، وصار المصدر المعتمد في موضوع السنة النبوية ونشأة الفقه.

وأحسن من ناقش شاخت مناقشة علمية رصينة في نظري هو الشيخ البحّاثة د. محمد مصطفى الأعظمي، في كتابين، الأول:

رسالته للدكتوراه في كامبريدج عام ١٩٦٦م(١)، والثاني كتاب خاص مكرس لشاخت(٢)، وكلاهما نشرا باللغة الإنجليزية، وكلاهما ترجما للعربية، ومن الإنصاف أن نذكر أن من فتح الباب في مسألة تدوين السنة المبكر هو فؤاد سزكين، وقد شرح المستشرق الألماني المعاصر «هارلد موتسكي» أثر سزكين ثم الأعظمي في خلخلة التصورات الاستشراقية عن السنة النبوية(٣).

واللافت هاهنا أن التشكيك السياسي الذي بثه جولدزيهر في السنة النبوية، ووصل به شاخت إلى نهاياته الممكنة، لم يتوقف على السنة النبوية، بل صار مثالاً ملهما ونموذجاً يحتذى يطبقه المستشرقون في العلوم الإسلامية الأخرى، وقد سبق أن لاحظ ذلك مؤرخ الاستشراق الأشهر يوهان فوك حيث يقول:

(وبتحريض من نقد جولدزيهر للأحاديث الصحيحة؛ فقد حاول لامون أيضاً أن يقدم الدليل على أن التقلبات التاريخية الإسلامية تدين بوجودها من حيث الجوهر إلى اتجاهات الفئات والأحزاب المتصارعة…، ونزع بمؤلفه «الصحابة الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعبيدة بن الجراح» الهالة القدسية عن أصحاب الرسول، حين حاول اقتفاء أثر الأهداف السياسية السلطوية لسياستهم)11.

هذا الرصد لا يقوله شخص هامشي في حركة الاستشراق، بل هو ذو وزن تمثيلي في حقله، فهو أحد ألمع مؤرخي الاستشراق، وكتابه عمدة في بابه، فلنسجل الآن مضمون هذا الرصد، وهو أن منهج جولدزيهر في تسييس السنة النبوية، نقله مستشرقون آخرون لعلوم إسلامية أخرى، وحاولوا تسييسها أيضاً.

يبدو الآن أن هذه النماذج السابقة كافية في التدليل على مسلك المستشرقين في (تسييس الموضوعي) في قراءة التراث، بمعنى إظهار الإمام من أئمة السلف على أن علمه ومواقفه لم تكن تحركه اعتبارات أخلاقية أو موضوعية أو إيمانية، وإنما مدفوع بدوافع السلطة، إما التزلف لصاحب السلطة، أو الدفاع عن سلطته الشخصية وجاهه ونفوذه.

وهذا يعني أنه يمكن لنا الآن أن ننتقل إلى استعراض نماذج من التأويل الحداثي العربي للتراث والذي أعاد إنتاج هذا التأويل الاستشراقي المجذب، وهذا ما سنتناوله في الفصل القادم.

الفصل الثاني: إعادة التصنيع العربي للتسييس

يتحدث أحمد أمين عن الدوافع السياسية في العلوم الإسلامية بشكل عام فيقول (هل للدولة العباسية أثر في تلوين العلوم، كلها أو بعضها، لوناً خاصاً لم يكن يتلون به لو نشأ في دولة غيرها؟…، وهل كان العلماء الذين دونوا العلوم متأثرين بأنهم تحت ولاية العباسيين وسلطانهم، أو كانوا مستقلين تمام الاستقلال؟…، والذي يظهر لي أن العلم تأثر بالدولة العباسية تأثراً كبيراً)12.

ولا يكتفي أحمد أمين بهذا التعميم بل يمر على العلوم الإسلامية، واحداً واحداً، ويدمغها بهذه التهمة، كما يقول (والفقه تأثر -أيضاً- بالدولة العباسية)13. ويواصل أحمد أمين كذلك توجيه التهم (وفي النحو واللغة تدخل العباسيون أيضاً)14.

وبمثل هذا التعميم الاستشراقي في تسييس التراث، يطلق الجابري أحكاماً مشابهة في تسييس مجمل العلوم الشرعية واللغوية، وأن عمل أهل العلم في تأصيل القواعد الشرعية واللغوية يراد به أهداف (سياسية) وهي صناعة وحدة سياسية للدولة، كما يقول الجابري: (تبدو الوحدة السياسية والاجتماعية وكأنها الهدف الخفي، الهدف اللاشعوري، المنشود وراء كل النشاطات اللغوية والفقهية)15.

وهكذا سار على هذا الطريق الجيل الذي يليهم من الحداثيين المعاصرين، حيث يرسم عبد المجيد الصغير صورة عامة عن علاقة العلوم الإسلامية بالسلطة فيقول: (كيف يمكن إنجاز تقويم «العلم» في الإسلام، دون أن نضع في الاعتبار أهمية دور السلطة السياسية، حيث لا تكف تلك السلطة عن ترك بصماتها على كل من يمر في طريقها)16.

وأما علم العقيدة وما فيه من مقاومة أئمة السنة للمحدثات الفلسفية والكلامية فهو عند الجابري أيضاً مجرد عباءة يسترون بها طموحاتهم السياسية، كما يقول (حيث وجد هؤلاء وأولئك -أي أهل السنة والفقهاء النصيين - في الهجوم على «علوم الأوائل» والتنديد بالفلسفة غطاءً يسترون به معارضتهم الحائقة للدولة)17.

وبرغم أن أحد أهم أسس اعتقاد أهل السنة «تعظيم السلف» النابع من معطيات موضوعية وهي النصوص الشرعية، إلا أن الجابري يفسر «تعظيم السلف» بأنه عملية هروب سياسي بسبب العجز عن المعارضة المسلحة! كما يقول (كان الاستبداد الذي عانى منه العقل البياني استبدادين: استبداد الحكام بالسياسة، واستبداد السلف بالمعرفة، ومن دون شك فإن الوقوع في الثاني إنما كان بسبب الهروب من الأول، بسبب عدم القدرة على مواجهته)18.

وربما يكون أكثر علوم الإسلام تعرضًا للتشكيك والارتياب والقدح في الخطاب الحداثي المعني بإعادة تأويل التراث هو علم أصول الفقه، فقد تتبع عبد المجيد الصغير مباحث اللغة والإجماع والاختلاف ونحوها في المدونة الأصولية، لا ليرى فيها دوافع «موضوعية» لبحث وتحقيق هذه المسائل، بل الدافع هو دافع «سياسي»، وهو لهفة رجل العلم في الإسلام على سلطته العلمية، وبحثه عن النفوذ! كما يقول الصغير عن علم أصول الفقه (ولا يملك مؤرخ الأفكار إلا أن يعجب لذلك الإصرار من قبل «رجل العلم» على إثبات سلطته المعرفية) (1).

وحين يتحدث الأصوليون أن من أغراض علم أصول الفقه ضبط الاستدلال بسبب الفساد الذي وقع في الملكة اللغوية، يرفض عبد المجيد الصغير مثل هذه الدوافع الموضوعية، ويرمز باستعمال السجع المتكلف إلى الدوافع السياسية فيقول (أن نتكلم عن فساد المملكة لا فساد الملكة! وأن نعي بأن المقصود الأكبر لدى الفقيه الأصولي لم يكن تقييد اللسان، بقدر ما كان تقييد اليد والسلطان) (2).

وهكذا -أيضاً- لا تسلم علوم اللغة العربية من افتراض الخطط السياسية! حيث يتحدث الجابري عن نشأة علم البلاغة، ويحاول أن يلصق به خلفيات سياسية أيضاً، حيث يقول (الاهتمام بوضع شروط لإنتاج الخطاب البلاغي المبين لم يبدأ إلا مع ظهور الأحزاب السياسية والفرق الكلامية) (3).

وحصيلة الثروة الفقهية المتلاطمة المنقولة إلينا في كتب التراث لم يعبر منها إلينا إلا ما وافقت السياسة عليه! كما يقول عبد المجيد الشرفي: (بإقصاء مجمل التأويلات التي من شأن الرسالة النبوية أن تكون مستعدة لقبولها، وبالاحتفاظ بتأويل واحد، هو التأويل الذي دعمته السلطة السياسية حتى أصبح رسمياً)19.

ويكرر الشرفي ذات الفكرة، وهي فكرة استشرافية غسلها الزمن من التكرار، في كتاب آخر له فيقول (ولقد كان الحكام الإسلاميون يعضدون باستمرار ما يذهب إليه الفقهاء والأصوليون، لأنه يخدم مصلحتهم العاجلة، ويضفي على استبدادهم مشروعية دينية)20.

وأما أطروحة جولدزيهر التي وسعها شاخت وسبقت الإشارة إليها، في أن الأحاديث النبوية اختلفها الفقهاء لاحقاً لتأييد أقوالهم، فيكررها أيضاً عبد المجيد الشرفي بنفس المقادير، فيقول (ومنها ما وردت فيها أحاديث متناقضة، وهي موضوعة لاحقاً على الأرجح، لتأييد حل من الحلول التي ارتضاها أئمة المذاهب)21.

وأما علماء المسلمين من غير العرب، فلم يطلبوا العلم ديانة ونهمة للمعرفة في نظرهم، بل بحثاً عن السياسة أيضاً، كما يقول عبد المجيد الشرفي عن أهل العلم من غير العرب (ونظراً إلى ما كان للدين من منزلة في النفوس، فإنهم قد سعوا عن طريق الاشتغال بعلم الدين إلى اكتساب سلطة معنوية تعوضهم عن السلطة السياسية التي حرموا منها)22.

ويبلغ التسييس بفهمي جدعان مبلغًا يسح دموع التناقض والتضارب، فالمعتزلة المتزلفون للقصر العباسي والذين تولّوا كبر المحنة واضطهاد الناس يظهرهم بمظهر المبادئ الأخلاقيين، ويعتذر لهم قائلًا (ليس من الإنصاف أن تتمثل حال المعتزلة العمليين في هيئة المنافقين والانتهازيين.. فالحالات المفردة يقابلها حالات أخرى لمعتزلة واقعيين عملوا في خدمة السلطان بنزاهة وتجرد)23 وأما أحمد بن حنبل المظلوم المضطهد فهو يظهره بمظهر السياسي الانتهازي النفعي، كما يقول جدعان عن أحمد بن حنبل (كان أحمد بن حنبل يعلم أن المصدر الرئيسي لقوته يكمن في العامة، فكان يقيس حركاته وسكناته، لا في ضوء مقياس رضوان الله وحده، وإنما أيضًا في ضوء ما يترتب على هذه الحركات والسكنات من تأثير على الناس والعامة)24.

فالجلاد نزيه متجرد، والضحية مجرد انتهازي يبحث عن الشهرة، نتيجة تركل نفسها بنفسها، هذا هو البحث «العلمي» عند الحداثيين العرب! وسنرجئ الكلام تفصيلاً عن أطروحة المحنة للباب الثالث المكرس لها تفصيلاً.

ومن المهم طبعًا استكشاف موقع التسييس في العقل الحداثي العربي ومنبعه الاستشراقي، وأنه ليس سلوكًا عرضيًا، وإنما أصل منهجي واعٍ، حيث يقول الجابري في تأصيل نظري للتسييس يصل بالتطرف في التسييس إلى أعلى الموجة (أية ثقافة هي في جوهرها عملية سياسية)25.

ومع أن هذه العبارة السابقة عامة لـ «كل» الثقافات، بما يعني أننا -على الأقل- سنكون في موضع المساواة مع الأمم الأخرى حال تم تسييسنا، إلا أن الجابري يفاجئنا، ويخيب أملنا، حتى في الطمع بالمساواة في التسييس! ويخصص التراث العربي الإسلامي بتسييس استثنائي! حيث يقول الجابري (في التجربة الثقافية العربية يجب أن نضع السياسة مكان العلم في التجربتين اليونانية والأوروبية الحديثة…، فاللحظات الحاسمة في تطور الفكر العربي الإسلامي لم يكن يحددها «العلم»، وإنما كانت تحددها «السياسة»)26.

فالعلم والصراع العلمي، والحراك المعرفي، هو المحرك عند اليونان والأوروبيين، لكن تراثنا الإسلامي وعلومنا الشرعية في نظر الجابري لم يكن من يصنعها العلم، بل صنعتها الدوافع السياسية! هل يقول هذا رجل ألم أدنى إلمام بتاريخ الحضارات؟

ومثل هذا التطرف التسييسي لدى الجابري هو الذي يقوده لحياكة الخيالات الخصبة المدهشة، كتفسيره مثلاً لنشوء مذهب الظاهرية، حيث اعتبر الجابري أن انتهاج ابن حزم للمذهب الظاهري هو مشروع سياسي ضد الفاطميين والعباسيين! كما يقول الجابري:

(ظاهرية ابن حزم كانت موقف سياسي، لا، بل إنها كانت بمثابة إعلان نضالي للمشروع الأيديولوجي الذي كان يختمر في الأندلس، ليكون السلاح النظري الذي تواجه به الدولة الأموية هناك خصميها التاريخيين: الفاطميين في مصر، والعباسيين في بغداد)27.

فالجابري هاهنا يرى أن المنهج الظاهري عند ابن حزم أراد به أن يكون سلاحاً للدولة الأموية ضد الفاطميين والعباسيين! وسنناقش هذه الفرضية في فصل المناقشات القادم.

وربما لاحظ القارئ طول المدة الزمنية التي اشتغل عليها التسييس لتاريخ العلوم الإسلامية منذ الحقبة الاستشراقية إلى الحداثيين العرب طوال القرن الماضي، وأن هذا يُنتج غالباً استنزاف هذا المستوى من الاشتغال ووصله إلى نهايته، ولذلك فإن الأبحاث الحداثية الأخيرة التي لم تستطع أن تجترح أفقاً بحثياً جديداً في دراسة تاريخ التراث لم يكن أمامها إلا المزايدة على التسييس السابق والإمعان في نسج التخيلات السياسية لاستجداء قناعة القارئ بأن ثمة جديداً، وهذا مشهد يتكرر في المستويات البحثية التي بلغت نهايتها ونضب ماء حقلها.

ومن النماذج التي تجسد هذه الظاهرة -أعني الإمعان في المزايدة في الموضوعة التي وصلت نهايتها للظهور بمظهر الإضافة- البحث الذي صدر أخيراً (٢٠٠٩م) للباحث التونسي الحداثي د. حمادي ذويب عن تاريخ أصول الفقه بعنوان (جدل الأصول والواقع)، وأشرف عليه المدرب الحداثي د. عبد المجيد الشرفي، فقد سعى حمادي ذويب للتطرف في إشعال حرائق التسييس في غابة أصول الفقه، بلغة بوليسية تفترض أن كل عبارة في كتب أصول الفقه وراءها مؤامرات سياسية وصفقات نفوذ، ودعنا نعرض بعض النماذج.

فالقراءات القرآنية السبع المتواترة ليست إلا سلاحًا سياسيًا كما يقول ذويب (تعد نظرية القراءات السبع أحد الأسلحة النظرية الفتاكة التي عوّلت عليها سلطة الخلافة العباسية)28.

والحديث المتواتر ليس طريقًا يفيد العلم واليقين، بل هو سلاح سياسي كما يقول (تحوّل المتواتر إلى أداة للصراع المذهبي)29. وكلام الأصوليين عن سنة الخلفاء له هدف سياسي كما يقول (الصورة الوردية التي حاولت المدونة الأصولية أن ترسمها لحكم الخلفاء الراشدين ليست سوى صورة مثالية فرضتها عليهم اختيارات سياسية وعقائدية، برزت في وقت متأخر لتجميل كل مراحل حكم الخلفاء المسلمين، لأن أي مس بإحدى حلقات سلسلة الخلافة، قد يهدد خلفاء الحاضر)30.

وفكرة رسالته هذه فكرة سطحية قوامها: الإتيان لكل قاعدة من قواعد أصول الفقه تعكر على انسياب الحداثة الغربية لمجتمعنا، ثم إبراز من خالف فيها وأبطل حجيتها في التراث الإسلامي والتنويه به، واتهام من يثبت القاعدة بأن وراءه أهداف سياسية، هذا كل ما في الأمر.

وحمادي ذويب عمومًا لا يخفي إلحاده المتشنج، فقد عقد في كتابه هذا فصولاً احتفى فيها بالطاعنين في القرآن كابن الراوندي وأبي بكر الرازي ونحوهما، وعرض وقاحاتهم ضد كتاب الله في مقام التنويه والإعجاب، ثم قال (وكل هؤلاء دفعهم انتصارهم للعقل والمنطق إلى رد ما بدا لهم تناقضًا في القرآن، أو قصصًا لا يصدقها العقل)31.

ومما لفت انتباهي في كتاب حمادي ذويب أن الرجل منخفض الأمانة العلمية في البحث، فيأخذ من بعض المعاصرين دون عزو، وبعضها بالأسطر، ومن نماذج سرقات حمادي ذويب هذا النموذج:

يقول الدكتور رضوان السيد ومعن زيادة في الدراسة التي قدما لها لكتاب المسائل في الخلاف للنيسابوري:

(إذ سيطر كل من ثمامة بن أشرس (-٢٣٤هـ) وابن أبي دؤاد (-٢٤٠هـ) على الكثير من أمور الدولة، وقادا بالتعاون مع الشيعة في البلاط حملة ضد المحدثين أدت إلى ما هو معروف في التاريخ باسم «المحنة»32. فجاء حمادي ذويب ونقل الأسطر الثلاثة كما هي دون عزو، حيث يقول حمادي ذويب:

(اتسم بسيطرة رجال المعتزلة -على غرار ثمامة بن الأشرس (ت ٢٣٤هـ) وابن أبي دؤاد (ت ٢٤٠هـ)- على الكثير من أمور الدولة، وقد قاد هؤلاء بالتعاون مع الشيعة في البلاط حملة ضد المحدثين، أدت إلى ما هو معروف باسم المحنة)33.

وهاهنا موقف طريف يقع في مثله دوماً من يختلس من غيره، وهو أن يكون في النص المسروق معلومة مشكلة، فينتهيه السارق بمشكلته ذاتها.

فرضوان السيد في النص المنقول عنه ذكر أن وفاة ثمامة بن أشرس كانت سنة (٢٣٤هـ) وهذا فيه إشكال، فإن عامة المؤرخين والمترجمين على أنه مات سنة (٢١٣هـ) كما ذكره ابن الجوزي وابن حجر وابن تغري بردي والزركلي وغيرهم، وذهب بعض الباحثين لتواريخ أخرى مقاربة34، فهذا التاريخ الذي ذكره رضوان السيد إما أن يكون وهماً وذهولاً أو يكون استنتاجاً خاصاً، والمهم أن حمادي ذويب قص أسطر رضوان السيد، ولصقها في كتابه هو، بما فيها من تواريخ دون انتباه للالتباسات ذات الصلة بمحتوياتها.

الفصل الثالث: مناقشات ١- تسييس حديث شد الرحال:

رأينا في التسييس عند المستشرقين كيف أن جولدزيهر يتهم الإمام الزهري بأنه اختلق حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ليدعم سياسياً موقف عبد الملك بن مروان ضد ابن الزبير، ومن الواضح هاهنا أن جولدزيهر حين حبك هذا الفيلم لم يراجع تواريخ الأبطال الذين اختارهم لفيلمه! ولنتأمل سوياً جدول الزمن للأحداث:

ولد الزهري سنة (٥١هـ) كما نقل الذهبي عن المؤرخين (١).

وقتل ابن الزبير عام (٧٣هـ) في المعارك المشهورة مع الحجاج (٢).

ثم وفد الزهري على عبد الملك بن مروان عام (٨٢هـ)35.

وهذا يعني أن الزهري حين تعرّف على عبد الملك بن مروان كان ابن الزبير قد مات قبل تسع سنوات! أي أن الفترة التي تعرف فيها الزهري على عبد الملك لم تكن أصلاً فترة المنافسة السياسية بين ابن الزبير وعبد الملك، بل كانت هذه المنافسة التاريخية جزءاً من ماضي انتهى، وانتهت حيثياته وظروفه، باستقرار الأمر لعبد الملك بن مروان.

فكما ترى أن كرونولوجيا الأحداث (التسلسل التاريخي) يجعل هذا الحكاية الجولدزيهرية مجرد خيال في الرحلة عبر الزمن!

وأول من نبه إلى هذه المفارقات التاريخية في حكايات جولدزيهر عن الزهري هو الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله (ت ١٣٨٤هـ)، بل إن الشيخ السباعي سافر لعدد من الجامعات الغربية في منتصف الخمسينيات، والتقى بالمستشرقين وباحثهم حول هذه الأخطاء الفظيعة في النتائج التي تسري بينهم كبحوث معتمدة، ومن ذلك أن الشيخ السباعي التقى حينذاك في هولندا بجوزيف شاخت (ت ١٩٦٩م)، وشاخت من أعلام المستشرقين في تاريخ الحديث وأصول الفقه، وهو حامل راية جولدزيهر، حيث يقول الشيخ السباعي:

(وفي جامعة ليدن بهولندا اجتمعت بالمستشرق اليهودي شاخت، وهو الذي يحمل في عصرنا هذا رسالة جولدتسيهر، وباحثته طويلا في أخطاء جولدتسيهر، وتعمده تحريف النصوص التي ينقلها عن كتبنا، فأنكر ذلك أول الأمر … قلت له: كيف جاز لجولدتسيهر أن يحكم على الزهري بأنه وضع حديث فضل المسجد الأقصى إرضاء لعبد الملك ضد ابن الزبير، مع أن الزهري لم يلق عبد الملك إلا بعد سبع سنوات من مقتل ابن الزبير؟! وهنا اصفرّ وجه شاخت، وأخذ يفرك يدًا بيد، وبدا عليه الغيظ والاضطراب، فأنهيت الحديث معه)36.

وهذا الموقف فيه مفارقة تشد انتباهي كثيرًا، لماذا يغضب المستشرقون إذا طُعن في أغراضهم ومقاصدهم، وهم يطعنون ليل نهار في مقاصد وأغراض أئمة السلف العلماء الزهاد؟

والحقيقة أن من له خبرة بفن (شجرة الإسناد) المتضمنة فحص تفرع طرق المرويات ومدار الإسناد، ونقاط التقائه وتشعبه؛ يدرك جيدًا أن حديث «شد الرحال للمساجد الثلاثة» لو أسقطنا منه الزهري أصلًا، لبقي الحديث قائمًا، لأنه مروي من طرق أخرى عن صحابة آخرين! فلم ينفرد به الزهري أساسًا!

فهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ ثلاثة من الصحابة، ورواه عن كل منهم رواة، وانتشر الحديث قبل أن يولد الزهري، فالزهري لم يكن إلا أحد الرواة لطريق أحد الصحابة، والصحابة هم: أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وحديثهما في الصحيحين، وجاء أيضًا من طريق ابن عمر، والزهري إنما رواه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ولم ينفرد برواية طريق أبي هريرة، بل شاركه غيره عن سعيد بن المسيب، وشارك سعيدًا غيره عن أبي هريرة، فالزهري إنما روى الحديث في الطبقة الثالثة، وانتشر الحديث قبله في طبقتين! فشجرة الإسناد تطوح بخيال جولدزيهر! فلنحذف رواية الزهري من أصلها، فسيبقى الصحابة الذي رووا الحديث ونقل عنهم من غير طريق الزهري!

٢- مناقشة تسييس الظاهرية

رأينا في التسييس عند الحداثيين العرب كيف اعتبر الجابري أن انتهاج ابن حزم للمذهب الظاهري هو مشروع سياسي ضد الفاطميين والعباسيين، والحقيقة أن من له أدنى خبرة بتاريخ الأندلس يدرك كمية تنافر هذه الرواية المتخيلة مع معطيات الواقع، وعدم إمكانيتها التاريخية أصلاً، ذلك أن بني أمية في الأندلس، هم أصلاً على مذهب مالك، بل خلفاء بني أمية في الأندلس هم الذين اعتمدوا مذهب مالك كمذهب رسمي، حيث كان يحيى بن يحيى الليثي (ت ٢٣٤هـ)، تلميذ مالك هو أعلى سلطة في تولية وعزل القضاة، وكان له جاه عند حكام بني أمية في الأندلس وخصوصًا الخليفة عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي (ت ٢٣٨هـ)37، وكانت الأندلس قبل ذلك على مذهب الأوزاعي إلى سنة (٢٢٠هـ)38، حتى قال ابن حزم عن منزلة يحيى الليثي عند خلفاء بني أمية وأنه هو الذي نشر مذهب مالك (يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان، فكان لا يلي قاضٍ في أقطارنا إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه)39.

وابن حزم خصومته الأساسية في الأندلس كانت مع المذهب المالكي أساساً، الذي هو مذهب بني أمية الرسمي في الأندلس، فكيف يكون منهجه الظاهري لخدمة بني أمية في معركة دولية، وهو خصم لمذهبهم الفقهي الرسمي؟!

بل الأعجب من ذلك، أن ابن حزم (٣٨٤-٤٥٦هـ) حين بلغ أوجه العلمي لم يكن هناك أصلاً مشروع فعلي لدولة بني أمية، بل كانت دولة بني أمية في الأندلس قد اضمحلت، إذ كان ابتداؤها مع عبد الرحمن الداخل (١٣٨هـ)، ثم تولى بعدهم بنو حمود (٤٠٧هـ)، وعمر ابن حزم آنذاك (٢٣) سنة! وبقي ابن حزم تحت حكم بني حمود، وأما ما بقي لبني أمية من أشلاء سياسية، فإنما كان صراعها الأخير من أجل البقاء مع الداخل الأندلسي نفسه40، ولا تستطيع أصلاً أن تبلغ مرتبة النزاع الدولي مع بغداد والقاهرة!، ثم انفجرت أزمة ملوك الطوائف، وانحلت مسيحة الأندلس، وابن حزم نفسه روى مشاهداته تلك حيث قال (فكنا على ذلك إلى أن انقطعت دولة بني مروان، وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين، وظهرت دولة الطالبة، وبويع علي بن حمود الحسني المسمى بالناصر بالخلافة، وتغلب على قرطبة وتملكها)41.

فكيف يعقل أصلاً ضمن هذه الإحداثيات التاريخية أن يكون ابن حزم ترك المذهب الرسمي لبني أمية الذين تهاوا ودخلوا في نعاس الغياب التاريخي، وتبنى القول بالظاهر، ليكون سلاحاً لدولة بني أمية ضد بغداد العباسيين وقاهرة الفاطميين؟!

وغاية علاقة ابن حزم مع بني أمية هي الانتماء لهم لوشائج اجتماعية، حيث كان والد الفقيه ابن حزم، وهو الأديب أحمد بن حزم من وزراء المنصور بن أبي عامر الذي كان يدير ولاية هشام الثاني المؤيد لصغره، ونفوذ المنصور ودهائه42، وجد ابن حزم الأبعد مولى ليزيد بن أبي سفيان43، ولذلك ذكر أهم مؤرخ أندلسي وهو أبو مروان ابن حيان (ت ٤٦٩هـ) في فصل خاص كرسه لأخبار ابن حزم أن ابن حزم كان يتشيع لبني أمية44، لكن الواقع أن هذا لم يكن يمنع ابن حزم الذي لا يعرف المجاملات أصلاً أن يشنع في كتبه الفقهية على البدع والمخالفات الشرعية التي أحدثها بنو أمية45، بل إن ابن حزم يقول عن مروان بن الحكم الأموي (مروان ما نعلم له جرحه قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير)46 وهذا الموقف الحاد ضد التركة السياسية لبني أمية كافٍ لوحده في التدليل على زيف تسييس ظاهرية ابن حزم وأنها خدمة لبني أمية. وهذه القصة التخيلية لدى الجابري أن الظاهرية عند ابن حزم هي مهمة سياسية لأجل بني أمية في الأندلس وضد العباسيين والفاطميين، تشبه القصة المشهورة الأخرى، حين قدم نصر أبو زيد بحثاً للترقية بعنوان (الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجيا الوسطية) وادعى فيه أن الشافعي يقوم بمهمة سياسية من أجل بني أمية، برغم أن دولة بني أمية كانت قد انتهت أصلاً بمقتل آخر خلفائهم مروان الحمار عام (١٣٢هـ) قبل ولادة الشافعي عام (١٥٠هـ)، وقد كتب كثير من الأساتذة حينها سخرية وتهكماً من هذه الأطروحة التي لم تنبه لأبجديات تاريخية، فماذا صنع نصر أبو زيد؟ طبع الكتاب وادعى في مقدمته أن هناك خطاً طباعياً في كلمة الأمويين وأنه كان يريد أن يكتب العلويين47.

والمراد هاهنا أن هذا النموذج الذي ناقشناه هو شاهد حيوي على التسييس الرخيص في البحث الحداثي العربي، وأنه مجرد إلقاء تهمة تسييسية مجانية، وتخيل علاقات سلطوية بين شخصيات التراث دون براهين ولا فحص حدثي، بل حين يدرس الباحث الموضوعي المعطيات والظروف التاريخية لمحل التسييس يصطدم بطوابير التناقضات والفروق الزمنية غير المأخوذة في الاعتبار، وقد كنا شاهدنا سويّاً نموذجاً استشراقياً مشابهاً لدى جولدزيهر حين اتهم الإمام الزهري باختراع حديث «شد الرحال إلى المساجد الثلاثة» لخدمة عبد الملك بن مروان ضد ابن الزبير، برغم أن الزهري حين تعرف على عبد الملك بن مروان كان ابن الزبير قد قتل قبل تسع سنوات!

ويهمني جداً التنويه هاهنا إلى ضرورة اختبار وفحص الأطروحات الاستشراقية، وشروحاتها الحداثية العربية، على ضوء «التاريخ» أولاً، وقبل كل شيء، فكتب التأويل الحداثي العربي للتراث مكتنزة بتفسيرات وتحليلات لا يمكن وقوعها إلا بالرحلة عبر الزمن لتلتقي شخصيات الحكاية المتخيلة!

٣- مثقفو البلاط

ثمة تضارب كئيب في سلوك الحداثيين، فهم حين يقرؤون تاريخ أئمة السلف يحاسبونهم بمثاليات سياسية تدين وتشجب أي واقعية في مداراة وتحاشي ولاة الجور والظلم، بينما هؤلاء الحداثيون في واقعهم ضالعون في شهر عسل مع السلطة، فالجابري مثلاً يزايد على أئمة السلف في مداراتهم المستبد لأجل مصلحة الشريعة، وهو يقع فيما هو دون ذلك، فيداري المستبد لمصلحة الحزب.

فالمتابع للتطور السياسي في المغرب يعرف أن الجابري من مهندسي التقارب بين البلاط الملكي وحزبه السياسي، وهو حزب الاتحاد الاشتراكي (١)، وتمت المصافحة بيمين اليوسفي، جورباتشوف الاتحاد الاشتراكي كما أطلق عليه بعض الصحفيين المغاربة، وأحرق فيها بخور «الكتلة التاريخية» المستعارة من جرامشي! حيث طرح الجابري مفهوم «الكتلة التاريخية» المستعار من غرامشي من أجل شرعنة يسارية للتحالف مع القصر، وقد طرحه أول مرة في مجلة المستقبل العربي عدد نوفمبر ١٩٨٢م جوابًا على سؤال الأجدر بقيادة التغيير، ثم استمر يعيد عرضه بشكل متكرر في مقالات لاحقة، وفي أحد نصوص هذا المقال/الأطروحة المنشور عام ١٩٨٨م نص الجابري على أن من المصالح التي يجب العناية بها ما سماه نصًا (حقوق أهل الحل والعقد)48 ويقصد بها القصر! فهذا عين ما عابه على أئمة السلف، بل هذه براجماتية مع الاستبداد أشد مما انتقده في التراث السياسي الإسلامي!

والجابري نفسه هو الذي كان يقول في سلسلة مقالاته عن الديمقراطية في المغرب (الملك يتمتع بشرعية تاريخية لا ينازع فيها أحد)49، بل ويقول الجابري عن الجلاد الحسن الثاني في نفس المقالة (الملك الحسن عاش مفعول الشرعية الوطنية وتربى في حضنها)50، هذا هو الجابري الذي كان يقول في نقد التراث الإسلامي (إن نقد العقل السياسي العربي يجب أن يبدأ من رفض مبدأ «الأمر الواقع»)51.

فهل يسوغ للجابري كل تلك المداراة للمستبد لأجل مصلحة حزبه الاشتراكي، وتحرم على أئمة السلف مداراة المستبد لأجل مصلحة الشريعة؟

ومع أن الجابري أراد إقناع الرفقاء الماركسيين بالشرعية التقدمية للتحالف مع المستبد بالاستعانة بفكرة الكتلة التاريخية الغرامشية، إلا أنه بقي هناك من يلومه على ذلك ويزايد عليه باتجاه المزيد من الثورية، حتى أنه نقل مرة في شيء من الشعور بالمرارة بعض حواراته مع رفقاء دربه الثوريين الذين خالفوه، حيث يقول الجابري في موضع آخر (وإذا شئت أن تعاملني معاملة الخصم الأيديولوجي فيمكن أن ترميني بـ «الإصلاحية» و«الواقعية»، وتصف نفسك بـ «الثوري»)52.

وهكذا كثير من المفكرين العرب الذي يزايدون على فقهاء التراث الإسلامي في واقعيتهم السياسية كانت لهم أحضان دافئة في معاطف السلطة، فالعروي -مثلاً- كان مقرباً من الجلاد الحسن الثاني، بل كتب العروي كتاباً عن الحسن الثاني في العام ٢٠٠٥م بعنوان (المغرب والحسن الثاني) يحاول فيه تخفيف حدة النقمة ضد الحسن الثاني، الحسن الثاني صاحب تزمامارت يكتب العروي عنه كتاباً يبرز مناقبه، بل روى فيه أنه أرسله الحسن الثاني إلى فرنسا ليخفف من حدة النقد الموجه للملك، ثم يأتي العروي ويزايد على الواقعية السياسية لفقهاء التراث الإسلامي، الذين لم يبلغوا أصلاً أن يكونوا رسلاً إعلاميين للجلادين.

وهذا فهمي جدعان لما سئل عن أهم المفكرين في العالم العربي، ذكر أسماء المفكرين المشهورين ثم أدخل بينهم من له به رومانسية سياسية، ولاحظ هذا السؤال الذي وُجّه لفهمي جدعان وكيف أجاب عنه، في فصلية (نزوى) الصادرة عن مؤسسة عمان للصحافة، حيث جاء في الحوار:

(-السؤال: برأيك من هم الكتاب والمفكرون المعاصرون الذين تعتقد أنهم قدموا إسهامات جليلة للثقافة العربية المعاصرة؟

  • فهمي جدعان: الحقيقة أن الفكر العربي المعاصر غني بالإسهامات الفكرية الرصينة، وعدد المفكرين الجادين الذين تميزوا بإسهامات ذات دلالة ليس قليلاً، وفي الفضاءات العربية المتنوعة أسمح لنفسي بأن أذكر من المغرب العربي: محمد عابد الجابري وكمال عبد اللطيف وعبدالله العروي…، ومن مصر السيد ياسين ومحمود أمين العالم وحسن حنفي وجابر عصفور…، ومن لبنان رضوان السيد، وناصيف نصار…، ومن عندنا في الأردن لا شك في أن الأمير الحسن بن طلال هو واحد من المفكرين العرب المرموقين الذين تجاوزت جهودهم الفضاءات العربية53.

فأنت تلاحظ أن الجابري هو منظر التقارب مع القصر، والعروي يصنف لتلميع الجلاد الحسن الثاني، ومؤرخ الأفكار فهمي جدعان يعتبر الأمير الحسن بن طلال أحد كبار المفكرين العرب المؤثرين، وكثير من الحداثيين العرب يمارس ذات الدور، ثم يأتون في كتبهم عن التراث الإسلامي ويقدحون في أئمة الزهد والعلم من السلف بأن مقصودهم السياسة وأنهم يتملقون السلطة.

٤- السياسة لخدمة الذات أم خدمة الدين؟

من أشهر مقولات التصور الإسلامي هي مسألة علاقة السياسة بالشريعة، والدولة بالدين، ومفهوم «إعداد القوة»، ومن الملاحظ أن المستشرقين وشراحهم الحداثيين العرب يتبعون المظاهر التي تؤكد حرص العالم والداعية على القوة السياسية لنشر الدعوة، وينظرون إليها باعتبارها بحثًا عن السلطة الشخصية، وهذا خلط شائع جدًا، ولا يميزون بين القوة السياسية لتحقيق سلطة شخصية، والقوة السياسية لتحقيق سلطة للشريعة وبسط هيمنتها على المجتمع.

فالبحث عن القوة والنفوذ للسلطة الشخصية ذمها الله في قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣]، وأما البحث عن القوة والنفوذ لسلطة الشريعة فهذا مطلوب شرعًا أصلاً كما قال الله في ثلاثة مواضع من القرآن في التوبة والفتح والصف ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقال الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وقال الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ففي كل هذه الآيات ونظائرها يحث القرآن المسلمين على توفير القوة والنفوذ لبسط هيمنة الخطاب الشرعي، في مقابل الذم والوعيد الشديد لمن يبحث عن النفوذ لهيمنته الشخصية.

وممن نبه على هذا الخط الباحث الأنثروبولوجي طلال أسد في دراسة له بعنوان «جينالوجيا الدين» المنشورة عام (١٩٩٣م) حيث ذكر طلال أسد أنه (بسبب أن مثل هذه السلطة منجز تساندي بين السارد والجمهور، فإن السارد لا يستطيع أن يتحدث بحرية مطلقة، فثمة شروط مفهومية ومؤسسية يجب تحقيقها إذا أريد للخطاب أن يكون مقنعاً، وهذا هو الذي يجعلنا نضع موضع الشك محاولات علماء الاجتماع لعرض هذه الخطابات باعتبارها تمثل تلاعب القيادات المحلية بالرمزيات الدينية لإضفاء الشرعية على سلطتهم الاجتماعية)54 ويؤكد طلال أسد على أن الحركات الإسلامية تهدف لاستمداد السلطة للخطاب الديني لا لشخصياتها الذاتية.

٥- التناقض التسييسي العجيب حقاً أن المستشرقين يبدون تألماً من الطعن في مقاصدهم وأغراضهم ونزاهتهم، مع أنهم لا يجدون أدنى غضاضة في الطعن والقدح ونسج القصص حول خيانة علماء الحديث في الأمة الإسلامية وأنهم اخترعوا الأحاديث لأغراض المصالح السياسية والمذهبية، ويطعنون في جمع الصحابة للقرآن وأنه سياسي، وهكذا.

لنتأمل مثلاً ما يقوله جابرييلي في الرد على نقد أنور عبد الملك، حيث يقول (مادام أن الشرق لم ينجح في كسر عقدة الظنون والاشتباه والضغينة تجاه الاستشراق، فلا يحق له أن يتحدث عن أن الاستشراق في أزمة)55.

لو غيرك قالها يا غابرييلي! أنسيت طعونك وطعون قومك في علماء الإسلام: تارة بأنهم سرقوا علوم اليونان والهند وفارس وأهل الكتاب، وتارة بأن علماء الإسلام اختلقوا الحديث والفقه والتفسير لخدمة مصالحهم السياسية والمذهبية! والآن تغضب حين طعن أنور عبد الملك في أغراضكم وأنها تهدف لخدمة الهيمنة الغربية؟!

٦- توظيف أعداء الرسل لتقنية التسييس اتهام العلماء الموضوعيين والمصلحين الصادقين بالأغراض السياسية وصفقات السلطة بهدف التخلص من عبء المناقشة والحجة والدليل؛ ليس أسلوباً حديثاً كما يتصور بعض الحداثيين العرب، وقد كنا رأينا د. عبد المجيد الصغير كيف يتوهم أن التسييس إنما كشفه أمثال جيب وشاخت وروزنتال وبرانشفيك!

والواقع أن الاتهام بالأغراض السياسية أسلوب قديم نشأ في الثقافات المتخلفة السحيقة التي واجهها الأنبياء بأنوار الوحي، ومن ذلك مثلاً أن نوحاً عليه السلام لما جاء بدعوته إلى أشراف قومه طعنوا في دعوته بأنه يريد السلطة والهيمنة واستتباع الناس له كما قال الله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣﴾ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَنفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٣-٢٤]. قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله عن هذه الآية (يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع)56.

وهكذا نبي الله موسى عليه السلام لما جاء إلى المملكة الفرعونية بدعوته طعنوا في غرضه بأنه يريد الهيمنة والسلطة والكبرياء في الأرض، كما قال الله ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]. وقد ذكر حاوية علم ابن عباس وهو الإمام مجاهد رحمه الله أن معنى الكبرياء في هذه الآية هو إرادة السلطة، كما يقول مجاهد (أي السلطان في الأرض)57، وقال الرازي ملخصاً أقوال المفسرين عن حجة فرعون وحاشيته هذه (قال المفسرون: المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر؟! والخطاب لموسى وهارون)58، ففرعون وحاشيته يتهمون دعوة موسى بأنها ليست دعوة علمية موضوعية بل هي مشروع سياسي للهيمنة، فيا ضيعة أعمار الحداثيين العرب إذ يرددون حجج فرعون وقوم نوح يظنونها إبداعات شاخت وبرانشفيك!

وقريب من هذا أن الله تعالى لما وعد أهل الحديبية غنائم خيبر جاء المخلفون يريدون المساهمة ليشاركوا في عوائد الغنيمة، فأخبرهم النبي وأصحابه أن الله منع هذا عليهم، فماذا فعل المخلفون؟ طعنوا في غرض الصحابة ومقصدهم، وذكروا أن هذا المنع ليس منعاً موضوعياً، بل هو لدوافع مادية للانفراد بالغنيمة وإقصائهم منها، كما قال الله ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُسَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا ۚ كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: ١٥]، قال المفسرون عن فحوى حجة المخلفين هنا (أي: بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلا الحسد لئلا تشارككم في الغنيمة، وليس ذلك بقول الله كما تزعمون)59، فانظر كيف ينكر المخلفون المعنى الشرعي ويرون أن الدافع لدى الصحابة هو دافع مادي وهو الاستئثار بالغنيمة!

والمراد أن الطعن في أغراض الأنبياء والعلماء والمصلحين بالدوافع السياسية المادية هو أسلوب قديم ذكره القرآن، وإنما جاء المستشرقون وأكثروا من الطرق عليه في تفسير التراث الإسلامي، وجاء الحداثيون العرب واستعاروا ذلك منهم.

Footnotes

  1. هذا الفصل كما ترى لمناقشة تسييس التراث الإسلامي، أما تسييس الواقع الإسلامي المعاصر، فقد كنت كتبت عنه ورقة مستقلة بعنوان (التغريض السياسي) منشورة على شبكة الإنترنت. ↩

  2. جولدزيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة عبدالحميد النجار، دار إقرأ، الطبعة ↩

  3. نولدكة، تاريخ القرآن، ترجمة جورج تامر وزملائه، مؤسسة كونراد-أدنأور، الطبعة الأولى، ٢٠٠٤م، (ص ٢٥١). ↩

  4. جولدزيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة عبد الحليم النجار، دار إقرأ، الطبعة الثانية، ١٩٨٣م، (ص ٢٢٠). ↩

  5. بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة منير البعلبكي وزميله، دار العلم للملايين، الطبعة ١٦، ٢٠٠٥م، (ص ٢٠٤). ↩

  6. المصدر السابق، (ص ٣٨). ↩

  7. المصدر السابق، (ص 205). ↩

  8. جولدزيهر، دراسات محمدية، ترجمة الصديق بشير نصر، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق، (ص ٦٠). ↩

  9. المصدر السابق، (ص ٣٤٧). ↩

  10. Schacht, The Origins of Muhammadan Jurisprudence, Oxford, 1967, p. 140. ↩

  11. يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، ترجمة عمر العالم، دار المدار، الطبعة الثانية، ٢٠٠١م، (ص ٣٠٦). ↩

  12. أحمد أمين، ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي، الطبعة العاشرة، (ص ٢٤-٢٥). ↩

  13. المصدر السابق، (ص ٣٢). ↩

  14. المصدر السابق، (ص ٣٤). ↩

  15. الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، ١٩٩٣م، (ص ٢٢٩). ↩

  16. عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، دار المنتخب العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، (ص ٧٩). ↩

  17. الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، 1993م، (ص37). ↩

  18. الجابري، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، 1996م، (ص135). ↩

  19. عبد المجيد الشرفي، لبنات: في المنهج وتطبيقه، دار المدار الإسلامي، (ص ٤٩). ↩

  20. عبد المجيد الشرفي، الإسلام والحداثة، دار الجنوب للنشر، الطبعة الثالثة، ١٩٩٨م، (ص ١٠٥). ↩

  21. عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، الطبعة الأولى، ٢٠٠١م، (ص ١٤٧). ↩

  22. عبد المجيد الشرفي، لبنات: في المنهج وتطبيقه، دار المدار الإسلامي، (ص ٨٨). ↩

  23. فهمي جدعان، المحنة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1989م، (ص 272). ↩

  24. المصدر السابق، (ص 281). ↩

  25. الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، (ص٦). ↩

  26. المصدر السابق، (ص٣٤٦). ↩

  27. الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، (ص ٣٠١). ↩

  28. حمادي ذويب، جدل الأصول والواقع، دار المدار الإسلامي، الطبعة الأولى، 2009م، (ص124). ↩

  29. المصدر السابق، (ص181). ↩

  30. المصدر السابق، (ص646). ↩

  31. المصدر السابق، (ص ١٣٦). ↩

  32. مقدمة المحققين في الدراسة التي قدمها بها لكتاب: أبي رشيد النيسابوري، المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين، تحقيق رضوان السيد ومعن زيادة، معهد الإنماء العربي، الطبعة الأولى، ١٩٧٩م، (ص ٩). ↩

  33. حمادي ذويب، جدل الأصول والواقع، مصدر سابق، (ص ٢٣٥). ↩

  34. انظر تعليق أيمن فؤاد في: ابن النديم، الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان، ١٤٣٠هـ، (ص ٥٧٥). ↩

  35. ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق عمر العمروي، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ، (ص ٥٥/٣٠٦). ↩

  36. السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ، (ص ١٥). ↩

  37. ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق كولان وبروفنسال، دار الثقافة، الطبعة الثانية، ١٩٨٠م، (ص ٨٠). ↩

  38. الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق بشار معروف، دار الغرب، (ص ٧/١٣١). ↩

  39. الحميدي، جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس، تحقيق بشار عواد وزميله، دار الغرب، (ص ٥٦٧) مع ملاحظة أن الحميدي يروي مباشرة عن ابن حزم. ↩

  40. انظر تفصيل ذلك في: الحميدي، جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس، تحقيق بشار عواد وزميله، دار الغرب، (ص ٤٩). ↩

  41. ابن حزم، طوق الحمامة، منشور ضمن رسائل ابن حزم، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، ١٩٨٧م، (ص ٢٦١/١). ↩

  42. عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد العريان، لجنة إحياء التراث، (ص ٧٢). ↩

  43. الحميدي، جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس، تحقيق بشار عواد وزميله، دار الغرب، (ص ٤٤٩). ↩

  44. نقل هذا الفصل الثمين لابن حيان: ابن بسام الشنتريني، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب، الطبعة الأولى، ٢٠٠٠م، (ص ١٣٨/١). ↩

  45. انظر مثلاً: ابن حزم، المحلى، تحقيق عبد الغفار البنداري، دار الفكر، (ص ١٧٨/٢)، (٢٩٤/٣). ↩

  46. ابن حزم، المحلى، مصدر سابق، (ص ٢٢١/١). ↩

  47. نصر أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م، (ص ٥٨). ↩

  48. أعيد نشر المقال في كتاب لاحق، انظره في: الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٤م، (ص٧٥). ↩

  49. الجابري، مقالة بعنوان: «المعارضة ضرورية للملك. والملك ضروريًا للمعارضة»، ضمن سلسلة مقالات: (الانتقال إلى الديمقراطية: المغرب نموذجًا). ↩

  50. المصدر السابق. ↩

  51. الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، ٢٠٠٤م، (ص٣٦٢). ↩

  52. الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مصدر سابق، (ص ٦٦). ↩

  53. حوار مع د. فهمي جدعان، مجلة نزوى الثقافية، العدد (٥٢)، أكتوبر ٢٠٠٧م. ↩

  54. Asad T., Genealogies of Religion: Discipline and Reasons of Power in Christianity and Islam, JHU Press, 1993, P, 210. ↩

  55. منشور في: الاستشراق بين دعائه ومعارضيه، (ص 28). ↩

  56. الطبري، مصدر سابق، (ص ١٧/٣٤). ↩

  57. الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، إشراف د. عبد الله التركي، دار هجر، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ، (ص ١٢/٢٤٠). ↩

  58. الرازي، مفاتيح الغيب، تفسير سورة يونس، آية (٧٨). ↩

  59. الشوكاني، فتح القدير، مكتبة الرشد، الطبعة الرابعة، ١٤٢٦هـ، (ص ١١٩/٤). ↩

شروحات وبرامج عن «التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات»

شروحات أخرى للكتاب2

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ