التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات
توطئة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
الحمد لله وبعد، على لهيب الأعوام الماضية التي لقبت بـ «الحرب العالمية على الإرهاب» قذفت وسائط الإعلام المختلفة في بيتنا الثقافي الخليجي لغة جديدة في قراءة وتفسير «التراث الإسلامي» استمدت شرعيتها السياسية من طرح ذاتها كطوق نجاة بين ألسنة الحريق، وسرعان ما تبين للمراقب الذاهل أن تلك الأفكار الجديدة على مناخنا الفقهي إنما تستمد مساءً من المكتبة الحداثية العربية وتنشر صباحاً في الصحافة المحلية، وتستمد بكيفية خاصة مما تواضع الحداثيون العرب على تسميته «مشروعات إعادة قراءة التراث»، والمائدة التي تتناولها هذه الأطاريح غالباً هو «تاريخ» التراث الإسلامي، ثم تلا ذلك فوراً الحضور المكثف لأسماء حداثية مثل محمد عابد الجابري ومحمد أركون وحسن حنفي وفهمي جدعان ونحوهم، وصاحبه ارتفاع الطلب على مؤلفات الحداثيين في «إعادة قراءة التراث»، ومقارنة هذه المشاريع، ونشر المراجعات التفخيمية حولها، وقضاء السهرات الفكرية في مناقشتها.
لكن اللافت حقاً أن كثيراً من الشباب المثقف ذي النزعة الإسلامية الذين جذبتهم برامج الحداثيين العرب في قراءة التراث لم يواصلوا ذات هذا المسار، بل ركبوا هذه العربة وقفزوا لمحطة أخرى، كان المتوقع طبعاً أن تنتهي بهم هذه الكتب إلى المشاركة في إعادة صياغة العلوم الإسلامية بالمناهج الإنسانية الحديثة، لكن الذي حدث كان خلاف ذلك، فعامة هؤلاء القراء انعطفوا إلى محطة أخرى، وهي القراءة والاهتمام بـ (الموروث الفلسفي الغربي) مثل رموز القرن السادس عشر (مارتين لوثر)، أو رموز القرن السابع عشر (فرانسيس بيكون، ديكارت، توماس هوبز)، أو رموز القرن الثامن عشر (جون لوك، هيوم، روسو، كانط) أو رموز القرن التاسع عشر (بنتام، هيغل، شوبنهاور، كيركيجارد، سبنسر، نيتشه) ونحو هؤلاء.
وسبب ذلك أن كتب الحداثيين العرب في قراءة التراث تضخ تفخيماً هائلاً لمنزلة «الفلسفة»، بينما كتب تاريخ الفلسفة المتاحة باللغة العربية آنذاك كلها إنما تعرض «الموروث» الفلسفي الغربي، وليس فيها كتاب واحد يعرض «الراهن» الفلسفي الحالي، فأصبحت البرامج الحداثية في قراءة التراث في جوهر دورها مركبة نقل القارئ المحافظ من القراءة في «الموروث» الإسلامي إلى القراءة في «الموروث» الفلسفي الغربي، وهذه نتيجة غريبة حقاً خلاف قصد الحداثيين التأويليين أساساً.
وبسبب بزوغ هذا الميل الجديد للفلسفة المحضة بدلاً من توظيف الأدوات الفلسفية في تأويل التراث بدأ يصعد بين هذه الشرائح رموز عربية تشبع هذا المزاج، وهو التوجه للفلسفة الغربية المحضة في سياقها الغربي ذاته، لا الفلسفة المترجمة، مثل فتحي المسكيني (و١٩٦١م) وأضرابه، ولكن يزاحمه في ذات ميدانه خط آخر هو خط «الفلسفة المتصوفة» التي يقودها د. طه عبد الرحمن (و١٩٤٤م)، وله مشايعون معجبون بتكوينه الفلسفي ما بعد الحداثي، وفتحي المسكيني صريح في أنه يدعو للفلسفة المعلمنة، ويرفض أن تكون الفلسفة «مقيدة بالوحي»، ويرى أن هذا يجعلها علم كلام لا فلسفة، كما يقول المسكيني (إن كل تأسيس لإمكانية التفكير التي بحوزتنا اليوم، على ما تسمى ثوابت الملة، لا يعدو أن يكون نمطاً معاصراً من علم الكلام، وليس فلسفة)1.
وبسبب هذا التناقض فإن بين الخطين تنافٍ واضح، ولذلك جعل المسكيني طه عبد الرحمن مجرد متكلم، لا فيلسوف، كما يقول المسكيني في سياق تقزيم كتابات طه عبد الرحمن (أما عن أبرز مثال يضرب اليوم فهي كتابات طه عبد الرحمن، التي هي حقاً مدعاة إلى حيرة فلسفية، نصوغها في هذا التساؤل: كيف نبني فقه الفلسفة؟ وهو لا يعني بذلك سوى علم الكلام المعاصر الذي دشنه الأفغاني وعبده2).
ولذلك سبك المسكيني في ذات كتابه هذا ألقاباً يعير طه عبد الرحمن بها مثل «المتكلمون الجدد» و«الغزالية الجديدة».
والحقيقة أن رصد المسكيني مفهومة دوافعه، لكنه غير دقيق، فأما دافعه فالمسكيني طوال نقده يدور حول زفرة واحدة: أن توظيف طه عبد الرحمن للفلسفة المابعد حداثية في تدعيم التصورات الدينية يحطم مبرر وجود الفلسفة المعلمنة التي يدعو لها المسكيني، فالمسكيني طوال نقده الممتعض يشعر بمستندات وجوده تسحب منه، حتى أنه أبدى انزعاجاً من البيبليوجرافيا التي يعرضها طه عن مراجعه الفلسفية!
وأما عن كون رصد المسكيني غير دقيق، فإن مشروع طه عبد الرحمن ليس في جوهره مشروع علم كلام يسعى لبرهنة العقائد الإيمانية بالحجاج العقلية، ولكن جوهر رسالة طه عبد الرحمن التي تدور حولها كتبه (تقديم سند فلسفي حديث للتصوف) ففي كتابه «العمل الديني وتجديد العقل» أسس طه للتراتب الفكري فجعل أعلى المراتب هو النموذج الصوفي (العقل المؤيد)، ودونه في المنزلة النموذج الفقهي السلفي (العقل المسدد)، وأخذ يؤنب فقهاء السلفية لمواجهتهم الحركات الطرقية الصوفية في المغرب، وأما أحط المنازل عنده فهو النموذج العقلاني (العقل المجرد).
وقد استمر طه عبد الرحمن يستحضر هذا التراتب في الحقل الفكري في عامة كتبه، ويستعمل في تدعيمه وتعزيزه أحدث الأدوات الغربية في حقلين (فلسفة اللغة) و(المنطق الحديث)، لكنه أخيراً تقدم خطوة جديدة لم يسبق له أن خطاها فيما رأيت، حيث طرح تنظيراً لـ(التصوف السياسي) في كتابه «روح الدين»، وقد لاحظت بعض التوفيقيين الذين اعتادوا الوقوف في المنتصف على طريق العلاقة المتوترة بين ما يسمونه حركات الإسلام السياسي والدولة العربية المعاصرة، وطال العهد بهم وأدركهم الإعياء وشعروا بضعف إمكانيات هذه الحركات الإسلامية، فبدؤوا ينوهون بأطروحة طه عبد الرحمن في «التصوف السياسي» لجذب قواعد الحركات الإسلامية باتجاه نموذج ديني يبعدهم عن المزاحمة السياسية التي تخلق التوترات مع الدولة العربية الحديثة والنخب العلمانية.
والمراد أن الذي شاهدته في هذه المرحلة أن هناك تدافعاً في الوسط الثقافي المحلي بين خط الفلسفة الطاهوية المتصوفة وخط الفلسفة الفرانكفونية المعلمنة، والمعنى بهذا الرصد طبعاً الشريحة المحلية التي واصلت الاهتمام الثقافي، وليست الشريحة التي انتقلت إلى الاحتجاج السياسي والتكتلات الحقوقية بالتعريف الليبرالي وباستثمار شبكات التواصل الاجتماعي.
ولكن، ومع كل ذلك، تظل برامج «التأويل الحداثي للتراث»، منبعاً شديد الفاعلية في تغذية التشكيلات الفكرية في الخليج، سواء الشريحة الثقافية المعنية بالفلسفة، أم الشريحة الحقوقية المعنية بالاحتجاج السياسي، وقد كان بين أكوام هذه البرامج الحداثية في تأويل التراث «خيط رفيع» لم يتم التقاطه وتسليط الضوء عليه بشكل كافٍ، ربما يقودنا إليه هذا السؤال: من أين جاء الحداثيون العرب بهذه المادة التراثية الخام أثناء قراءتهم وتأويلهم للتراث الإسلامي؟
فنحن نعرف أن رموز هذه القراءة الحداثية للتراث ليس فيهم شخص واحد متخصص في قراءة وتحقيق النصوص التراثية أو الانكباب على دراستها منهجيًا، كما أننا نعلم أن الحداثيين المتخصصين بجدية في دراسة نصوص التراث، كإحسان عباس مثلًا؛ غير معنيين أصلًا بطرح منظورات تأويلية لتفسير التراث.
والحقيقة أنني بعد دراسة مشروعات «التأويل الحداثي للتراث» اتضح لي أنها استمدت مادتها وتحليلاتها الأساسية من أعمال المستشرقين، وخصوصًا الأعمال الاستشراقية المصوغة بالمناهج الفيلولوجية التي تدرس تكوينات الثقافة عبر تحقيق وتحليل النصوص والمخطوطات المبكرة.
وفي كتب الحداثيين العرب ومصادرهم الاستشراقية تفاصيل كثيرة في وسائل التفسير وصيغ القراءة وأنماط الاستنتاجات، إلا أنه اتضح لي أيضًا أن نقطة نهاية الطريق في عامة هذه التفسيرات تصل بالقارئ إلى نهايتين: إما رد علوم التراث الإسلامي إلى كونها اقتراض من ثقافات سابقة كتابية أو هللينية أو فارسية أو غيرها، دون برهنة ملموسة على ذلك، أي اعتبارها وافدة، وهو ما يمكن تسميته «تقنية التوفيد»، وإما رد علوم التراث الإسلامي إلى أنها حصيلة صراع سياسي وليست حصيلة نظر موضوعي حسب مقتضيات الدلائل العلمية، دون برهنة ملموسة على ذلك، وهو ما يمكن تسميته «تقنية التسييس». فهاتان التقنيتان التفسيريتان، أي توفيد الأصيل وتسييس الموضوعي؛ لاحظت أن عامة الاستشراق الفيلولوجي يؤول إليها، وعامة من أخذ عنهم من الحداثيين العرب إنما يعيد إنتاجهما.
والحقيقة أنني بقيت زمنًا منجذبًا لهذه العلاقة بين التأويل الحداثي للتراث والاستشراق الفيلولوجي، وكنت أتابعها وأندهش من متانتها، ولا أمسك بخيط من خيوط هذه العلاقة إلا ويتدلى عليّ خيط آخر، فعزمت على إظهار هذه النتيجة في صيغة مبرهنة ومفصلة، فاستكشاف وتحليل هذه العلاقة غير المبرزة بين (التأويل الحداثي للتراث) و(الاستشراق الفيلولوجي) هو سؤال البحث في هذه الدراسة التي بين يديك، حيث سأحاول تسليط الضوء على خطوط التواصل والاستمداد بين هذين التأويلين، وخصوصًا في تقنيتيهما التفسيريتين المفضلتين، وهما توفيد الأصيل وتسييس الموضوعي.
وسأعرض في الباب الأول مجملات الأطر النظرية والتاريخية التي شكلت هذين التأويلين، وهما التأويل الحداثي، وأستاذه التأويل الاستشراقي، ثم في البابين اللاحقين سأضع على طاولة القارئ نماذج للتحليلات الاستشراقية في (التوفيد والتسييس)، ثم أتبعها بنماذج أخرى للحداثيين العرب وهم يقتبسونها ويعيدون إنتاجها، وهذه الشواهد للتحليلات الاستشراقية والحداثية بطبيعة الحال تثير في باطنها إشكاليات موضوعية كثيرة تحتاج لمناقشة، بينما هدفنا الأساس في هذه الدراسة هو رصد الاستمداد وعلاقات الاتصال وليس مناقشة الأطروحات من الداخل، ولذلك أتبعت كل فصل بمناقشات قصيرة، ثم اخترت طريقة «دراسة العينة والحالة» حيث أخذت نموذجاً واحداً، وهو ما كتبه بعض الحداثيين العرب عن «محنة الإمام أحمد»، وحاولت مناقشتها تفصيلاً، بتتبع تفسيرها منذ أن بدأت لدى المستشرقين، ثم كيف تم تهريبها للداخل الفكري العربي؟ ثم كيف تشربها المثقف المحلي؟ وختمت ذلك بالمناقشة التفصيلية لهذه الأطروحة.
وأحب أن أشير هاهنا إلى أنني استعمل مصطلح «الحداثيين» بمعناه العام، وهم: المستلهمون لأفق الحداثة الغربية في «رؤية العالم»، والحداثة الغربية اتجاه عام ظهر في القرن التاسع عشر والعشرين كما هو معروف، وربما سيتعجب القارئ العربي لو علم أن مصطلح الحداثة في سياقنا المحلي مقصور في الأذهان على تيار في النقد الأدبي يعتقد الشعر الحر ويجاهد العمودية ويلتحف الغموض، وسبب هذا الارتباط هو تلك الصراعات التي جرت على خلفية طروحات هذا التيار النقدي الأدبي في التسعينات في الملاحق الأدبية في الصحافة المحلية، والمراد هاهنا أننا نستعمل مصطلح الحداثة بمعناه الفكري العام، لا بمعناه النقدي الأدبي.
وليس يفوتني في هذا المقام رفع اليدين بالدعاء لبعض إخواني في الله حيث اشتدت حاجتي لبعض الكتب والأبحاث من خارج المملكة والمتصلة بموضوع الدراسة وتعذر علي الوصول إليها، فتجشموا العناء ووفروها لي من دول مختلفة.
المؤلف .. iosakran@gmail.com