تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

سلطة الثقافة الغالبة

المقدمة

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 7-23 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 17 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابسلطة الثقافة الغالبة
  • ١ - الحمد لله، وبعد ..

في أواسط القرن الخامس الهجري، وحين كان شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي (ت ٤٨١هـ) يتأمل كيف انبهر بعض المنتسبين للعلم الشرعي بالثقافة الفلسفية اليونانية، فحاولوا تطويع النصوص الشرعية لها، عبر هذا الإمام باستعارة بلاغية بديعة، إذ يقول الهروي رحمه الله في تأمله: (ينظر الناظر الفهم في جذرها؛ فيرى مخ الفلسفة يكسى لحاء السنة)1.

وبعد الهروي جاء أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٠هـ)، وألقى ملاحظة مشابهة، وهي أن الانبهار بالثقافة الفلسفية التي يهولها أصحابها قاد عدداً من المنتسبين للعلم في زمانه لاعتقاد ذات الأفكار الفلسفية ليشاركوهم جاه فخامتها! كما يقول أبو حامد رحمه الله: (فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، وإطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم، وأنهم مع رزانة عقلهم منكرون للشرائع، فلما قرع ذلك سمعهم، تجملوا باعتقاد الكفر2.

فهذا التصوير النفسي الذي ذكره أبو حامد وهو قوله: (فتجملوا باعتقاد الكفر)! هو في حد ذاته أطروحة كاملة تستحق جمع الشواهد والنماذج على أساسها، فكم رأينا في عصرنا من يردد شعارات الثقافة الغربية الغالبة لا عن فهم مستوعب لها، ولكن تجملاً باعتقادها لما في نفسه من تهويلها.

وفي القرن السابع / الثامن الهجري قدم الإمام ابن تيمية ملاحظات كثيرة حول ظاهرة الانبهار بالثقافة الفلسفية اليونانية، وتأويل نصوص العقيدة لتوافقها، نتيجة أنه قابل فعلياً أمثال هذه الشخصيات وتعجب من انبهارهم كقوله مثلاً: (لما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد)3.

ومن أكثر ما ركز عليه ابن تيمية آلية شحن الألفاظ القرآنية بالمحتوى الثقافي الأجنبي لتمريره في الداخل الإسلامي، فالتمييز بين الوعاء اللفظي والمحتوى الفكري قضية استحوذت على اهتمام كبير لدى ابن تيمية، كقوله مثلاً: (يعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات الفلسفية واليونانية)4.

وقال في موضع آخر: (ولا ريب أن القوم أخذوا العبارات الإسلامية القرآنية والسنية، فجعلوا يضعون لها معاني توافق معتقدهم)5

ويرى ابن تيمية أن هذا لم يكن تصرفاً بريئاً؛ بل كان استراتيجية مخالفة ومراوغة، كما يقول: (ولكن يموهون بالتعبير على المعاني الفلسفية بالعبارات الإسلامية)6.

ويشير ابن تيمية في ثنايا دراسته إلى أن هذا الأسلوب غير النزيه تسبب في تصدعات عقدية في الداخل المسلم، كما يقول: (فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلامية ويودعونها معاني هؤلاء، وتلك العبارات مقبولة عند المسلمين، فإذا سمعوها قبلوها، ثم إذا عرفوا المعاني التي قصدها هؤلاء ضل بها من لم يعرف حقيقة دين الإسلام)7

وفي القرن الثامن/التاسع صعد ابن خلدون بمثل هذه الملاحظات حول تغالب الثقافات، من مستوى التصرفات والمواقف الفردية، إلى مستوى الروح المجتمعية العامة، فوصل بهذا التنظير مستواه التركيبي الأبعد، وعقد لذلك فصلاً خاصاً كرسه لتحليل هذه الظاهرة قال فيه: (الفصل الثالث والعشرون: في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك: أن النفس أبدأ تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك، واتصل لها اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به… حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها؛ فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير8.

والحقيقة أن هذا الفصل في مقدمة ابن خلدون هو نص تنظيري مكتمل لا أعرف له في التراث الإسلامي نداً في تحليل ظاهرة «سلطة الثقافة الغالبة».

وفي العصور الحديثة، وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي قبل مائتي سنة تقريباً، استيقظ المسلمون على (فارق الإمكانيات) بين أوروبا والمجتمعات المسلمة، فظهرت حركات تبحث عن النهضة، منذ رفاعة الطهطاوي (ت ١٨٧٣م)، وجمال الدين الأفغاني (ت ١٨٩٧م)، ثم من بعدهم، لكن هذه الحركات سلكت الطريق الخطأ للأسف! فبدلاً من أن تحيي معاني العزة والتحدي والثقة بالنفس الجمعية، وبهذا تنهض الأمم، نشرت ما تعيشه هي في ذاتها من شعور داخلي عميق بالهزيمة النفسية لثقافة الغرب الغالب؛ فعادت وكررت نفس السلوك التاريخي السابق، وهو: تأويل المعطيات الشرعية لتوافق الثقافة الغالبة، وخصوصاً عبر آلية حقن اللفظ التراثي بالمضمون الغربي تمهيداً لتبيئته.

وفي مفتتح الستينات الميلادية نشر المؤرخ النصراني ألبرت حوراني كتابه الهام عن تاريخ هذه الحقبة، والذي ترجم للعربية بعنوان «الفكر العربي في عصر النهضة»، وقدم ملاحظات غزيرة حول نمط فهم هؤلاء الرموز لطريق النهضة ومآلات هذا الفهم، حيث يقول عن حركة الإصلاح التي كان رأسها محمد عبده (ت ١٩٠٥م): (كانت هذه الحركة «إصلاحية» لأنها استهدفت إحياء ما كانت تعتبره العناصر المهملة في التراث الإسلامي، غير أن عملية هذا الإحياء قد تمت تحت تأثير الفكر الليبرالي الأوروبي، فأدت تدريجياً إلى تفسير جديد للمفاهيم الإسلامية بغية جعلها معادلة للمبادئ الموجهة للفكر الأوروبي في ذلك الحين. «عمران» ابن خلدون تحول تدريجياً إلى «تمدن» غيزو، و«مصلحة» الفقهاء المالكيين وابن تيمية تحول إلى «منفعة» جون ستيوارت مل، و«إجماع» الفقه الإسلامي إلى «الرأي العام» في النظرية الديمقراطية، و«أهل الحل والعقد» إلى «أعضاء المجالس البرلمانية»، وكانت نتيجة ذلك، لدى ما سميناه بالجناح العلماني لمدرسة محمد عبده، الفصل الواقعي الحاسم بين دائرة الحياة المدنية ودائرة الدين، ثم فتح باب جديد أمام القومية العلمانية)9.

وقبل أن نتجاوز هذا النص دعنا نسجل الآن أن المؤرخ ألبرت حوراني (١٩٦٢م) لاحظ في الحركات النهضوية المبكرة أمرين: - أنها حاولت تطويع المعطيات الشرعية للثقافة الغربية الغالبة.

  • وأن الآلية التي استخدمتها هي: ضخ المفاهيم الغربية في مصطلحات تراثية.

وقد كان كثير من المصلحين في تلك الحقبة التاريخية يعتقدون أنهم بتطويع الشريعة للثقافة الغربية الغالبة يحمون الشباب المسلم من الإلحاد ويخففون في نفوسهم من مرارة الفارق الحضاري، ولكن المفارقة أنه حدث العكس! كما رصد ذلك ألبرت حوراني نفسه، حيث يقول: (لقد نوى -أي محمد عبده- إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبني جسراً تعبر العلمانية عليه، لتحتل المواقع واحداً بعد الآخر)10.

وفي نفس هذه الحقبة كان محمد محمد حسين قد نشر دراسته التفصيلية الموسعة عن «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر»، وكانت حدود البحث هي المحيط المصري فقط، لكنه أثناء دراسته وبحثه لاحظ أن أنماط التعامل مع مسالك النهضة هي ذاتها في العالم العربي كله، وكان يأمل أن يوسع دراسته ليقدم نصوصاً إضافية تبرهن ذلك، وقد قال في تلخيص هذه المناهج في معالجة هذه المسألة ما يلي: (وكل الأقطار العربية قد شغل بالبحث والمناقشة حول أمثل الطرق والأساليب للنهوض واستعادة القوة والتخلص من أسباب الضعف وآثاره، ولم يكد الخلاف فيها جميعاً يخرج عن اتجاهات ثلاثة: اتجاه يدعو إلى العودة لينابيع الإسلام الأول، واتجاه آخر يدعو لاحتذاء الغرب وتتبع خطاه، واتجاه ثالث يدعو إلى إسلامية متطورة يفسر فيها الإسلام تفسيراً يطابق الحضارة الغربية، ويبرر أنماطها وتقاليدها11

سجل محمد محمد حسين هذه الملاحظة السابقة عام (١٩٦٢م) نتيجة دراسة الآداب في العالم العربي، وهي خلاصة قيمة في تزويدنا بهيكل عام لفهم تاريخ النهضة الوسطى.

وقد استمر الراصدون للفكر العربي يلاحظون هذه التيارات المنكسرة لسلطة الثقافة الغربية الغالبة، وكثر بعد ذلك الإشارة لهذه الظاهرة، ويمكن لنا أن ننتقي نموذجاً متأخراً في السبعينيات الميلادية، وهو القانوني الدستوري الدكتور فتحي عبد الكريم حيث يقول: (دفعهم حماسهم للإسلام إلى أن يثبتوا فيه، بغير دراسة معقدة، كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضر؛ متوهمين أن في ذلك خدمة جليلة للإسلام، فكأن الإسلام في أعينهم طفلٌ يتيم ذليل لا يعيش إلا إذا جعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ، أو هم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين؛ إلا إذا أخرجوا للناس مبادئاً من دينهم مثل مبادئ النظم الاجتماعية السائدة في عصرهم، فإذا راجت الديمقراطية كان الإسلام ديمقراطياً، وإذا راجت الاشتراكية كان الإسلام اشتراكياً، وإذا راجت نظرية سيادة الأمة كانت هذه النظرية من نظريات الإسلام!)12

حسنًا؛ لا يمكننا عرض المزيد من الشواهد على ظاهرة الخنوع لهيمنة الثقافة الغالبة، وتطويع الأحكام الشرعية لها، فالعينات السابقة تقدم صورة كافية فيما يبدو، ولكن دعنا ننتقل للسؤال الذي يلي ذلك: لماذا لم تنجح ظاهرة تطويع الشريعة للثقافة الغربية الغالبة في تحقيق النهضة وحماية الشباب المسلم من الإلحاد؟

ثمة إجابات بديعة على هذا السؤال قدمها المفكرون الإسلاميون في هذا العصر، فمن ذلك ما كان يكرره مالك بن نبي (ت ١٩٧٢م) عن أن الشعور بمركب النقص لا يبعث نهضة، كما يقول في كتابه «دور المسلم»: «لماذا استطاع ذلك أولئك الأعراب الفقراء في عهد محمد ﷺ؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها؟ فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطباتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: لقد أتينا لننقذكم، إنهم لم يشعروا بـ«مركب النقص»، لماذا لم يشعروا بـ«مركب النقص»؟ لأن الإمكانيات الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم»13.

ولذلك فإن الدعاة التاريخيين في هذا العصر الذين كان لهم آثار شعبية هائلة هم أولئك الذين سلكوا الطريق المعاكس لطريق تطويع التراث لثقافة الغرب الغالب، وفضلوا أعباء الصعود لقمة الشموخ الديني على كسل الهبوط لوادي التسويغات، ويمكننا أن نأخذ نموذجاً لهؤلاء الرواد ذوي الأثر المتجاوز للحدود وهو أبو الأعلى المودودي، وقد لخص الندوي جوهر الدور الذي حمله المودودي على عاتقه بأنه «حارب مركب النقص»، ووصف المهمة التي اضطلع بها بقوله: (استرعى الأستاذ أبو الأعلى المودودي في منتصف هذا القرن انتباه «الطبقة المثقفة» من المسلمين بمقالاته القيمة التي كان يكتبها في مجلته الغراء «ترجمان القرآن»، في نقد الحضارة الغربية، ونظام الحياة الغربي، تلك المقالات التي تتميز بأسلوبها الهجومي…، وسيكون من الإجحاف إذا لم نوفه حقه من الاعتراف بما لعبته مقالاته هذه، والتي ظهرت فيما بعد في صورة كتب ورسائل، ومؤلفاته المستقلة؛ من دور رائع في إعادة الثقة إلى الطبقة الذكية المثقفة بالثقافة الغربية، بالإسلام وقيمه وتصوراته، وفي تخليصها من «مركب النقص»، ونفسية «الهزيمة الداخلية»، حيال الإسلام وتعاليمه)14.

وقد كرر الندوي في مواضع أخرى بين ثنايا محاضراته هذا التوصيف لنمط الريادة التي قام بها المودودي رحمه الله15.

فملاحظة تفسير مالك بن نبي لنجاح الصحابة في نهضتهم بأنهم تخلصوا من «مركب النقص» أمام الحضارة الفارسية والرومية المعاصرة لهم، بالإضافة لرصد الندوي لسر نجاح المودودي في التأثير الواسع وهو أنه خلص الشباب المسلم المثقف من «مركب النقص»؛ يؤكد ويزكي رصد المؤرخ النصراني ألبرت حوراني إذ لاحظ أن حركة النهضة التي سلكت الطريق المعاكس وهو تطويع الشريعة لثقافة الغرب، أخفقت في صناعة التأثير الإسلامي الواسع، وتحولت إلى جسر تعبر فوقه العلمانية طبقاً لاستعارته التي سبق نقل نصها.

-٢- اللاعبون الكبار على رقعة السياسة اليوم يدركون أنه لا يمكن ضمان مصالحهم الاستراتيجية ونفوذهم الدولي إلا بتدجين كل الخطابات الدينية الحيوية الكبرى، وحقنها بفيروس الخنوع للغالب، وإماتة لياقة الممانعة فيها، لتنسجم في النهاية مع متطلبات الهيمنة الغربية، ولذلك تنفق الامبرياليات الغربية المعاصرة بسخاء لا محدود على مراكز البحوث والدراسات وتقارير الرصد الدقيق والمستمر لكل بؤر التوتر بشكل عام، والحراك الديني الإسلامي بشكل خاص.

ومن أطرف الدراسات التي تطرحها مراكز الاستشراف الأمريكية تلك الأوراق التي تستعرض الخطابات الدينية الإسلامية وتوازن بينها لتحديد أنسب تلك الخطابات في التناغم مع الهيمنة الغربية وعدم التحرش بها أو التشويش عليها.

أما أبرز وسائل السياسة الامبريالية الغربية لتحقيق هذا الغرض فهو كما يعرف الجميع: الضغط المباشر وغير المباشر على النظم السياسية العربية لتمكين الأيديولوجيات المنسجمة أو المتحاشية لإرباك استقرار المصالح الغربية.

ولذلك ففي وسائل إعلام الدول المستضعفة تحتل الليبرالية، وهي أيديولوجية الغرب، المساحة الواسعة فيها، وتمنح مقاعد الذروة لرموز الخطاب الدعوي المدجن الذين يدفعون باتجاه تفجير مفاهيم العزة العقدية والاستعلاء الديني على الفكر الغربي، وإرضاع المشاهد الغر مشاعر الانكسار والهزيمة أمام الغرب الغالب، الذي يصفونه بأنه الهائل المتفوق المبدع الحضاري المتقدم في جميع مجالات الحياة، ونحوها من الأوصاف التهويلية التي تستبعد من الصورة الانحطاط الغربي في أعظم المطالب كالجهل بالله، وهو أعظم مطلوب، والفواحش، والجريمة، والمادية البائسة، والحياة البهيمية الرائعة التي وصفها كتاب الله بقوله: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ] {محمد: ١٢}

وهذا الأسلوب الذي تسلكه الولايات المتحدة اليوم في الرهان على الخطابات الدينية «البلبلة»، كما ترصدها الأطروحة الشهيرة للسياسي الأمريكي ليونارد بايندر في كتابه الصادر عام (١٩٨٨م) بعنوان «الليبرالية الإسلامية»16؛ ليس سلوكاً غريباً مفاجئاً ومبتكراً، بل لقد كانت الدول الاستعمارية الأوروبية بشكل مبكر توظف هذا الأسلوب في لبرلة الأحكام الشرعية، كما كان يحكي ذلك المؤرخ النصراني ألبرت حوراني بقوله: (كان ممثلو المستوطنين الأوروبيين يصرون على ضرورة تثقيف أهالي شمال أفريقيا ثقافة عربية قائمة على «التفسير الليبرالي للقرآن» مستندين في ذلك إلى المبدأ القائل بأن على أبناء البلاد أن يتطوروا ضمن نطاق مدنيتهم الخاصة!)17.

وهؤلاء الرموز الذين انخرطوا في سلسلة تدجين الخطاب الدعوي ليتكيف مع الثقافة الغربية الغالبة، مدعومين بالأذرع الإعلامية الليبرالية، صاروا يضخون تأويلات للأحكام الشرعية المتعارضة مع المصالح الغربية والنظرة الغربية والقيم الغربية، وبعضهم فيه سذاجة فيبالغ في طرح تأويلات فجة، فينبذ اجتماعياً! وبعضهم فيه دهاء فطري بحيث يطرح سلسلة التدجين تدريجياً وبلغة هادئة لتتشربها الشريحة المستهدفة بشكل بطيء لكنه أكيد المفعول، وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الأسلوب لأهل الأهواء بقوله: (وهذا شأن كل من أراد أن يظهر خلاف ما عليه أمة من الأمم من الحق؛ إنما يأتيهم بالأسهل الأقرب إلى موافقتهم، فإن شياطين الإنس والجن لا يأتون ابتداءً ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة، فإنهم لا يتمكنون…، والغرض هاهنا التنبيه على أن دعاة الباطل المخالفين لما جاءت به الرسل يتدرجون من الأسهل الأقرب إلى موافقة الناس، إلى أن ينتهوا إلى هدم الدين)18.

وبعض الشباب المتطلع للثقافة اليوم يتوهم أنه يعيش انفتاحاً وتجديداً بين مجموعة من المنغلقين، ولا يعلم أنه ضحية لمؤامرة سياسية كبرى تستهدف من خلال نوافذ مختلفة إعادة ترميم الإسلام لينسجم مع مصالح اللاعبين الكبار، باعتبارها ثقافة الغالب.

وأطرف ما في الأمر: أن بعض هؤلاء الشباب ينعي على علماء ودعاة أهل السنة ضعف الوعي السياسي، ولا يعلم أنه هو الذي يدار بخيوط السياسة من بعيد، ويُطبخ في قدر الهيمنة الغربية وهو لا يدري.

كان أحد الأصدقاء يقول لي: أليس من السذاجة أن تفكروا أن ثمة مؤامرة؟! قلت له: إذا كنت تتصور امبراطورية عسكرية بحجم الولايات المتحدة ولا تفكر بإدارة مصالحها، وتكييف الخطابات الثقافية المانعة مع هيمنتها، وأنها تتفرج فقط على الثقافات المناوئة؛ فهذه هي السذاجة بعينها، وترى القرآن نفسه يتحدث ويصف ويصور المؤامرات كما يقول تعالى: [ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكْبَرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ] {الأنعام: ١٢٣}.

فانظر كيف أن المتآمرين موجودون في كل بقعة من الأرض كما تنص الآية، وأنهم يتآمرون!

بل ووصف الله تعالى تواصل مؤامراتهم وعدم انقطاعها كما في قوله تعالى: [ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ] {سبأ: ٣٣}.

ووصف الله شدة مؤامرات أهل الضلال بقوله: [ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ] {إبراهيم: ٤٦}.

والمراد أن «التفسير التآمري» حقيقة قرآنية وواقع مشهود لا ينكره إلا مستغفل أو مستفيد، وليس الخطأ في الوعي بهذه المؤامرات التي تحاك الليل والنهار حتى تكاد تزول منها الجبال؛ وإنما الخطأ هو التهور في المغالاة في هذا الأمر حتى يُجعل ما ليس فيه قرائن مؤامراتية مؤامرة، فهذا هو الخطأ، ولكن هذا الخطأ لا يعالج بإلغاء أصل مفهوم المؤامرة الذي أشار له القرآن وهمس به الواقع.

أليس مثيراً للانتباه أن كل الملفات الشرعية الملتهبة اليوم نجدها في المسائل محل التعارض بين «نصوص الوحي» و «ثقافة الغرب الغالب» كما نجده مثلاً في: الولاء والبراء، الجهاد، تحكيم الشريعة، قتل المرتد، الحجاب، الاختلاط، سفر المرأة بلا محرم، القوامة، الرقية الشرعية، المعازف، إلخ.

هل إثارة الغبار في وجه هذه المسائل دون غيرها حدث هكذا اعتباطاً!

لماذا لم نجد ولا مثقفاً واحداً يطرح إشكاليات التعارض بين نصوص التراث والثقافة الأفريقية؟

لماذا لم نصادف ولا مشروعاً فكرياً واحداً منزعجاً من التعارض بين نصوص التراث والثقافة الشرق آسيوية؟

لماذا كل ندواتهم الفكرية ليس فيها ندوة واحدة عن أزمة التعارض بين نصوص التراث الإسلامي والتقاليد الهندية؟

هل هو مجرد ظاهرة عشوائية بالصدفة فقط أن تكون «كل» كتبهم ومقالاتهم وفعالياتهم وندواتهم الفكرية تتذمر وتنوح فقط فوق خطوط التماس بين نصوص الوحي وثقافة الغرب الغالب؟!

-٣- في بيئتنا المحلية طرحت علينا في السنوات الأخيرة وبكثافة أسئلة كثيرة مهمازها الأساس، الصريح أو المضمّر، هو التعارض بين الأحكام الشرعية والثقافة الغربية الغالبة، وقد بلغ هذا الطرح ذروته الخانقة محلياً في حقبة السنوات السبع العجاف منذ سقوط بغداد (٢٠٠٣م) وحتى ثورة تونس (٢٠١٠م)، وإن كانت هذه الأطروحات مرت بانعطافات في إشكالياتها المركزية، فتارة تركز إشكالية منزلة الحضارة والمدنية المادية والموقف من المخالف، وتارة تشتعل إشكاليات الديمقراطية والاحتجاج السياسي، وأحياناً أخرى يميل الخطاب إلى أسئلة الحرية الليبرالية وتحكيم الشريعة، ونحوها من الأسئلة والإشكاليات.

وكانت ساحات السجال المحلي تدور في الأقنية التالية: الصحافة المحلية، والصوالين الثقافية، وعلى خلفية الحوارات الفكرية الفضائية، ولهيب المنتديات الإلكترونية، ثم قبيل بزوغ شبكات التواصل الاجتماعي كاد أن ينحصر الجدل الفكري المحلي في «المجموعات البريدية الثقافية» التي لعبت دوراً فاعلاً حينها في تشكيل قاعة حوار فكري محلي.

ويهمني التأكيد هاهنا بكيفية خاصة أن هذا الكتاب الذي بين يديك ليس مناقشة لأطروحات الفكر العربي المعاصر ورموزه ومشروعاته الثقافية، فهذا مفصّل في مواضع أخرى، بل هذا الكتاب هو حصيلة نقاشات لأسئلة طرحت محلياً في الألفية التي سبقت الإشارة إليها آنفاً، وقد كتبتها في الأعوام (١٤٣١-١٤٣٣هـ)، فهذه هي الأجواء الزمنية والجغرافية لهذه الحصيلة من النقاشات في هذا الكتاب.

كما أن هذا الكتاب بطبيعة الحال ليس استيعاباً لكل ما طرح من إشكاليات الثقافة الغربية الغالبة في بيئتنا المحلية، بل هي نماذج وعينات فقط، فإذا تأمل الباحث الموضوعي في أمثال هذه العينات، ثم لمس من خلال مناقشتها ما فيها من الهشاشة العلمية، انفتح له باب معرفة الحق في نظائرها بإذن الله.

وقد بقيت مادة هذا الكتاب مجتمعة عندي منذ تلك المدة، لكن كنت أؤخر طباعتها لحاجتها لمزيد من التحرير الفني، ثم كان لي مراسلات علمية مع أخي في الله، محمد حشمت إبراهيم، فاقترح علي أن يقوم بتهيئة الكتاب للطباعة، وكرر الاقتراح، فدفعته له، فقام مشكوراً بتدقيق النص، واستكمال معلومات المراجع لكل اقتباسات الكتاب، وهو عملٌ مضنٌ قام به بجهد مميز، فلا حرمه الله الأجر، وجعلنا الله وإياه شركاء في الذب عن دينه.

المؤلف صفر ١٤٣٥هـ iosakran@gmail.com

Footnotes

  1. الهروي، ذم الكلام، تحقيق عبد الله الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية، (١٣٤/٥). ↩

  2. الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤٢٤هـ، ص (٤١). ↩

  3. ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق الكتبي، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، (١٤٢٦هـ)، (ص: ٤٥). ↩

  4. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٧/٥٩٧). ↩

  5. ابن تيمية، بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، تحقيق: موسى سليمان الدويش، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ (ص: ٢٣٥). ↩

  6. ابن تيمية، جامع المسائل، تحقيق محمد عزيز شمس، دار عالم الفوائد، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ (٦/١٣٩). ↩

  7. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (١٧/٣٣٣). ↩

  8. ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: عبد الله الدويش، دار يعرب - دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٥هـ (١/٢٨٣). ↩

  9. ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة كريم عزقول، دار النهار، ص (٤١٠-٤١١). ↩

  10. ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة كريم عزقول، دار النهار، (ص: ١٧٩). ↩

  11. محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة، (١/٦). ↩

  12. فتحي عبد الكريم، الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة، مكتبة وهبة، القاهرة، ١٩٧٧م، (ص: ١٨). ↩

  13. مالك بن نبي، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين، دار الفكر، (ص: ٤٩). ↩

  14. الندوي، التفسير السياسي للإسلام، دار آفاق الغد، ١٩٨٠م (ص: ١٤، ١٥). ↩

  15. انظر مثلاً: محاضرة الندوي بعنوان: الإسلام والمستشرقون، المنشورة في «الندوي، محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة» تحقيق سيد الغوري، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ، ص (٢/٤١٧). ↩

  16. Binder L., Islamic Liberalism: A Critique of Development Ideologies, University of Chicago Press, 1988. ↩

  17. ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة كريم عزقول، دار النهار، (ص: ٤٣٣). ↩

  18. ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية، تحقيق أحمد معاذ حقي، طبعة الشؤون الإسلامية والأوقاف، ١٤٢٦هـ (٣/٥١١، ٥١٥). ↩

شروحات وبرامج عن «سلطة الثقافة الغالبة»

شروحات أخرى للكتاب4

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ