تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

رقائق القرآن

أقوى الناس

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 134-154 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 14 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابرقائق القرآن

حياتنا معجونة بالمهام والالتزامات، والقرارات العابرة والجسيمة، في الدراسة والعمل، والزواج والمسكن، والسفر والإقامة، والصحة والمرض، وفي كل هذه المتطلبات فإننا نسعى لإنجازها باتخاذ الأسباب كما أمرنا الله، وكما هو مركب في فطرتنا أصلاً.

هذا المشهد، مشهد طبيعي ومتكرر، وإنما الذي يستحق أن نفحصه ونتأمله هو تلك المشاعر والأحاسيس التي تتحرك في داخلنا في كيفية قراءتنا للعلاقة بين النتائج والأسباب. كثيراً ما يرتبط في أذهاننا أن قوة النتائج مرتبطة بما يظهر من قوة الأسباب في مظاهرها وغطائها المادي، ولذلك تهفو النفوس للتعلق بالسبب. كثيراً ما يمور في عقولنا تصورات مسبقة أن أقوى الناس هم أولئك الذين يملكون أقوى الأسباب المادية.

وقد أثار انتباهي تنبيه لطيف لأحد السلف يزلزل هذه القناعات والتصورات المطمورة، وقد نقله أبو العباس ابن تيمية، واحتفى به في عدة مواضع من كتبه.

يقول ابن تيمية في رسالته التي تسمى التحفة العراقية: «قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه، ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة، وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان؛ لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر

عليه الأمور، ولهذا قال بعض السلف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله» 1. وروي هذا الأثر مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لا يثبت مرفوعاً كما أعلّه الإمام أبو جعفر العقيلي (ت322 هـ) 2.

حسناً! هذا الأثر السلفي يبين أن القوة الحقيقية مرتبطة بقوة التعلق بالله، لا بالتعلق بالأسباب، فقوة التوكل هي المدد الحقيقي أمام صعوبات الحياة، ويتفاوت الناس في قوتهم بحسب ما في قلوبهم من التوكل الشرعي، ولكن قبل أن نتحدث عن هذه العلاقة؛ ما هو الدافع للتوكل؟ بمعنى آخر: لماذا نتوكل على الله؟

دعنا - أخي القارئ - نحلل دوافع التوكل، أو نجيب على سؤال: لماذا نتوكل على الله؟ بحسب المنظور القرآني:

نتوكل على الله لأن التوكل معيار الإيمان، التوكل على الله هو اللحظة التي تكشف مصداقية إيماننا بالله، ولاحظ هذا الامتحان في قول الله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ 3.

وفي الحوار الذي دار بين موسى - صلى الله عليه وسلم - وقومه كم يلفت النظر دوران الحوار حول «التوكل» وإنه مقياس الإيمان والإسلام!: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ 4.

فإذا تدبر قارئ القرآن هذه المنزلة لاعتماد القلب على الله ولجوئه إليه، وتفويضه الأمور إليه تغيرت نظرته كلياً لموقع التوكل في حياته ..

نتوكل على الله لأن الله سبحانه هو أعظم وكيل، حتى إن الله سبحانه قال في خمسة مواضع من القرآن ذات الجملة: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ قالها سبحانه في سورة النساء ثلاث مرات، وفي سورة الأحزاب مرتين، كقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ 5، ويقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ 6.

فإذا كان القرآن يعيد على مسامعنا خمس مرات ذات الجملة «وكفى بالله وكيلا» فهل امتلأت قلوبنا فعلاً بحقيقة هذا المعنى ونحن نعارك تصاريف الحياة؟ وهل نحن نتسلق المطالب، ونتجرع المصائب، ونخوض الأهوال؛ وقلوبنا معلقة بالسماء تفيض بهذا المعنى «وكفى بالله وكيلا»؟

ألا يكفيكِ يا نفسُ أن الله هو الوكيل؟ بل هو «نعم الوكيل» سبحانه كما قال أهل الإيمان: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ 7.

نتوكل على الله لأنه هو الذي يكفينا، ومن أعظم كفاية من الله؟! ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ 8. لو علم المرء أن فلاناً من المسؤولين هو المتكفل بمعاملته لتنفس اليقين وفرغ قلبه من الشك بتحقق مطلبه، فكيف يفوّت المرء على نفسه أن يكون الله خالق هذه الحاجات، والخالق لسبل قضائها، والخالق لموانعها، هو الذي سيتكفل بأمرك إذا توكلت عليه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

من كان الله حسبه؛ فكيف ستكون قوته بين الناس؟! ولذلك قال من قال من السلف: «من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله» كما نقل ابن تيمية في الاقتباس السابق .. ومما يفغر فم الاستغراب حين يتأمل المرء هذه الحقائق القرآنية التي أخبرنا بها الله ذاته، ثم يلاحظ غياب الانتفاع والاستفادة من هذه الحقائق في حياتنا!

الخالق سبحانه يفتح فرصة لعبده ليكون الله تعالى هو حسبه إذا توكل عليه، ومع ذلك يقصر القلب في الانكباب على الله، والتعلق به؛ فيفوّت على نفسه هذه القوة العظيمة!

نتوكل على الله لأن التوكل عليه سبحانه يحمينا من سلطة الشيطان، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ 9.

فالشيطان حاضر في تفاصيل حياتنا، يسعى بفنون الإضلال ليجر ابن آدم معه إلى المصير التعيس،

فالشيطان حاضرٌ في حياتنا يزل ويستزل، ويوسوس، ويفتن، وينزغ، ويهمز، ويسوّل، ويملي، ويؤز، ويضل ويصد عن الله، ويستهوي للحيرة، ويرمي في طريقنا الخطوات ليستدرجنا للخطايا، ويخوفنا من الفقر كلما فكرنا في النفقة في سبيل الله، ويزين لنا الباطل فيضعه في قالب الأمر الطبيعي والجميل، وأنه لا داعي للمبالغة، وهي من أخطر أساليب الشيطان، وتستخف الشياطين أهل الباطل وتؤزهم وتورطهم في الاندفاع.

ويسعى الشيطان لينسينا أمر الله سواء كان نسياناً معفواً عنه بمعنى غياب العلم، أو اكتنان المعلوم كما في السهو، كما قال في المراقي:

زوال ما عُلِم قُلْ: نسيانُ … والعلم في السهو له اكتنانُ أو إنساءً غير معفو عنه وهو حضور العلم وغياب خشية الله وإرادته، فالشيطان حريص على كلا النوعين من النسيان: نسيان الذهول المعفو عنه، ونسيان الغفلة المتوعد عليه ..

وكلا نوعي النسيان مما تحتملهما لغة العرب كما قال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر: «والنسيان في لسان العرب: يكون للترك عمداً، ويكون ضد الذكر» 10. وجاء هذان الوجهان العربيان في القرآن كما قال ابن القيم: «النسيان في القرآن على وجهين: نسيان ترك، ونسيان سهو» 11.

قال الله تعالى في كون الشيطان يزل ويستزل: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ 12، وقال الله سبحانه: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ 13.

وأخبر الله سبحانه عن سعي الشيطان في الإضلال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ 14. وأخبر عن نزغ الشيطان: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ 15. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ 16، وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ 17.

وأخبر عن همز الشيطان في النفوس: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ 18.

وأخبر عن وسوسة الشيطان بالمعاصي والفواحش: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا﴾ 19. وأخبر الله عن تسويل الشيطان وإملائه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ 20.

وأخبر عن استهواء الشياطين إلى الحيرة والارتيابات والشكوك: … ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ 21.

وأخبر عن استخفاف الشياطين لأهل الباطل ودفعها إياهم إلى التهور والاندفاع في الانحراف: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ 22.

وحذرنا ربنا من تفنن الشيطان بالفتن: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ 23. وأن الشيطان يشوش تفكيرنا بالقلق من الفقر إن أنفقنا في سبيل الله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ 24.

وأخبرنا الله عن خبث الشيطان في تغييب واستكنان المطلوب الشرعي: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ 25، وقال الله سبحانه: … ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ 26. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ 27. وقال الله عز وجل: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ 28.

وإن الشيطان ينصب الخطوات التدريجية كما قال الله سبحانه: … ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ 29، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ 30.

وأخبر الله تعالى عن رسم الشيطان للباطل والمعاصي في قالب الأمر الجميل والواقعي والمصلحي والطبيعي: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 31، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ 32.

ولذلك ترى الرجل يرتكب المعصية، ويؤنبه ضميره زمناً، وتراه يقول لمن حوله: والله إني متألم من هذا الأمر، وجزاكم الله خيراً على النصيحة، ثم لا يزال الشيطان به حتى تراه بعد زمن يدافع عن معصيته ويراها أمراً طبيعياً، أن من حوله يعانون - في نظره - من غلو ونزعة للتحريم، وأن هذه فتاوى قديمة والعصر تغيّر .. إلخ من أفكار الشيطان في تزيين المعاصي للناس!

فإذا رأيت هذا المشهد فتذكر فوراً قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ 33، وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 34.

وأخبر عن وظيفة الشيطان العامة في الصد عن سبيل الله ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ 35.

ومن أعجب ما يقوم به الشيطان سرعة تنصله بعد أن يقع الإنسان في شباكه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ 36.

فمن تأمل أعمال الشيطان وأساليبه وخططه ومؤامراته وأفخاخه التي ينصبها - كما صورها الله لنا تفصيلاً في كتابه - أدرك شدة خطر الشيطان، حتى إن الإمام ابن القيم لما لاحظ هذا المعنى ألف كتاباً بديعاً استمد عنوانه من هذا المعنى فسمّاه «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»، وذكر فيه من المعاني الشرعية حول صحة القلب ومرضه والأدوية الشرعية له،

ثم فصل تفصيلاً مذهلاً في مكايد الشيطان في العقيدة كما في القبور، أو في فقه الفروع كما في الطهارة والمعازف، والحيل في النكاح والربا وأنواع من المعاملات، وختم كتابه بتلاعب الشيطان وكيده بالاتجاهات غير الإسلامية كالفلاسفة والمجوس وأهل الكتابين قبلنا. وهو كتاب عظيم مشحون بالفوائد والأبحاث والاستطرادات العقدية والفقهية والإيمانية، يدلّ نفَسه فيه أنه ألّفه على البسط لا على إرادة الاختصار.

المهم، أن الله في كتابه قد بين لنا أن (التوكل) من أعظم وسائل مكافحة مخاطر وسلطة الشيطان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ 37.

كما أن من أعظم دوافع التوكل أننا نتوكل على الله شكراً له وامتناناً لأنه هدانا سبحانه، فحين ترى نفسك من أهل لا إله إلا الله، محافظاً على الصلاة، أو ترى نفسك بعيداً عن فكر الهزيمة والانكسار والانحناء للثقافة الغربية، وبعيداً عن حمل النصوص الشرعية

وتأويلها لتوافق مقررات الثقافة الغربية الغالبة، فإنك تحمد الله وشكره إذ رفعك عن الانحطاط السلوكي والفكري، وترى منة الله عليك إذ شرفك بالرقي العقدي، ويوجب لك هذا مزيداً من التوكل والتعلق بالله، ألا ترى أهل الإيمان كيف يربطون بين هداية الله والتوكل: … ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ 38.

هذه بعض دوافع التوكل التي أشار إليه كتاب الله العظيم، ولكن قد يثور هاهنا سؤال: متى نتوكل بالضبط؟

الحقيقة أن التوكل له مرتبتان: توكل عام لا ينفك المؤمن عنه، بحيث يكون قلبه معلقاً بالله بشكل مستمر بمقتضى توحيد الله وألوهيته كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ 39، فهذا التوكل معيار الإيمان.

وثمة مرتبةٌ أخرى: وهي التوكل في الأمر الخاص المعين، وهذا يكون بعد العزم عليه مباشرة، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ 40. حسناً! هذا (التوكل) الذي أبدأ القرآن فيه وأعاد، وكرره في مواضع كثيرة، وسياقات متنوعة، ما هو بالضبط؟ ما معنى التوكل؟ والإشكال بصياغة أخرى؛ الكثير يتساءل: كيف أكون متوكلاً؟ كيف أحقق هذا المقام الإيماني العظيم الذي يحبه الله، ويعرضه لنا في القرآن بكثرة، ويرغبنا فيه؟

لأهل العلم في علم السلوك ومقامات الإيمان تعريفات كثيرة للتوكل، بعضها فيه تعريف للتوكل في حقيقته الكلية، وبعضها فيه إضاءة لبعض جوانب التوكل، ويبدو أنها بحسب حال السائل، ولكن بعيداً عن الإسهاب في استعراض تعريفات التوكل يمكن القول بكل اختصار: إن التوكل هو «اشتغال الجوارح بالأسباب، واشتغال القلب بالله».

وقد لخص الإمام ابن القيم شيئاً من الوقائع الشرعية في اتخاذ الأسباب لما انتقد الطائفة الصوفية التي ظنت أن التوكل يعني ترك الأسباب، كما يقول ابن القيم ناقداً: «مدعين لأنفسهم حالاً أكمل من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك، ولا أخل - النبي وأصحابه - بشيء من الأسباب،

وقد ظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين يوم أحد، واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدله على طريق الهجرة، وكان يدخر لأهله قوت سنة، وهو سيد المتوكلين، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد، وجميع أصحابه، وهم أولو التوكل حقا، وأكمل المتوكلين بعدهم هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة» 41.

ولكن، ومع فعل الأسباب، فإن القلب معلق بالله، ملتفت معرض عن التعلق بهذه الأسباب، ولذلك ترى المتوكل يلهج بالذكر، يرقب توفيق ربه، ويتمتم بالدعاء.

يتحدث المتوكلون عن أذواق لهم يشعرون بها لا يتصورها المحبوسون في زنازين خطاياهم مثلنا، فمن أراد أن يعرف ما هي (الطمأنينة)، وما هي (السكينة)، وأي شيء هو (راحة البال)، فليجرب التوكل ..

هل تظن رجلاً قلبه معلقٌ بملك الملوك سبحانه فوق سبع سماواته يقلقه شيء من مقادير هذه الدنيا؟ ..

تأمل طمأنينة وسكون خليل الله إبراهيم - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو يرى أعمدة اللهب التي أضرمها قومه ليحرقوه فيها كما قص الله سبحانه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ 42، وقد اقترب الخليل من الوقوع في هذه النار العظيمة، فلم يجزع، ولم يرتبك، ولم يلتمس منهم الرحمة والعفو والصفح، بل كل الذي كان يقوله هو: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، ولم يكن ذلك فقط قبل أن يلقى، بل حتى بعد أن وقع في النار عليه السلام، كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار «حسبنا الله ونعم الوكيل») 43.

ثم تأمل طمأنينة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءته الأنباء باجتماع الجيوش ضده، فكان أن قال هذه العبارة ذاتها: (حسبنا الله ونعم الوكيل). وقد قارن ابن عباس بين موقف خليل الله إبراهيم، وخليل الله محمد صلى الله عليهما وسلم،

فقال: («حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ 44.

ثم تأمل ماذا قال الله عن موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه؟ قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ 45. ألا تلاحظ روعة الموقف إذ قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾؟!

الخبر يقول: إن جيوش الأعداء مكتظة في الطريق إليكم، وهؤلاء يزدادون إيماناً. يزدادون إيماناً في اللحظة التي تنهار فيها نفوس كثير من الناس، رباه، ما أسعد المتوكلين! حسناً! من الواضح من خلال التصوير القرآني للتوكل أن التوكل (حالة قلبية) في التحليل الأخير، لذلك كان إمام أهل السنة .. الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - يقول: «التوكل عمل القلب» 46.

فإذا تدبر قارئ القرآن الآيات التي وصف الله فيها التوكل في كتابه، وكيف يأمر به تارة، ويصف أهل الإيمان به تارةً أخرى، ويرغّب المتوكل بأن يكون الله حسبه، وأن الله نعم الوكيل، فإنه يدرك حب الله سبحانه لقيام هذه الحالة القلبية في عبده، وأنها من أرفع مقامات الإيمان عند الله.

فهل ستنقضي هذه الدنيا، ونرقد في قبورنا، ونحن لم نتذوق هذا المقام العالي، مقام التوكل، الذي تزداد به قوة النفس، وتصبح القوى البشرية أمامها كالهباء؟!

Footnotes

  1. الفتاوى: 10/ 32. ↩

  2. الضعفاء الكبير للعقيلي: 4/ 340. ↩

  3. سورة المائدة، الآية: 23. ↩

  4. سورة يونس، الآيتان: 85،84. ↩

  5. سورة الأحزاب، الآية: 3. ↩

  6. سورة النساء، الآية: 132. ↩

  7. سورة آل عمران، الآية: 173. ↩

  8. سورة الطلاق، الآية: 3. ↩

  9. سورة النحل، الآية: 99. ↩

  10. ابن عبدالبر، الاستذكار: 1/ 114، طبعة دار إحياء التراث. ↩

  11. ابن القيم، الصلاة وحكم تاركها، 75، طبعة مكتبة الإيمان. ↩

  12. سورة البقرة، الآية: 36. ↩

  13. سورة آل عمران، الآية: 155. ↩

  14. سورة النساء، الآية: 60. ↩

  15. سورة الإسراء، الآية: 53. ↩

  16. سورة يوسف، الآية: 100 ↩

  17. سورة الأعراف، الآية: 200. ↩

  18. سورة المؤمنون، الآية: 97. ↩

  19. سورة الأعراف، الآية: 20. ↩

  20. سورة محمد، الآية: 25. ↩

  21. سورة الأنعام، الآية: 71. ↩

  22. سورة مريم، الآية: 83. ↩

  23. سورة الأعراف، الآية: 27. ↩

  24. سورة البقرة، الآية: 268. ↩

  25. سورة الأنعام، الآية: 68. ↩

  26. سورة يوسف، الآية: 42. ↩

  27. سورة الكهف، الآية: 63. ↩

  28. سورة المجادلة، الآية: 19. ↩

  29. سورة النور، الآية: 21. ↩

  30. سورة البقرة، الآية: 208. ↩

  31. سورة الأنعام، الآية: 43. ↩

  32. سورة الأنفال، الآية: 48. ↩

  33. سورة الأنفال، الآية: 48. ↩

  34. سورة الأنعام، الآية: 43. ↩

  35. سورة الزخرف، الآية: 62. ↩

  36. سورة الحشر، الآية: 16. ↩

  37. سورة النحل، الآية: 99. ↩

  38. سورة إبراهيم، الآية: 12. ↩

  39. سورة التغابن، الآية: 13. ↩

  40. سورة آل عمران، الآية: 159. ↩

  41. ابن القيم، مدارج السالكين: 467، طبعة دار الكتاب العربي. ↩

  42. سورة الأنبياء، الآية: 68. ↩

  43. البخاري: 4564. ↩

  44. البخاري: 4563. ↩

  45. سورة آل عمران، الآية: 173. ↩

  46. ابن القيم، طريق الهجرتين: 561، طبعة مجمع الفقه. ↩

شروحات وبرامج عن «رقائق القرآن»

شروحات أخرى للكتاب9

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ