تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

رقائق القرآن

هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله ﷺ؟

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 109-122 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 10 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابرقائق القرآن

أعرف أحد المقتحمين للكتابة الصحفية إذا طرح أي فكرة في مقالاته فلا بد أن يذيلها بمقولة (مع الالتزام طبعاً بضوابط الشريعة)، ولا يمل من تكرار هذه الجملة بشكل يطمئن القارئ، لكنه في المجالس الفكرية المحدودة يعلن صراحة بأنه كما يقول: (يا رجل! لا حل لنا إلا بالعلمانية، وتحويل الدين إلى خيار شخصي محترم فقط، كل المجتمعات المعاصرة لم تتقدم إلا بالعلمانية، الدين شيء رائع ونبيل ولكنه يجب أن يبقى ممارسة ذاتية).

تأملت في هذا التناقض الجذري بين الأسلمة في المقالات العامة، والعلمنة في المجالس الخاصة، فقلت لأحدهم: أنا لا أشك أن هذه حالة (نفاق فكري)! فقال لي معترضاً: كيف تدمغه بوصف النفاق وهو يقول: لا إله إلا الله ويصلي ويصوم ويتصدق؟! لا أنكر أنني تهيبت وسكتّ. مضى زمن على هذه الواقعة وصرت بعدها أهتم كثيراً بمراقبة طريقة استعراض القرآن للشخصية المنافقة، وما هي مشاعرها الداخلية؟ وكيف تتحرك داخل المجتمع المسلم؟

كم كنت مندهشاً حين رأيت القرآن يتحدث عن المنافقين بأنهم يصلون، ويتصدقون، ويذكرون الله!

فأشار القرآن إلى كون المنافقين يصلون، بل إلى أنهم يذكرون الله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾ 1.

يا الله! المنافق يصلي، بل ويذكر الله قليلاً، ومع ذلك لم يمنع ذلك عن وصفه بالنفاق! وأشارت الآية الأخرى إلى صلاة المنافق في قول الله تعالى: ﴿وَلا يَاتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ 2.

وأشار القرآن -أيضاً- إلى كون المنافقين يتصدقون كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ 3.

بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرح كيف أن من ابتلاه الله بنفاق في قلبه يجد مشقة كبيرة في الصلاة، ولذلك يجعلها في أواخر الوقت دوماً، كما سبق أن استعرضنا في فصلٍ سابق الحديث الذي في صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان؛ قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» 4.

بالله عليك ألم يرعبك هذا الحديث؟! والله إنه نص مخيف بكل ما في الكلمة من معنى، تأخير الصلاة لآخر وقتها جعلها النبي «صلاة منافق» برغم أنه أخّر العصر لوقت الضرورة وهو وقت تضيُّف الشمس للغروب .. فكيف بمن يطبق على إخراج الصلوات عن أوقاتها؟ أليس ذلك أمارة قوية على أن ثمة نفاقاً خفياً في القلب؟!

بل انظر في أمر أوكد دلالة مما سبق، وهو أن الطائفة التي تهكمت بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكفرها الله من فوق سبع سماوات، كانوا يقولون كما قال الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 5.

هؤلاء لم يخطر في بالهم أن الموضوع قد يصل إلى الكفر، لأن القضية عندهم كانت مزاحاً وطرافةً، ولكن مقاييس القرآن تختلف كثيراً عن أوهامنا .. كنت أتصور سابقاً أن «المنافق» لا بد أن يعلم من نفسه أنه منافق، ويالسذاجة تصوري السابق! اكتشفت أن المنافق قد لا يعلم بذلك، بل قد يظن نفسه حين أطلق بعض العبارات إنما أطلقها مزاحاً! وكنت سابقاً أتوهم أن «النفاق» هو قرار يتخذه المرء، فيقرر بأنه سيكون منافقاً يظهر الإسلام ويبطن الكيد له .. !

كنت أظن النفاق مؤامرة كبرى تتخذ بتخطيط شامل، ولم أتوقع بتاتاً أن النفاق قد يقع في القلب بتصرفات نعدها في موازيننا من هوامش الأمور! بالله عليك! هل تتوقع أن قوماً عاهدوا أنفسهم بأنه إن رزقهم الله مالاً فسيتصدقون به، فلما رزقهم الله؛ شحّت نفوسهم، فسبب لهم ذلك قيام النفاق في قلوبهم!؟ هل تتصور ذلك؟!

انظر ماذا يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ 6.

تأمل! إنهم قوم يؤمنون بالله لدرجة أنهم عاهدوا ربهم، ولم يفعلوا أكثر من البخل بالمال بعد المعاهدة، ومع ذلك هجم النفاق على قلوبهم بسبب ذلك! ولم يتأخر الأمر كثيراً، بل كما عبر القرآن (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم)!

وما الذي يؤمننا نحن حين نقصر في أمر علمنا تعظيم الله له أن لا يعقبنا ذلك نفاقاً في قلوبنا؟ وما الذي يؤمننا حين ننتهك أمراً علمنا حرمته عند الله أن لا يعقبنا ذلك نفاقاً في قلوبنا؟!

بل وكيف يأمن أقوام تتلى عليهم آيات الله في «انحطاط الكافر»، ومع ذلك يتفننون في أظهار عبارات احترام ملل الكفر ومساواتها لغيرها؟! كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!

وأقوام يرون آيات الله تتلى كلها في التحفظ والاحتياط والتصون في العلاقة بين الجنسين، ومع ذلك يتهورون في إطلاق الانفتاح بين الجنسين، كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!

وأقوام يرون آيات الله تتلى كلها في تعظيم كمال اهتداء السابقين الأولين، ومع ذلك يطلقون عبارات لا يلقون لها بالاً في أن «تجربة السلف لا تلزمنا»، كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!

وأقوام يرون الله في القرآن يأمر صراحة برد الخلاف والنزاع إلى النص، وهؤلاء يتذرعون بالخلاف في تعطيل النصوص، فكلما قيل لهم: قال الله، وقال رسول الله؛ قالوا: فيه خلاف! كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!

وأقوام يرون الله في القرآن يأمر صراحة بموالاة المصلحين ومنافاة المضلين، ثم يرددون صبحاً ومساءً بأن كل القضية مجرد خلاف داخل الوطن، ويجب ترك الاصطفاف والتحزب والاستقطاب، كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!

حين رأيت الله تعالى يقول عن رجل بخل بعد أن عاهد على الإنفاق، وهذا كل ما صنع،

شح بماله بعد أن عاهد ربه على الصدقة، ومع ذلك يقول الله عنه: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ 7 استطعت أن أفهم قلق أصحاب رسول الله من النفاق!

لقد كنت أفهم حديث ابن أبي مليكة المعروف عن قلق الصحابة من النفاق على أن سببه هو «ورع الصحابة» فقط، وهو الحديث الذي يقول فيه ابن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه» 8.

كنت أقول في نفسي: إن هذا من باب الاحتياط المستحب فقط الذي يصنعه الصحابة، لكن هذه الآية العجيبة ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ والتي شاهد الصحابة واقعتها عياناً، وشاهدوا نظيرها؛ هي التي جعلتهم يفهمون النفاق على أنه «أثر» لتصرفات معينة، كثيراً ما يكون صاحبها لم يتوقع نتائجها، وليس النفاق «قراراً» يتخذه المرء!

أي أن الإنسان قد يقوم بأقوال أو أفعال فيها مصادمة لكتاب الله تقوده للنفاق وهو لا يعلم! وليس بالضرورة أن يكون النفاق «إرادة واعية» .. المهم الآن، أن القرآن صور المنافقين أنهم قد يصلون، وقد يتصدقون، وقد يذكرون الله، ومع ذلك لم يستنقذهم ذلك من ورطة «النفاق» بسبب تصرفات لم يتوقعوا نتائجها .. ولكن هل يمكن لنا أن نعرف «المنافق»؟ أليس المنافق شخصاً متستراً؟ أليس النفاق حالة قلبية لا يمكن الاطلاع عليها؟

لنحاول أن نحلل هذا التصور على ضوء القرآن!

الله تعالى بين صراحة أن المنافقين ألوان، فبعض المنافقين مستترين لا يعرفون، وبعضهم يصرح لبعض الناس لكن لا يعلن ذلك على الملأ، وبعضهم يظهر النفاق فقط من ملامح أفكاره وخطابه، وتأمل هذه الآية التي تكشف ملامح خطاب المنافق: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ 9.

فيا ترى، كم من خطاب فكري معاصر يجد القارئ في لحن خطابه شُعَباً من النفاق التي لا تحصى؟!

ولذلك كان الصحابة يعرفون بعض المنافقين بأعيانهم بسبب أفكارهم ولحن خطابهم، كما صور ذلك كعب بن مالك بعبارة بديعة في حديثه الطويل في صحيح البخاري حين قال: «فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصاً عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء» 10.

فتلاحظ أن بعض المنتسبين للإسلام في مجتمع الرسول كانوا «مغموصاً» عليهم النفاق، أي مطعونين ومتهمين بذلك! فإذا كان أصحاب رسول الله يغمصون بعض الناس بالنفاق، فكيف يقال: إن وصف النفاق لا يمكن إطلاقه لأنه حالة قلبية مستترة؟! وفي صحيح مسلم في شأن صلاة الجماعة يقول الصحابي: «ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، أو مريض» 11.

فقوله «منافق معلوم النفاق» فرع عن كون الصحابة يعينون آحاد وأعيان المنافقين، وهذا يدل على أن الصحابة لم يكونوا يقولون: (إن النفاق كله حالة قلبية مستترة لا يمكن معرفتها)! بل إن هذه المقولة: (أن النفاق كله حالة قلبية مستترة لا يمكن معرفتها مطلقاً) تفضي إلى تعطيل جملة من أحكام القرآن في المنافقين، وسأحاول الإشارة لنماذج من هذه الأحكام القرآنية:

فمن ذلك أن الله أمرنا في موضعين من القرآن، في سورتي التوبة والتحريم، أن «نجاهد المنافقين» كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ 12.

والأمر بجهاد المنافقين فرع عن إمكانية معرفة بعضهم بأعيانهم، ولو كان المنافق لا يمكن تعيينه مطلقاً لكان هذا الأمر القرآني عبثاً، وحاشا القرآن ذلك!!

وكذلك نهانا الله عن الانقسام في الموقف من المنافقين، وأمرنا الله أن نكون كلمة واحدة في مواجهتهم، وغالباً ما يكون الانقسام بسبب أن بعض الأخيار يطمع في هداية المنافقين فيقصّر في مجاهدتهم، كما قال تعالى: ﴿فمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ 13.

ولو كان المنافقون لا يمكن تعيينهم لكان نهي القرآن عن الانقسام إزاءهم عبثاً لا معنى له، وحاشا القرآن ذلك! كما أن القرآن نهى عن الميل لنصائح المنافقين والرضوخ لضغوطهم فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ 14. ونهانا الله عن إرخاء الآذان لهم، فقال سبحانه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ 15.

والمراد أن هناك منظومة أحكام قرآنية تنسق منهج التعامل مع المنافقين، فالقول بأن المنافقين لا يمكن تعيينهم مطلقاً يفضي إلى تعطيل هذه الأحكام القرآنية، فانظر إلى هذا الذي يتوهم أنه متورع في زعمه كيف أفضى به «وهم الورع» إلى تعطيل أحكام القرآن في التعامل مع المنافقين!

حسناً! ما علاقة كل ذلك بعنوان هذا الفصل (هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله)؟

الحقيقة أنه مرّ بي حديث في صحيح البخاري فيه أن حذيفة جاء إلى حلقة في المسجد فيها مجموعة من التابعين فقال لهم كما في البخاري: «عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد الله، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم» 16.

وحذيفة -رضي الله عنه- يقصد أنه إذا كان مجتمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان الوحي فيه يتنزل، والمعجزات تظهر على يدي رسول الله، ومع ذلك وقع تورط بعض الناس في ذلك المجتمع بالنفاق، فكيف بمجتمعكم؟

إذا كان ذلك في عصر من بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف نقول عن عصرنا نحن؟ حقاً، لقد صدق حذيفة رضي الله عنه، لقد أنزل النفاق على قوم خير منا، فكيف نستبعد وجود المنافقين بيننا؟!

Footnotes

  1. سورة النساء، الآية: 142. ↩

  2. سورة التوبة، الآية: 54. ↩

  3. سورة التوبة، الآية: 53. ↩

  4. صحيح مسلم: 622. ↩

  5. سورة التوبة، الآيتان: 66،65. ↩

  6. سورة التوبة، الآيات: 75 - 77. ↩

  7. سورة التوبة، الآية: 77. ↩

  8. صحيح البخاري، 48. ↩

  9. سورة محمد، الآية: 30. ↩

  10. البخاري: 4418. ↩

  11. مسلم: 1519. ↩

  12. سورة التوبة، الآية: 73، وسورة التحريم، الآية: 9. ↩

  13. سورة النساء، الآية: 88. ↩

  14. سورة الأحزاب، الآية: 1. ↩

  15. سورة التوبة، الآية: 47. ↩

  16. البخاري: 4602. ↩

شروحات وبرامج عن «رقائق القرآن»

شروحات أخرى للكتاب9

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ