مآلات الخطاب المدني
أنسنة العلاقات
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
من أهم المقولات عند غلاة المدنية قولهم (يجب أن نعمل للإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن هويته وعقيدته ودينه) ويرددون كثيرا لفظ “الإنسان” بصيغة مطلقة بدون إضافات تقيد أو تخصص، ويحمل بعضهم شعار “الأخوة الإنسانية” أو “الآدمية المشتركة” أو “المذهب الإنساني” ونحوها من اللافتات التي تدور حول هذا المعنى.
والواقع أن هذه الدعوة -وإن كان البعض يرددها بحسن نية- إلا أنها تضمر سلخ الأوصاف القرآنية القطعية التي ميز الله على أساسها بين الناس وفاوت في العلاقات طبقاً للتفاوت فيها، كوصف المؤمن والمسلم والفاسق والكافر والمشرك والمنافق، ووضع هؤلاء جميعاً في مرتبة واحدة بناء على اشتراكهم في الإنسانية، ليصبح المسلم واليهودي والوثني على حد سواء لا فرق بينهم طالما أنهم يعملون لسعادة الإنسانية والسلام البشري!
يا ترى كم من الآيات يجب أن ننزعها من المصحف ليمكن للمرء تقبل هذه الدعوة؟ إن مجرد التأمل في هذه الدعوة وتصور مآلاتها ومؤداها كافٍ لردع المسلم -الذي يقدر الله حق قدره- عنها والتبرؤ منها.
لقد بين كتاب الله بشكل جلي واضح أن الإنسان إذا أعرض عن الإسلام والوحي فقد تكريمه الفطري الكوني الذي ذكره تعالى في قوله ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ وأصبح مهاناً منحطاً في نظر الله ونظر أهل الإيمان، ولذلك لم تأت الشريعة بالمدح والتعظيم المطلق لـ “الإنسان” كما يتوهم بعض غلاة المدنية، بل إن القرآن بين في مواضع كثيرة ذم “الإنسان” إذا فقد شرف الإيمان ومن ذلك قوله تعالى:
﴿قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:17]
وقوله تعالى:
﴿وَكَانَ الإنسان كَفُورًا﴾ [الإسراء:67]
وقوله تعالى:
﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:15]
وقوله تعالى:
﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾
وقوله تعالى:
﴿كَلا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى﴾ ومن تدبر المواضع القرآنية التي ورد فيها مفهوم “الإنسان” وجد أن الله سبحانه وتعالى يذم جنس الإنسان بمذام متنوعة ثم يستثني من عموم هذا الذم أهل الإيمان.
ومن ذلك أن الله تعالى أقسم بالزمان على أن الإنسان في خسارة تامة كما قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ﴾
ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة فقال:
﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
وذم الله جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:19 - 22] .
وذم الله جنس الإنسان بصفة القنوط والجحود والبطر ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:
وذم الله جنس الإنسان بصفة الظلم والجهل، ثم أعقب ذلك بالتمييز التفصيلي في جنس هذا الإنسان الظلوم الجهول على أساس الموقف الديني فقال تعالى:
(وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
وهذا المعنى المتضمن ذم جنس “الإنسان” ثم استثناء أهل الإيمان له نظائر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إن الله هدد الإنسان تهديداً مدوياً بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾
ولذلك لما سمع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رجلاً يقرأ هذه الآية قال: (غره والله جهله) والذي يبدو أن عمر استنبط هذا المعنى من الآيات التي وصفت “الإنسان” بالجهل كما سبقت الإشارة لبعض تلك الآيات.
فكيف يقال بعد ذلك أن الله كرم “الإنسان” وفضل “الإنسان” بغض النظر عن هويته الدينية، وأن الأديان لا تؤثر في كرامة الإنسان إيجاباً ولا سلباً, وأننا يجب أن نعمل لمفهوم “الإنسان” بغض النظر عن عقيدته، أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرق بين أبناء آدم، أليس في ذلك مشاقة لكلام الله سبحانه وتعالى الصريح؟
ومن الإنصاف أن نقول أن بعض الكتاب الذين يرددون هذه المقولة لم يتنبهوا لمضامينها المصادمة للميزان الإلهي، ولم تخطر ببالهم الآيات القرآنية في ذم الإنسان إذا فقد الإيمان.
وأتذكر أحد الكتاب المأخوذين بقضية الحضارة كان يردد في فترة سابقة: أن الإسلام السياسي همش “الإنسان” بينما القرآن كرمه وأعلى قدره، فكان يحاول أن يزاحم في قضية التأصيل ذاتها، ثم لما اصطدم بسيل الآيات القرآنية في منزلة غير المؤمن، تحولت نغمته السابقة وأصبح يردد: للأسف أن الإنسان في نصوصنا الدينية منزوٍ مهمش لا قيمة له، فتحول من إدانة الإسلاميين المعاصرين إلى إدانة نصوص الكتاب والسنة.
هذه الإلماحة السابقة إنما هي إشارة مختصرة لصلة هذا المذهب الإنساني بأصول الوحي، أما صلته بالواقع فالمذهب الإنساني في الحقيقة رؤية رومانسية حالمة، إذ لا يوجد أصلاً دولة من الدول اليوم شرقيها وغربيها تعمل للإنسان المطلق، بل تجدها تميز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي أو غير ذلك من المقاييس، فكيف نتقبل تمييز هذه الأمم بين المواطن وغير المواطن، ولا نقبل تمييز الله بين المسلم والكافر؟!
ومن أهم الآثار السلبية لهذه الدعوة أنها تضيع الثواب والأجر عند الله للعامل، فبدلاً من أن يعمل الإنسان لنفع المسلمين مبتغياً الثواب عند الله، يصبح يعمل لنفع الناس مسلمهم وكافرهم بهدف إنساني محض لا بهدف التقرب لله.
ومن قدر له أن يعايش بعض الغربيين ولو لفترة محدودة، ويحاورهم حول تصوراتهم عن غاية الحياة، ومعنى السعادة، ووظيفة المال، وقيمة الإيمان، وتفاصيل نظامهم الاجتماعي، فستتأكد له الصورة التي رسمها القرآن عن شخصية الكافر.
من رأى أولئك الكفار لاهثين في لجام الملاذ، منكبّين على الموائد، لا يبالون مأتاها ومخرجها، ولا يرفعون رأساً بطيباتها من خبائثها، ويتضاحكون عالياً في ليلة غاب عنها القمر، ولم يستعدوا للقاء الله طرفة عين، فسيفريه العجب فرياً وهو ينظر إليهم ويتذكر قوله وتعالى في سورة محمد:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ﴾
فعلاً والله .. ألا ما أعظم هذا التشبيه الإلهي، أرأيت كيف تغيب رؤوس الأنعام في قلال العشب لا ترفع أعناقها إلا لتعود مرة أخرى، ليست مهمومة بلقاء الله، ولا تفكر في خالق ولا نبي ولا وحي ولا عبادة ولا بعث ولا حساب ولا عذاب ولا مستقبل أخروي حتى يفجؤها يومٌ يقتص فيه للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، فتلك حياة الكافر.
وانظر إلى كتاب الله كيف يعيد سبحانه هذا التصوير والتشبيه بالأنعام مرة أخرى، مشيراً إلى علة ذلك وهي استغراق هؤلاء المساكين عقولهم وحواسهم في تدبير معاشهم الحاضر والإعراض عن الاستدلال بها على الله والاستعداد للقائه في الحياة المستقبلية القريبة، بل جعلهم هذه المرة في مرتبة أحط من مرتبة الأنعام كما قال سبحانه في سورة الأعراف:
ويأتي سبحانه مرة ثالثة بذات التشبيه، وذات التعليل، وذات المرتبة، فيقول سبحانه في سورة الفرقان:
بل زاد سبحانه وتعالى في بيان دناءة وخسة مرتبتهم فجعلهم سبحانه في مرتبة أسوأ الدواب فقال في سورة الأنفال:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال في موضع آخر من الأنفال:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾
وفي موضع آخر من كتاب الله شبه الله سبحانه وتعالى نوعاً من الكفار بأرذل من ذلك فقال سبحانه في سورة الجمعة:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾
وضرب الله سبحانه مثلاً آخر أشد بشاعة لنوع آخر من الكفار وهم الذين بلغوا مرتبة من العلوم ولكنها لم تقدهم إلى الإيمان بالله، فشبههم بما هو أقبح من كل ماسبق، فقال سبحانه في سورة الأعراف:
فكل من أعرض عن هذا الإسلام ونور الوحي فهو في هذه المرتبة المنحطة، ولذلك وصفهم الله بالرجس لما تبرمت صدورهم عن قبول الإسلام، كما قال سبحانه في سورة الأنعام:
وذكر الله عنهم هذا الرجس في سورة يونس أيضاً فقال سبحانه:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ فيا لله العجب، كيف صار كثير من الأذكياء في مرتبة الأنعام والدواب في المعيار الإلهي؟! بل جعل بعض هذه أحياناً أشرف منهم! آيات قرآنية كأنها ضرب من الخيال في عصر الأنثربولوجيا الفرانكفونية، لكنها حقائق الوحي ..
هذا بعض من صورة “الكافر” في كتاب الله، وهذه مرتبة الكافر في المعايير الإلهية، وهي فقط نماذج أوردتها للمقارنة بفكرة المذهب الإنساني الذي لا يفرق في جنس الإنسان على أساس الإيمان والكفر، ليتبين حجم التناقض والهوة التي ارتكبها هذا المذهب البائس.
فكم هو شعور عاصف بالألم حين يكتشف الإنسان أن معاييره غير تابعة للمعيار الإلهي، فيتفاجأ بمشاعره وأحاسيسه الداخلية تعظِّم من قد حطَّ الله منزلته، وتستهين بمن رفع الله شأنه!
فكيف نكرم من قد أهانه الله، والله تعالى يقول:
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ .
يتيبس الذهول في نظرات المرء حين يرتطم بكارثة معاييره وموازينه الشخصية وهي تتعارض مع معايير وموازين جبار السموات والأرض.
وإن كانت تلك المعايير والموازين الشخصية في كثير من الأحيان معايير مضمرة غير معلنة، لكنها حقيقة غامضة تتنكر في زي التمدن، وتمتح من نبع الهوى، وتظهر آثارها في خلجات الترحيب واستبشار الوجوه.
هذه حقائق الوحي، وهذا حكم الله وقراره، وهذا قضاء جبار السموات والأرض، إن كنا فعلاً نؤمن بالله، ونفخر بمضامين كلامه سبحانه، ونلتزم بمقرراته، ونقدره حق قدره.
أما التحرج من حقائق الوحي، والتدسس عنها مجاملةً لوسائل الإعلام، وتربيتاً على أكتاف الذوق الجماهيري الحديث، فلن تغير من حقائق الوحي شيئاً إلا إن استطعت أن تحجب الشمس بكف أرعشها الخجل.
أفيكون ربنا سبحانه أهون الناظرين إلينا فنجاملهم على حساب وحيه وحكمه وقضائه سبحانه، كيف ونحن نقرأ معيار صريح الإيمان (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت) ؟!
ومما انبنى على هذا “الميزان الإنساني” أن بعض غلاة المدنية إذا تعرض لبعض الشخصيات غير المسلمة ذات الوزن التاريخي إما بسبب منجز معرفي أو بسبب نزعة سلمية فإن بعضهم يتجرأ ويجزم بأنه في “الجنة” وأنه لا يمكن أن يدخل “النار” حتى لو كفر بالإسلام.
ومن الإنصاف أن أذكر أن ثمة فئة من غير المسلمين صادقة في أحاسيسها ومشاعرها، ومخلصة في بذلها لا تطلب مصلحة، ولا حمية لقومها، ولا رياء وظهوراً, ولا حباً في الذكر الحسن، ولا جاهاً عند الناس، ولا طلبا لاحترام الآخرين، وإنما هي نزعة إنسانية رؤوفة محضة من بقايا الفطرة الربانية فيهم، وهذه الفئة المتجردة من حظوظ النفس -وان كانت محدودة عزيزة الوجود بطبيعة الحال- إلا أنه ماذا ستنفعها كل أخلاق الدنيا طالما أنها كافرة بـ “نبوة محمد” صلى الله عليه وسلم؟! ماذا تنفع الإنسان كل أعمال الدنيا إذا كانت نفسه لم تعمرها الضراعة والإخبات ولم تتزك بالعلم بالله ومعاملته سبحانه وتعالى؟!
هذا “أبوطالب” لم يؤذِ مسلماً واحداً, بل كان أذاه للكفار، فقد كان سنداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته فنصره وحامى عنه، وتلطف له وأحبه، بل لقد كان في نفسه يعلم صدق خبر محمد عن نبوته، وبذل جاهه وشيئاً من سمعته في سبيل الذود عنه، بل وأوذي فيه، وما تطاول الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ابوطالب، ومع ذلك هو في ضحضاح من نار، بل لقد نهى الله ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي انتفع بحمايته من أن يدعوا له، ولم يجعل ذلك أبسط الوفاء له! وما ذاك إلا لأنه أعرض عن الإنصياع التام لحكم الوحي.
وهذا عبدالله بن جُدعان ملأ الجزيرة العربية بالأعمال الإنسانية المحضة من إغاثة الملهوفين وإيواء الضعفة ومع ذلك لم ينفعه ذلك لأنه لم ينكسر يوماً بين يدي الله كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
(لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)
وهذا حاتم الطائي كان يتعشق الإحسان للناس في جزيرة قاحلة، ويبذل من ماله الخاص ليطعم الجائع ويكسو العاري، ومع ذلك لم ينفعه ذلك في ميزان الله لا لشيء إلا لأنه لم يؤمن بالوحي، فقد روى أصحاب السير أنه لما وصلت “سبايا طيء” وقفت ابنة حاتم الطائي وقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيء، فقال رسول الله:
(يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً, ولو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه .. )
فليس لأعماله وزن في ميزان الله لأن “قبول هذه الأعمال معذوق بالإيمان” كما يعبر ابن كثير رحمه الله ..
لن يغني هؤلاء الإنسانيين -على قلتهم- أنهم مؤمنون بالله، أو أنهم لم يشركوا بالله في عبادته، أو أنهم قدموا نفعاً للبشرية -كما يقوله بعض المفكرين- طالما أنهم لم يؤمنوا بـ “نبوة محمد” صلى الله عليه وسلم .. ولذلك قال مفسر المعتزلة العلامة جارالله الزمخشري:
(من لم يجمع بين الإيمانين: الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر)
وقد دل على ذلك قوله تعالى في سورة الفتح:
﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾
فمن لم يجمع الإيمانين فهو كافر.
وقد علل الله سبحانه حبوط كثير من الأعمال بالكفر بـ “نبوة محمد” صلى الله عليه وسلم وقرنها بالكفر به سبحانه كما قال تعالى:
وقال تعالى أيضاً:
﴿فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾
فلو فرضنا عملاً إنسانياً محضاً لا يريد به صاحبه مالاً ولا منصباً ولا جاهاً ولا ظهوراً ولا شهرةً ولا تصدراً ولا رياسةً ولا طلباً للذكر الحسن عند الناس ولا أي مصلحة مادية أو معنوية فإن ذلك كله -على فرض وجوده- لا ينفع صاحبه طالما أنه كافر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأعمال الكفار كلها حابطة في ميزان الله بمجرد أن يعرضوا عن شيء من مضامين الوحي كما قال تعالى في سورة محمد:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
وقد شبه الله حبوط أعمال الكفار تشبيهات ذات دلالة بليغة فشبهها سبحانه تارة بالهباء كما قال سبحانه في سورة الفرقان:
﴿وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾
وكشفت هذه الآية أن هذه الأعمال التي جاء بها الكفار يوم القيامة هي “أعمال محمودة” في ذاتها وحسنة في أصلها، لكن الله لم يقبلها منهم ولم تنفعهم، ولو لم تكن محمودة في ذاتها لم يجعلها هباءً, بل لجعلها وبالاً, فإن الآثام تحتسب على الكافر ولا تذهب هباء، وإنما الذي يذهب هباء هو العمل المحمود في أصله لكنه لم يقبل لفوات شرط القبول.
وفي موضع آخر جعل الله أعمال الكفار كالرماد المتطاير كما قال في سورة ابراهيم:
وجعلها في موضع آخر كالسراب الزائف كما قال في سورة النور:
ومما هو لصيق الصلة بهذه الرؤية أنك تجد غلاة المدنية يتحدثون عن خيرية العالم المعاصر، وجمال الإنسانية المعاصرة، ونحو ذلك، ويعتبرون الحديث عن حجم الضلال “نظرة سوداوية” منعكسة عن رؤية همجية ونحو ذلك.
والواقع أن الحديث عن غلبة الفساد والضلال على العالم هي رؤية قرآنية تضافرت آيات القرآن على تأكيدها، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]
وقوله سبحانه:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:116]
وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 20]
وجاءت كثير من آيات القرآن بنسبة أوصاف من الذم إلى أكثر الناس، فقال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال سبحانه ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ وقال سبحانه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ وقال سبحانه ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾
بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر أنه لو آخذ الناس بكل ذنوبهم لما بقي أحد كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾
وقال سبحانه في موضع آخر:
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:41 - 45]
ونحو هذه الآيات الكثيرة التي تكشف غلبة الضلال والفساد في جنس الإنسان بما يتناقض مع الرؤية الحالمة التي يروجها بعض غلاة المدنية.
وخلاصة الأمر أن مفهوم الأنسنة في هذا السياق ينطوي على استبعاد المضمون الديني من صياغة علاقاتنا بالآخرين، وهذا انحراف عن الوحي يؤول بصاحبه إلى مآلات خطيرة، نسأل الله أن يعفو عنا جميعاً.
شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»
شروحات أخرى للكتاب27
سلسلة: التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني — الشيخ طارق مسعد24 حلقةً · نحو 13 ساعة و42 دقيقةعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0150:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0247:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0344:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0440:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0527:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0629:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0727:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0833:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0932:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1030:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1136:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1234:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1340:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1434:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1545:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1628:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1726:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1830:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1922:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2039:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2131:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2224:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2336:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 24 والأخير38:00
سلسلة: مناقشة كتاب مآلات الخطاب المدني — أحمد يوسف الهدهدحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- مآلات الخطاب المدني - نقاط مركزية | أحمد السيدأحمد السيد