تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

مآلات الخطاب المدني

دلالة جدلية المدنية/الخيرية

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 37-39 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمآلات الخطاب المدني

القارئ للتاريخ الإسلامي المبكر يلاحظ أن “البعد المدني” بدأ في التصاعد حتى بلغ ذروته في أواسط تاريخ الإسلام، فعصر النبي صلى الله عليه وسلم كان عصراً يتميز بالبساطة والمحدودية المدنية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقلق على أصحابه أن يكون فارق الإمكانيات المادية بين المجتمع المسلم والكافر مثار شبهة على إيمانهم، وفي تلك القصة التي نقلها عمر بن الخطاب عن الأثاث الداخلي لبيت النبي صلى الله عليه وسلم وموقف عمر منه ورد فعل النبي صلى الله عليه وسلم تجاه ذلك دلالات بليغة في رسم المشهد، حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال:

(رفعت رأسي في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهباً ثلاثة، فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى النبي جالسا ثم قال: «أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا»)

وما إن انتهى عصر النبوة وبدأ عصر الخلافة الراشدة إلا وفتحت الفتوح ومصرت الأمصار وانهالت الأموال وازداد تنظيم الدولة الإسلامية واستحداث الأجهزة الإدارية كالدواوين والعشور والعطاء ونحوها.

وبعد عصر الخلافة الراشدة وتدشين الملك الأموي والملك العباسي انفجرت المعارف والعلوم العقلية والفلسفية والتجريبية، وازدهرت حركة الترجمة وبنيت لها المعاهد المتخصصة، وتنافست المؤسسات السياسية في اقتناء الكتب وعقد مجالس العلوم والمناظرات وتقريب المبدعين، وصنفت الموسوعات الكبرى في شتى الفنون والتي لا زالت مرجعاً إلى اليوم.

وهكذا فإن القارئ لتاريخ الإسلام المبكر يلاحظ كيف كان التقدم المدني يزداد مع تقدم التاريخ، فالملك العباسي أكثر تمدناً مادياً من الملك الأموي، والملك الأموي أكثر تمدناً مادياً من عصر الخلافة الراشدة، وعصر الخلافة الراشدة أكثر تمدناً مادياً من عصر النبوة.

فإذا جئنا نقارن هذه الصورة المتنامية في قيمتها المدنية -بحسب الواقع التاريخي- بالقيمة الدينية -بحسب الميزان الشرعي- وجدنا أن هذه المعادلة التاريخية بعكس الميزان الشرعي تماماً, فهناك تناقض جدلي بين معدل المدنية ومعدل الخيرية، فبينما الخط البياني لمنسوب المدنية يتصاعد فإن الخط البياني لمنسوب الخيرية يتناقص.

وتراجع الخيرية كمعطى يدخل في “محكمات الشريعة” حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً قطعياً لا يتطرق إليه الظن وليس من مسائل الاجتهاد، فقد ذكر غير واحد من أئمة المتخصصين في فن الحديث -كابن حجر والسيوطي وغيرهم- أن حديث “خير الناس قرني” حديث متواتر، حيث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر صحابياً وتناقله عن كل منهم جمع، وقد نص على ذلك المتأخرون الذين أفردوا أعيان الأحاديث المتواترة بتصنيف خاص، وقد خرج جملة من مرويات هذا الحديث البخاري ومسلم، بل أصول دواوين السنة كلها قد خرجت طرفاً من هذه الأحاديث، ومن ذلك ما رواه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«خيرُ أُمتي القرنُ الذي بعثتُ فيه، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم»

وفي الصحيح أيضاً عن عائشة قالت: سأل رجل النبيَّ: أيُّ الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

«القرنُ الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث»

وهذا المعنى الدال على تراجع الخيرية في تلك المرحلة التاريخية ليس متوقفاً أصلاً على هذا الحديث المتواتر، بل هو قدر مشترك بين شواهد شرعية كثيرة ومستفيضة، كما روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً) .

ومن ذلك أيضاً ما روى مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه قال:

صلينا المغرب مع رسول الله ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا فخرج علينا فقال (ما زلتم هاهنا؟) قلنا: يارسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: (أحسنتم أو أصبتم) قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء فقال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لحظة وجوده صمام أمان للمجتمع ينقص المجتمع بفقده، وجعل الصحابة من بعده صمام أمان للتابعين فإذا ذهب الصحابة نقص المجتمع بفقدهم، وشبه ذلك كله بكون بقاء النجوم أمان للسماء فإذا انكدرت النجوم كما يكون ذلك في الانقلابات الكونية الكبرى التي تسبق القيامة فإن السماء تكون قد انفطرت وانشقت كما جاء في سورة التكوير والانفطار والانشقاق وغيرها.

وقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم الأثر الذي تورثه هذه القرون المفضلة في البركة والنصر والظفر على حسب فضلها، كما روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وجابر وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم، فيفتح لهم به، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم، فيفتح لهم به، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: نعم فيفتح لهم به)

ولولا أن لتلك القرون مزيةً وفضلاً في نفسها لما كان مجرد الانتساب إليها سبباً في البركة وتحقيق النصر.

والشاهد من ذلك كله أن البرهان التاريخي قد أثبت لنا أن المدنية تتصاعد، والبرهان الشرعي قد أثبت لنا أن الخيرية تتناقص، وهذه المعادلة الدقيقة من أعظم البراهين على أن الحضارة والمدنية المادية ليست هي المقياس الإلهي لقيمة المجتمعات والأمم، إذ لو كانت الحضارة -بمعناها الشائع- هي المقصد الأساسي للشريعة لكان العصر العباسي الذي ازدهرت فيه العلوم العقلية والتجريبية أفضل من عصر الصحابة، ولكان عصر الصحابة الذي توسعت فيه الدولة ونظمها خير من عصر النبوة التي كانت فيها حياة محمد وخاصةِ أصحابِه قوتاً كفافاً.

وبعض غلاة المدنية يصرح ويقول: بأن عصر المأمون العباسي أرقى وأفضل من عصر أبي بكر الذي تم فيه الاستيلاء على السلطة في حادثة السقيفة، وهذا التفضيل المصادم للوحي انعكاس للمغالاة في قيمة الحضارة المادية والزهد في مضامين العلوم الإلهية، وهو مما يؤكد أن “الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي” كما سبقت الإشارة.

يهمنا التذكير هاهنا بأن هذه المعادلة التي أشرنا إليها لا نعني أنها قانون كوني مطرد، بمعنى أنه ليس كل تطور مدني ينبني عليه تراجع شرعي، بل هي واقعة عين تاريخية أردنا استكشاف دلالاتها، والدرس الجوهري فيها بالنسبة لنا هو أنه طبقاً لتصوراتنا الإسلامية الخاصة فإن الخيرية مرتبطة بالجوهر الإيماني والأخلاقي، وليس المظاهر المدنية والمادية.

شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»

شروحات أخرى للكتاب27

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ