مآلات الخطاب المدني
إشكاليات مُثارة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
أثار بعض المعلقين على مقالة “مآلات الخطاب المدني” المنشورة في مجلة العصر عدداً من الإشكاليات، خصوصاً في المنتديات الحوارية التي تعكس الثقافة الشبابية السعودية.
وبالمناسبة فهذه المنتديات لا يزال كثير من الدارسين يجهل غِناها في تزويد الدارس بمعطيات وعينات البحث في صورتها الطبيعية دون مداراة السياج الاجتماعي واعتبارات المجاملة، فهذه المنتديات تعتبر ترمومتراً دقيقاً لقياس النبض الفكري لشريحة “الشاب المتطلع للثقافة” , ومن أراد أن يعرف كيف يفكر الشاب المثقف السعودي فلا مناص له من رصد واستكشاف منظم لتلك المنتديات عبر جولات دورية هادئة تتأمل في تلك التساؤلات المشبوبة التي تتقاذفها تلك الأقلام بلا مجيب يمتص ذلك القلق، وكثيراً ما تكون فترات الاسترخاء أصدق لحظات التعبير عن التناقضات الداخلية.
وقد أرسل لي عدد من القراء الكرام استفساراً عن هذه الإشكاليات المثارة، وقد لاحظت أن هذه الإشكاليات تدور حول أربع إشكاليات تكرر السؤال عنها: هل المقالة تهدف لإلغاء المدنية؟ وهل المقالة تستهدف التعميم؟ وهل التزهيد في الدنيا هو منهج صيانة الهوية ومقاومة التغريب؟ وهل المقالة كرست الفهم السلفي للنصوص ووأدت مشروع التجديد؟
وتبعاً لما لهؤلاء القراء الكرام من منزلة وتقدير فقد شعرت بأهمية كتابة “ملحق توضيحي” مختصر يعالج هذه الإشكاليات الأربع.
ويعنيني كثيراً أن أؤكد للقارئ مجدداً حرصنا المشترك -بإذن الله- على تجنب شخصنة هذه القضية الرئيسية، وأن نستمر سوياً في التركيز على مناقشة التصورات والأفكار والمقولات بعيداً عن الأسماء والأشخاص والتصنيف والتقييم، إذ الاشتغال بالأشخاص من أعظم ذرائع فساد النية وتهيُّج نزوة الانتصار للذات واضمحلال القضية، وهذا أمر مشاهد أكدته التجارب.
أولاً: إشكالية “أن المقالة تدعو لإلغاء المدنية” :
الحقيقة أنني كنت أعلم مسبقاً أن بعض “غلاة المدنية” سيروج عن المقالة أنها تستهدف إلغاء المدنية، لأنهم يعتبرون أن أي إنزال للمدنية المادية إلى مرتبة الوسيلة -التي هي دون الإيمان والفرائض- فإنه يصب في إلغائها، ولذلك لم أتفاجأ كثيراً بترويجهم المغلوط، فإذا كانوا قد تعسفوا في النصوص الشرعية، وانتقصوا أئمة القرون المفضلة، ومارسوا عملاً إعلامياً منظماً لتشويه الاتجاه الإسلامي وفقهائه ودعاته الكبار الذين لهم من السابقة الدعوية والفضل على من بعدهم، فكيف بمقالة متواضعة لم تأتِ بجديد بل قصاراها أن تكون لبنة في هذا الطريق.
والمقصود أن المقالة الأساسية قد جاء في مواضع كثيرة منها أن هدف المقالة ليس “إلغاء المدنية” وإنما “ترتيب الأولويات” , فالمقولة المركزية في خطاب غلاة المدنية هي “أولوية الحضارة” بمعناها الدنيوي المجرد، أما المقولة المركزية في خطاب الاتجاه الشرعي فهي “أولوية تحقيق العبودية” بمعناها الشامل، والتي تندرج فيها أعمال الحضارة بحسب منزلتها في “سلم النصوص الشرعية” , فليس كل عمل دخل في تعريف الحضارة يكون مطلباً بهذه اللغة الهوجاء التي يعبر بها غلاة المدنية ويستطيلون بها على الناس.
بل بعض أعمال الحضارة فرض كفائي كالطب وأصول الصنائع التي يحتاج إليها المسلمون، وكالتصدي للعدل العام، وبعضه من الفضول الذي يشرع الزهد فيه بلا معرة من ملابسته، وبعضه من المحظورات التي تعكس الظلامية والانحطاط كأكثر الفلسفة الغربية الضالة، والنظام الاقتصادي الربوي الميسري، والنظم الجنائية المتخلفة عن هداية العقوبات الشرعية، والفنون الجمالية الغربية التي يقوم كثير منها على السفور والتماثيل وإغراق الشاشة بمشاهد التخلع وتطبيع العلاقات غير المشروعة وإتاحتها للصغير والكبير، والأعمال الأدبية المشحونة بلحظات المجون والاستهتار بالتصورات الغيبية، وغيرها كثير مما يدخله الكثيرون في معنى الحضارة.
والمراد أن لدينا نحن المسلمين تصوراً “مختلفاً” عن مفهوم “الحضارة” هو أرقى من كل ما عرفته البشرية من حضارات، نتيجة استمداده من “تنوير الوحي” كما خاطب الله تعالى العالم كله بقوله سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء:174]
وقد امتن الله علينا بهذه “الاستنارة الإلهية” فقال سبحانه:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257] .
وهذا التصور “المختلف” لمفهوم الحضارة يقوم أولاً على الفحص والتفصيل والفرز بين تطبيقات الحضارة المشروعة وغير المشروعة على ضوء حاكمية الوحي الإلهي وهدي القرون المفضلة، ثم ينزِّل كل تطبيق من تطبيقات الحضارة المشروعة في موضعها الصحيح طبقاً للمفاهيم الشرعية كمفهوم “إعداد القوة” , ومفهوم “اتخاذ الأسباب” , ومفهوم “الفرض الكفائي” , ومفهوم “الوسيلة” , ومبدأ “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب” , وغيرها من المفاهيم القرآنية النبوية السلفية التي تضع تطبيقات الحضارة في مراتبها الصحيحة حسب خلاصة توازنات النصوص الشرعية، بلا تطرف غلاة المدنية ولا جفاء الرهبانية.
وكل من أعرض عن قواعد الشريعة في تنظيم تطبيقات الحضارة وقع في التخبط والخلط فلم تسلم له حضارة دنيوية ولا مستقبل أخروي، كما أن كل من عظَّم حاكمية الوحي على تطبيقات الحضارة اهتدى في تطبيقات الحضارة إلى موضع الفرض الكفائي، وموضع المباحات والفضول، وموضع المحظورات والمحرمات، كما يهتدي أيضاً إلى قواعد “فقه الأولويات” فيراعي تقديم أصل التزكية على العمارة المادية، وتقديم الفرض العيني على الفرض الكفائي، وتقديم النفع العام على النفع الخاص، وغيرها من المبادئ المنظمة، فيسير في هذا الطريق على نور من الله.
وشتان بين من استهدى بكتاب الله وبين من استقل بنظره الشخصي المجرد في التعامل مع مفهوم “الحضارة” وإرسال عبارات الطلب المطلق، حتى أصبح مفهوم “الحضارة” المجرد هو ذاته مقولة مرجعية حاكمة يتسلط على الناس بها في مزاحمة مبادئ الشريعة، ولذلك قال تعالى في موازنة هذين الطريقين:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]
وقارن سبحانه وتعالى من وجه آخر فقال:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: 14] والمتابع لخطاب بعض المتطرفين في مفهوم “المدنية” يلاحظ شدة تبرمهم من الإصرار الإسلامي على الاستمداد من “تنوير العلوم الإلهية” وهذه ظاهرة قديمة كما قال تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:32]
والمقصود هاهنا أن هذا المعنى وهو أن المقالة لا تهدف لإلغاء المدنية جاء ذكره صريحاً في المقالة الأساسية -وأعتذر مسبقاً للقارئ من اضطراري لاقتباس بعض الشواهد لبيان المغالطة في قراءة غلاة المدنية- حيث جاء في مقالة مآلات الخطاب المدني:
(فهذه الفقرات السابقة لم يكن الهدف منها “إسقاط قيمة المدنية” , أو إلغاء أهمية الحضارة، أو ترسيخ حالة الاستهلاك والتبعية في مجتمعاتنا المسلمة، وإنما كانت مجرد مساهمة في إعادة “ترتيب أولويات” المثقف المسلم) ص 120
فكل ما كتبته في المقالة الأساسية كنت أتكلم فيه عن “الغلو المدني” وكنت أناقش فيه مقولات المتطرفين في مفهوم المدنية، لا المعتدلين المقسطين فيها.
وأوضح تعريفات “الغلو المدني” هو: (جعل المدنية المادية هي المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات) بما يعني تحويلها إلى غاية في حد ذاتها لا إلى وسيلة، وبالتالي يؤول الأمر إلى الإزراء بالقرون المفضلة واللهج بتعظيم الكفار، ثم انفراط بقية مسلسل الانهيارات الذي بات معروفاً اليوم.
ولم يكن نقدي موجهاً أصلاً إلى الاعتدال المدني المحمود، بل بالعكس فقد جاء التنويه المستمر بالقرون المفضلة، والاتجاه الإسلامي المعاصر الذي احتذى حذوهم، لأنهما وقفا من الحضارة موقفاً شرعياً معتدلاً.
وقد جاء توضيح الموقف من أهمية إعداد القوة والإمكانيات صريحاً في المقالة في مواضع متعددة من مطلعها إلى خاتمتها، ومن ذلك:
(أما استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الوسائل والإمكانيات فهذا واجب شرعي محكم لإخلاف فيه، فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة إلى الإمكانيات الحديثة لإبلاغ الرسالة الإسلامية) ص 120
وجاء في المقالة أيضاً:
(ومثل هذه الغاية الإلهية الشريفة لا تتحقق إلا باتخاذ الوسائل الشرعية من إعداد القوة والإمكانيات) ص 120
ثم ذكرت المقالة أدلة وجوب إعداد القوة، كآية الإعداد، وحديث اليد العليا، وغيرها، كما وضحت المقالة أن المقصود ليس تحريم الطيبات حيث جاء فيها:
(كما إن الاستمتاع بالطيبات مما جاءت الشريعة بتقريره كما قال تعالى) ص 121
ثم ذكرت المقالة الأدلة الشرعية على مشروعية الطيبات، وبيان “وجهي الموقف الشرعي” وهو الاستفادة من المنجزات الحضارية لكن مع الوعي بأولوية المشروع الإيماني، كما جاء في المقالة:
(فالنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق، ومشروعية الغيلة، والتبادل التجاري، وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين، وراسلهم، واتخذ خاتماً لمراسلته كما هي عادتهم، وقبل هداياهم كما قبل هدية ملك أيلة والقبط، وأكل من طعامهم، ولبس من منسوجاتهم، وشارك يهود خيبر في نخيلهم، وغير ذلك من أوجه التواصل الشرعي، لكنه مع ذلك كله بين ضلالهم وانحطاطهم وظلاميتهم بسبب إعراضهم عن نور الوحي) ص 50
وأكدت المقالة أن ذم الشارع للكفار ليس ذما للمنجزات الحضارية، ولكنه ذم لتخلف هؤلاء الكفار عن أنوار الوحي، كما جاء في المقالة أيضاً:
(وهذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضارية والفنية قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم ليس ذماً لتلك المنجزات لذاتها، وإنما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية، فلم يصلوا إلى الرقي والسمو الحقيقي وهو مرتبة العبودية)
بل ذكرت المقالة “فضل المدنية الدنيوية” والثواب عليها إذا كانت موجهة لنصرة الإسلام وتحقيق قيمه ومضامينه، ومن ذلك ما جاء في المقالة:
(ويهمنا في هذا الحديث الإشارة إلى فضل الممتلكات والإمكانيات الدنيوية حين توجه إلى نصرة الإسلام ويبتغى بها وجه الله، حتى أن الإنسان يؤجر على تفاصيل حركاتها التي تقع منها أثناء فعل الطاعة وإن لم يقصد الإنسان تلك التفاصيل، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من شراح الصحيحين) ص 121
وحين عرض الحديث عن المصالح المدنية وعلاقتها بالشعائر ذكرت المقالة ارتباطها بها لكن مع التنبه إلى خطورة اختزالها فيها:
(أما تهذيب الأخلاق الاجتماعية وإقامة المصالح العامة فهي من جملة غاياتها ومقاصدها التي يحبها الله، لكن لا يجوز اختزالها فيها وقصرها عليها) ص 90
كما ذكرت المقالة فضل الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام:
(فإن التصدي للقيام بالعدل العام من أشرف معاني هذه الآية ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من ضحى بنفسه من أجل العدل العام من “سادة الشهداء” والسيادة في الشهادة أمر زائد على مجرد الشهادة، ووجه كونه “شهيداً” أن التصدي للعدل العام من أفضل منازل “الجهاد” ) ص 94
ثم ذكرت الأدلة الشرعية على ذلك كحديث سيد الشهداء، وحديث أفضل الجهاد، وعقوبة أهل مدين على مظالم الأموال العامة، وعقوبة فرعون على استعلائه واستضعافه السياسي لقومه، ثم تأييد ذلك باقتباس شاهد عن أبي حامد الغزالي يلخص موقف السلف في الانكار على الأئمة والولاة، مختوماً ببيان الموقف من الاحتساب السياسي:
(والغاية من هذه الإشارة المختصرة تأكيد قضيتين متوازيتين لا يمكن فصلهما، أولهما: أن التصدي للعدل العام منزلة من أشرف منازل الجهاد، وثانيهما: أن حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي لا يكون عن طريق الإزراء بأئمة القرون المفضلة ولا باختزال الشريعة في هذه القضية.) 96
بل إن “آخر نتيجة” تم اختتام المقالة بها كانت هذه النتيجة التالية:
(-أن استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الإمكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.) ص 121 وغير ذلك كثير من الإشارات الواردة في ثنايا المقالة، والتبيين تؤكد كلها، أن الغاية من المقالة “ترتيب الأولويات” وليس “إلغاء المدنية” , وهذا ظاهر في المقالة لا يحتاج إلى تكلف ولا عناء لفهمه.
أرأيت عزيزي القارئ أن هناك حالة من “إرادة عدم الفهم” لدى بعض غلاة المدنية؟ حيث روجوا عن المقالة أنها تستهدف إعدام المدنية، فهذا تدليس على فكرة المقالة في أساسها، وبالتالي “تفويت للحوار النافع المثمر” فإن نسبة قول لقائل يقول بخلافه ثم مناقشته على هذا الأساس تضييع للوقت وتهرب من محل الإشكال، فاختاروا أن يردوا على “الرهبانية” بالرغم من أنه لا ظاهرة تقول بها اليوم أصلاً؟! وهذا إقرار ضمني بصحة منهج القرون المفضلة، بحيث أن المجادل يتهرب من مقولتهم الأساسية والتي هي غائية “تحقيق العبودية” ويذهب يرد على “الرهبانية” , لاعترافه الضمني أن تحقيق العبودية هو الغاية التي تواردت عليها نصوص الوحي.
ثانياً: إشكالية التعميم:
أما دعوى التعميم وأني حشرت أشخاصاً كثيرين في مرمى النقد، فقد استغربت حقيقة من هذه الدعوى، ذلك أن الذي أعرفه أن التعميم المذموم هو “وضع المتفاوت في مرتبة واحدة” وهو ما يسميه الأصوليون “المساواة بين المختلفين” ويقابله عندهم التعميم المحمود وهو “عدم التفريق بين المتماثلين” , ولذلك يتعامل الابستمولوجيون مع “التعميم” كأحد خطوات المنهج العلمي لصياغة القانون العلمي، الذي يكون بتصفح واستقراء الظاهرة ثم استبعاد العارض والطارئ واستخلاص القدر المشترك، وتعميمه كقانون يطبق على الحالات الجديدة.
والمراد هاهنا أن “التعميم المذموم” يعني ذكر شخصيات متفاوتة وتحميل بعضها أخطاء البعض الآخر، فإذا كانت المقالة كلها مجردة أصلاً من ذكر أسماء الأشخاص فكيف يطالهم التعميم مع غياب المحل؟!
لست أدري كيف يقع التعميم على أشخاص في مقالة لا أشخاص فيها؟! بل كل ما في المقالة إنما هو مناقشة “أفكار مجردة” و “تصورات عامة” معزولة عن ذكر الأسماء والأشخاص.
ومع ذلك فلم أكتف بتجريد المقالة من أسماء الأشخاص بل لقد نصصت في مطلع المقالة على أن هناك كثير من الشخصيات التجديدية لازالت تحتفظ بموقعها الإسلامي المحترم، حرصاً مني على النأي بنفسي عن التعميم المذموم، حيث قلت نصاً في المقدمة:
(صحيح أنه لا تزال هناك شخصيات تجديدية تحتفظ برزانتها الشرعية واستقلالها السياسي وينتصب أمامها المرء بإجلال صادق -وهم كثير ولله الحمد- إلا أننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة تكاد عيون المراقب تبيض من الحزن وهو يشاهد جموحها المتنامي)
وكانت هناك عدة أهداف من تجريد المقالة من ذكر الأسماء والشخصيات، منها التجافي عن الشخصنة، ومنها النأي عن التصنيف، ومنها أن غلاة المدنية ليسوا في مرتبة واحدة، بل هم متفاوتون تفاوتاً لا ينضبط طرفاه، فحشرهم سوياً في مساق واحد يوهم تماثلهم في السقطات، مما يتعارض مع فريضة القسط.
ولذلك تجنبت التسمية وابتعدت عن الأشخاص، وناقشت أفكاراً وتصورات مجردة معزولة عن ذكر الأسماء، وقلت صريحاً في “مدخل المقالة” :
(ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل، أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفادياً للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتاً كبيراً في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها، فمستقل من هذه الظواهر ومستكثر، فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل، الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف).
برغم أن بعض الإخوان الفضلاء الذين استشرتهم في مسودة المقالة انتقدوني لأني ناقشت أفكاراً غير معزوة لأشخاص، وطلبوا مني أن أصدِّر كل فصل بذكر “بعض النقول” عن غلاة المدنية ثم أناقشها، ولكني حين وازنت من جديد بين مصلحة “التوثيق” ومفسدة “الشخصنة” رجح في نظري ما كان راجحاً من قبل وهو أن مفسدة الشخصنة تفوق مصلحة ذكر الأسماء فرقاً عظيماً, ففضلت هذا القصور التوثيقي على أن أقع في التجريح والإيذاء الشخصي، والانجراف إلى غواية التصنيف ونصب مجالس الحكم بين عباد الله.
فإذا كانت المقالة كلها لا تتضمن أشخاصاً وإنما هي مناقشة أفكار وتصورات، فأين التعميم يارحم الله هذا القائل؟ فالمقالة لم تبتعد عن التعميم فقط، بل ابتعدت عن ذريعة التعميم، وهو حشر الأسماء حتى لو مع بيان تفاوتها.
ثالثاً: إشكالية “منهج صيانة الهوية ومقاومة التغريب” :
أصبح هناك اليوم منهجان واضحان لصيانة الهوية ومقاومة تهديدات التغريب، وإذا شئنا أن نتجاوز المفاهيم الثقافية إلى جوهر الإشكالية في عبارة بسيطة فإن الفتنة التي تعرض للشباب المسلم اليوم هي “استعظام دنيا الكفار” , والمراد أن هذه الفتنة المعاصرة خلقت منهجين لمقاومتهما، كلاهما يحاولان الإجابة على اشكالية “مقاومة تهديدات التغريب” وهذان المنهجان:
أولهما: منهج “تعظيم الدنيا” ويستهدف هذا المنهج إعادة عرض الوحي في صورة المعظِّم لشأن عمران الدنيا، وإعادة عرض التراث باعتباره ينشد الحضارة والمدنية الدنيوية، وهدف هذا المنهج من إعادة رسم المشهد بهذه الطريقة “تلافي الاصطدام بين سطوة الحضارة والدين” حتى لا يتخلى الناس عن عقيدتهم وإيمانهم وتراثهم إذا رأوها لا تدفع باتجاه الحضارة الدنيوية، وهذا المنهج أخذ به بعض المنتسبين للُّغة الدعوية الحديثة، ولا يشك الإنسان أن كثيراً منهم أخذ بهذا المنهج بحسن قصد بهدف تقريب الإسلام للناس وخصوصاً للطبقات المثقفة بالثقافة الغربية المعاصرة، حيث يردد كثيراً أصحاب هذا الاتجاه (أن آخر ما يمكن أن نقاوم به التغريب هو التزهيد في الدنيا) .
وثانيهما: منهج “تعظيم العبودية” ويستهدف هذا المنهج تربية الناس -والشباب خصوصاً- على ما تواتر عليه القرآن والسنة وفقه القرون المفضلة من “تعليق القلوب بالآخرة” , والاستعلاء على حطام الدنيا وزهرتها، واعتبارها مجرد وسيلة نحرص عليها لننصر مبدأنا لا لكونها عظيمة في ذاتها، وترسيخ هذا المعنى في النفوس.
فإذا امتلأ قلب الشاب المسلم بمعاني “تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا” أصبحت القرون المفضلة في وعيه أرقى المجتمعات وأشرفها بما بلغته من تنوير العلوم الإلهية ومنازل العبودية ثم الاجتهاد في تحصيل وسائلها الدنيوية مع عدم الركون إليها، وأصبح المجتمع الغربي في نظره حالة من الانحطاط والظلامية بسبب ما سُلِبه من تنوير العلوم الإلهية والإعراض عن الله، والاستغراق في تدبير المعاش الحاضر وعلم ظاهر الحياة والدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وهذا المنهج أخذ به جماهير الإسلاميين اليوم ولله الحمد.
والواقع أنه عند التأمل والتدبر يكتشف الإنسان -بكل بداهة- أن المنهج الثاني هو المنهج الذي أخذ به النبي صلى الله عليه وسلم، وربى أصحابه عليه.
فإن أصحاب النبي رضوان الله عليهم لم يستطيعوا أن يدكوا حضارة فارس والروم إلا حين زكى النبي صلى الله عليه وسلم نفوسهم وربى فيهم تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا، والشموخ بالعلوم الإلهية، فرباهم على ذلك بكل حدث يمرون به، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل الأحداث والوقائع لترسيخ معنى إرادة الله والدار الآخرة في نفوس أصحابه والاستعلاء على مظاهر الدنيا واعتبارها مجرد وسيلة لبناء المستقبل الأخروي.
والشواهد والمستندات التي تؤكد أن هذا المنهج هو “المنهج النبوي” في مقاومة تهديدات الهوية كثيرة جداً, بل أكثرها يعرفها القارئ الكريم، ومنها على سبيل المثال أنه حين مر النبي صلى الله عليه وسلم بالجدي الأسك استغل الحادثة وربى في أصحابه حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة، فكما روى مسلم من حديث جابر:
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به. قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت؟! فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).
وحين أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية، أعاد ذات الدرس عليهم، فكما روى البخاري عن البراء بن عازب قال:
(أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سرقة من حرير، فجعل الناس يتداولونها بينهم ويعجبون من حسنها ولينها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون منها؟ قالوا: نعم يارسول الله. قال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة خير منها)
وحين تضايق عمر من بذاذة بيت رسول الله بالنسبة إلى قصور الحضارات الأخرى، رباه النبي صلى الله عليه وسلم بحزم على هذا المعنى، حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال:
(رفعت رأسي في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهباً ثلاثة، فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى النبي جالسا ثم قال: «أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا»)
هذا الحوار العظيم بين النبي وعمر من أدق المشاهد التي تحكم بين المنهجين السابقين وتفصل فيهما، فحين عبَّر عمر عن تألمه وهو يقارن “المظاهر الدنيوية” في الحضارة الفارسية والرومية بمحدودية المجتمع الإسلامي، لم يعبر له صلى الله عليه وسلم عن “تعظيم الدنيا” ليداري سطوة الحضارة عليه، فلم يقل له النبي إن لدينا نصوصاً كثيرة في فضل عمران الدنيا ونحن نسعى لبنائها أيضاً.
بل بالعكس من ذلك تماماً, فقد حذره من أن يغتر بتلك المظاهر المدنية الدنيوية، وأعاد تذكيره بقطب رحى الإسلام “مركزية الآخرة” , وخاطبه بعبارة شديدة فيها استعظام لموقف عمر، فقال له «أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا»
وفي رواية أخرى في الصحيحين أن النبي قال له: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».
هذه هي التربية النبوية، وهذا هو منهج النبوة في مقاومة سطوة الحضارات الأخرى، أما إذا أكدنا للمتسائل عظمة الدنيا فقد أججنا دوافع الانبهار أصلاً, وصببنا الزيت على النار، ذلك أن استعظام دنيا الكفار لا يعالج بـ “تعظيم الدنيا” , لأنه وبكل بساطة لا يعالج الأثر السلبي بتكريس دوافعه! فهل عالج القرآن الركون بتأكيد احترام الإسلام للدعة؟ وهل عالج القرآن التثاقل إلى الأرض عن الجهاد بتأكيد احترام الإسلام لجبلَّة كراهية القتال؟ وتأمل في كل الآثار السلبية لا تجد القرآن يعالجها بتأكيد دوافعها، وهذا أمر ظاهر.
وإنما يحسن بيان “أهمية الدنيا” في حالتين فقط: إما أن يوجد مثقف يظن أن الإسلام يدعو للرهبنة وتحريم الطيبات والرفاه، فهذا يبين له أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين من أكل الطيبات، وأن الله لم يحرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وأنه من أَخذ المال بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، وأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ونحو ذلك.
وأما الحالة الثانية: فهي أن يوجد شاب متحمس يظن أن العمل للاسلام لا يستحق تحصيل الأسباب والسعي فيها وأنه ليس ثمة سنن كونية للنجاح الإصلاحي، فهذا يبين له أمر الله بإعداد القوة واتخاذ الأسباب، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن النبي ظاهر بين درعين، وقال ألا إن القوة الرمي، وأن قوم شعيب قالوا (ولولا رهطك لرجمناك) , ونحو ذلك.
فمثل هذين الحالين -وإن كانا ليسا شائعان بحمد الله- يحسن فيهما بيان أهمية الدنيا لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام، أما تحويل الخطاب الديني كله إلى شحن قلوب الناس والشباب المسلم بتعظيم الدنيا والمغالاة في قيمة المدنية المادية وإقرار كونها المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات فهذا انحراف مصادم للمنهج القرآني والتزكية النبوية وهدي القرون المفضلة.
ومما يؤكد ما سبق أنه حين جاءت الجزية من البحرين صلى بعض الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم متعرضين له عله أن يصيبهم من المال فأعاد النبي درس الدنيا/الآخرة فكما روى البخاري في الصحيح عن عمرو بن عوف الأنصاري:
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم)
وهذا المعنى وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخشى الفقر على أمته، بل كان يخشى عليهم المنافسة في شؤون الدنيا، أعاده عليهم بحروفه، وذلك حين صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين، كما روى البخاري في الصحيح عن عقبة بن عامر قال:
(صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم).
بل كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقارن بين قيمة الدنيا وقيمة الآخرة، فكما قارن بين مناديل سعد في الجنة والدنيا، فإنه قال كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم:
(لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة، أو موضع قيد يعني سوطه، خير من الدنيا وما فيها)
وقد كان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على أن الرفاه التام إنما هو في الآخرة، وأن الكفار هم الذين يتتبعون ألوان الرفاه في الدنيا كما نبههم على ذلك حين حرَّم الحرير وآنية الذهب فقال لهم:
(لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) خرجاه من حديث حذيفة.
بل تأمل في صورة الدنيا كلها كيف ضرب لها النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً فريداً فقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).
وضرب لها مثلاً آخر فقال صلى الله عليه وسلم:
(لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ماسقى منها كافراً شربة ماء)
ومن وجه آخر لم يكتف الخطاب القرآني ببيان وسيلية الدنيا وخطر تعظيمها فقط، بل كانت آيات القرآن تتنزَّل على مجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوالية في وقائع متتابعة تؤكد مرة بعد أخرى على تعميق الشعور بفرادة المجتمع المسلم وعلوهم على كل قوى المجتمعات الدنيوية الكافرة، انظر كيف تزكيهم آيات القرآن بهذا المعنى:
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:139]
والخطاب في هذه الآية ليس لرسول الله بل هو لـ “المؤمنين” في مجتمع الصحابة ومن بعدهم، كم هي دلالة عميقة أن تكون هذه الآية نزلت أصلاً في لحظة “انكسار عسكري” أمام قوى الكفر، ومع ذلك يؤكد لهم تعالى أنهم “الأعلون” , بل ولا يعتبر هذا المعنى مجرد “تشريف” بل هو “عقيدة” ولذلك ربط التمسك بها بصحة الإيمان فقال “إن كنتم مؤمنين” .
هذا المعنى لـ “علو الإيمان” لا يعقله غلاة المدنية، ولذلك إذا رأو بعض الدول الإسلامية المستضعفة تتساقط تحت قوى الإمبريالية الغربية، يرددون أن دعاة الإسلام هم باعة الوهم ومروجوا التضليل وتغييب الوعي إذ خدرونا بشعار “استعلاء الإيمان” ونحن نتساقط تحت قوى الكفر.
وهذا من أبين الأدلة وأظهرها على أن المعيار الإلهي لقيمة المجتمعات ليس هو “مظاهر القوة المدنية” بل المعيار الإلهي هو “العبودية” بمعناها الشامل، الذي تكون فيه التزكية الإيمانية وفروض الأعيان في هرمه، ويليها الفروض الكفائية ومصالح المسلمين العامة.
وعلى أية حال أمثال هذه النصوص الشرعية لا تخفى القارئ العزيز قطعاً, بل هو يعرف مثلها وزيادة، وإنما المقصود تذكير النفس والإخوان بها، والإشارة إلى طرف من البراهين الكثيرة على صحة المنهج الإسلامي في صيانة الهوية ومقاومة تهديدات التغريب، وضعف المناهج الحديثة.
وكون الدنيا وسيلة للآخرة، يؤكده ما ذكره بعض محققي الأصوليين من أن وظيفة التشريع إقامة مصالح الدنيا لتقوم مصالح الآخرة، كما قال الإمام ابوحامد في الإحياء:
(وأحكام الخلافة، والقضاء، والسياسات، بل أكثر أحكام الفقه، مقصودها: حفظ مصالح الدنيا، ليتم بها مصالح الدين).
مع أن هذه بعض وظائفها، إلا أنه ربطها بالهدف النهائي وهو إقامة الدين، والكلام على تعليل الشريعة سبق في المقالة الأصلية.
ومن تأمل في “تراجع الخيرية” في قرون الإسلام الأولى علم أنه كلما ابتعد الناس عن نور النبوة الأولى والتربية النبوية الأخروية فإنه يحصل لبعض المنحرفين في المجتمع الإسلامي من الانبهار بالثقافات المجاورة ما لا يحصل لسابقيهم، وهذا كله بسبب ما نقص في قلوبهم من تعظيم الآخرة عمن سبقهم، وما داخل القلوب من التثاقل إلى الأرض.
بل إن من تأمل لحظة ارتطام الفكر الإسلامي بسطوة الحداثة اليونانية في تاريخ الإسلام المبكر وكيف سببت ارتجاجات وفقدان تماسك لدى كثير من العباقرة والأذكياء، علم أن أئمة الإسلام الذين ثبتوا في تلك المحنة لم يتمكنوا من مقاومة تلك الأعاصير الحداثية إلا حين كانت العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم الرسل أعظم في نفوسهم من كل ما سواها، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.
وهذه البراهين السابقة إنما هي مستقاة من دروس القرآن والسنة وهدي القرون المفضلة، أما لو شئنا الانتقال إلى “النتائج الواقعية” وقارنَّا مثلاً بين “مخرجات المدرسة التربوية الإسلامية” وبين مخرجات الخطاب الديني المتبني لـ “تعظيم الدنيا” فسنرى البون الشاسع في الفعالية والنجاعة.
فمخرجات المدرسة التربوية الإسلامية عميقة الإيمان بمرجعية الوحي، وشديدة الاعتزاز بسلفها، متشبعة بقيم العمل للاسلام والغيرة على الدين، وراسخة الإيمان بظلامية الثقافة الغربية، وجادَّة في امتلاك الوسائل الحديثة كالتخصصات العلمية والمؤسسات الاعلامية وتوظيف التقنيات البرمجية والاتصالية، وغير ذلك مما هو ظاهر لكل أحد، فانظر كيف أن اتِّباع منهج الوحي وهدي القرون المفضلة في تعظيم الآخرة لم يقدها إلى الرهبانية كما يزعم غلاة المدنية، بل قادها إلى النجاح في تنظيم هرمية اهتماماتها بشكل صحيح، فكانت تلك المخرجات التربوية أنجح من غيرها في دينها ودنياها ولله الحمد.
وبالمقابل قارن ذلك بمخرجات الخطاب الديني المتبني لـ “تعظيم الدنيا” تجد من يتصالح معه من العلمانيين لم يتزحزحوا عن علمانيتهم قيد أنملة، ومن استمع له من الشباب الدعاة وتشبع بمفاهيمه تجد الكثير منهم اضطربت معاييره، فنقصت هيبة السلف في نظره، وارتفعت قيمة الكفار، وبدأ يشعر بسذاجة المشروعات الدعوية الإيمانية، ثم خسارة “المكتسبات السلوكية” الراقية التي تربى عليها، وغير ذلك من المظاهر المعروفة.
فأين هذا المنهج من ذاك؟
وأساس الخلل الذي لم يتنبه له خطاب “تعظيم المدنية الدنيوية” هو أنه يمارس دون وعي “إعادة تشكيل داخلي للمعايير” بما يتناقض مع المعايير الإلهية لقيمة المجتمعات والشخصيات والثقافات والأمم.
صحيح أن من اقترب من بعض النخب المثقفة ممن ابتلي بالتبرم بدين الله فسيرى أن محاولة إبراز معاني المدنية في القرآن والسنة والتراث لهم يساهم في تخفيف احتقانهم، لكن هذا المنهج وإن كان يخفف بعض الاحتقان لدى أمثال هؤلاء إلا أنه يدمر الشاب المسلم الذي تربى على معاني الإيمان ووقر في قلبه إيثار الله والدار الآخرة.
وأصدقك القول أيها القارئ الكريم أنني تأملت كثيراً في ظواهر الانحراف الثقافي في صحافتنا ومنتدياتنا -وخصوصاً في مستوياته الشبابية- فرأيت أنه إذا تشرب قلب الشاب “تعظيم المدنية الدنيوية” و “الغلو في الحضارة المادية” بحيث أصبحت “معياره” في تقييم المجتمعات والشخصيات قاده ذلك “تدريجياً” إلى زهاء خمسة عشر كارثة:
التحييد العملي للنص، والإزراء بالقرون المفضلة، والاستخفاف بقيمة علوم الشريعة، واللهج بتعظيم الكفار، والسرور بالحديث الفكري المجرد، والتدهور السلوكي، والعزوف الدعوي، والتحول للمشروعات الفكرية “الشخصية” , واستسذاج الموعظة والخطاب الإيماني، والحدة في محاسبة الإسلاميين، والرحابة وحسن الظن تجاه الدراسات المنحرفة، وذبول الحمية لله ورسوله تجاه الكتابات المنتهكة للمحكمات، والتركيز على زلات المحتسبين بما يفوق عدوان المجاهرين، والتلذذ بمناهضة الفتاوى، والولع برخص العلماء وشذوذات الفقهاء.
وباختصار شديد: إن خطاب الغلو المدني يبدأ بالتجديد وينتهي بالتجديف.
ومن الانصاف أن أؤكد أن أمثال هذه الكوارث لا يجمعها كل من غلا في المدنية والعياذ بالله، بل هناك تفاوت هائل لا ينضبط طرفاه، وهذا أمر يعرفه كل من تابع الساحة الثقافية، فبعضهم يقارف بعضها وبعضهم يزيد عليها، بل بعضهم فاضل في ذاته لكنه لم يحسم رؤيته تجاه هذه المظاهر نسأل الله أن يحفظ مثل هذا النمط.
وإنما المراد أن أمثال هذه المظاهر الكارثية بمجموعها باتت مشاهد مؤلمة ومحزنة تستدعي استيقاظ الشعور وصعق إحساس الدعاة لإطفاء الحريق في منزلنا الداخلي، يجب أن نعمل سوياً بكل ما نملك لتحريك الوعي بهذه الأزمة، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
والمقصود هاهنا أن الأمر المشاهد المعلوم الذي أكدته التجارب الحية أن بعض النخب المثقفة المحتقنة تجاه الدين حتى وإن خف احتقانها عن طريق الخطاب الديني المتبني لـ “تعظيم الدنيا” فإنها تستمر في فرض الرقابة على النص الديني، وتطالبه دوماً أن يكون مبرِّراً ومسوِّغاً لمنتجات الحضارة المعاصرة، ولا تقبل منه أن يمارس دوراً سيادياً حقيقياً.
ولا يشك مؤمن أن هذه الحالة التي هي “فرض الرقابة على النص” ليست مكسباً دعوياً ولا منجزاً يتشرف الإنسان بتحقيقه، بل هذه الحالة لا يرضى بها من عقل حقيقة الإسلام الذي هو “امتلاء القلب بالاستسلام لله” , فالانقياد والخضوع والتسليم والامتثال هو جوهر حقيقة الإسلام، ولذلك اشتهر بين أهل العلم تعريف الإسلام بأنه “الاستسلام” , وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الجوهري في حقيقة الإسلام، كما جاء في قوله تعالى:
﴿ومَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ [لقمان:22].
كما أقسم الحق تبارك وتعالى على هذا المعنى في قوله تعالى:
فانظر كيف أقسم تعالى هذه المرة بذاته العظيمة-لا بشيء من مخلوقاته كما هي غالب أقسام القرآن- وما ذلك إلا تعظيماً للمُقسَم به، وهو نفي الإيمان على من لم يرض ويسلم لأوامر الشارع ونواهيه مع تنظيف القلب من كل حرج أو تردد في القبول.
وأكد سبحانه أنه ليس للمؤمن اختيار أمام أوامر الله ونواهيه، كما قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36] .
فبالله عليك أخي القارئ تأمل هذا المعنى الذي علق الله عليه الإيمان، ثم قارنه بموقف بعض النخب المثقفة التي لا تبتهج بالوحي إلا إذا وافق الحضارة المعاصرة، فإذا لم يوافقها مارست أشد أساليب التعنت في تطلب الحسم الدلالي، وستجد حتماً أن ذلك نابع من شعبة خفية في القلب تعبر عن شرخ عميق في “أرضية الانقياد” التي يقف عليها إسلام المرء.
ولذلك تجد بعضاً منهم لا يسأل أصلاً عن موقف الوحي من هذه المستجدات والمنتجات والتطبيقات والأفكار والفلسفات، بل يتمنى أن لا يثير أحد هذا الموضوع أصلاً, فإذا جُوبه بالدليل استنجد بصناع التأويلات، ألا يعكس ذلك ضمور الشغف بمرجعية الوحي.
وبعض آخر من هذه النخب المثقفة يشعر شعوراً عميقاً أن الوحي ليس لديه إضافة جوهرية للحضارة المعاصرة، بل يعتبر أن أعظم خدمة يسديها للوحي هو أن يؤكد للناس أنه موافق لإبداعات الحضارة المعاصرة، وأن الوحي ولله الحمد ليس ضدها، ونحو ذلك، وهذا جهل عميق بوظيفة النبوات أصلاً, فإن الله تعالى بين أنه بعث النبوات وأنزل معهم الكتب السماوية بهدف أن “تحكم” بين الناس في كل شؤون حياتهم، لا أن تسوِّغ لهم حياتهم، كما قال تعالى:
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:213] .
وتأمل في هذا الشمول الذي ذكرته هذه الآية عن وظيفة الكتب السماوية “ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه” حيث تؤكد هذه الدلالة الشاملة أن “الحاكمية” ليست مقتصرة على الجانب التشريعي فقط، بل يدخل في ذلك الحاكمية الفلسفية والفكرية والثقافية وكل ما يختلف الناس فيه، مما يبين أن الصراع مع العلمانية اليوم لا يتوقف على “العلمانية التشريعية” التي تدعوا لإقصاء الشريعة عن الأوعية القانونية والمؤسسة القضائية، بل هناك صراع أعمق مع “العلمانية الثقافية” التي تدعوا -نظرياً أو عملياً- لعزل الوحي عن الحاكمية في نقاش القضايا الفكرية والمنهجية والشؤون العامة.
فإذا أعاد المؤمن تدبر قوله تعالى عن “وظيفة النبوات” ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ شعر بالهوة الكبيرة التي تفصل بين منهج “تبيئة الحضارة” بمعنى تسويغ منتجات الحضارة عبر التأويلات المتكلفة وشذوذات الفقهاء، وبين منهج “هداية الحضارة” الذي امتلأ باليقين بشدة حاجة أمراض هذه الحضارة إلى الدواء الإلهي.
إنه بكل بساطة افتراق جذري متصاعد بين من يريد “تقليص” دور الوحي في حياة الناس، وبين من يريد “تفعيل” دور الوحي وبسط هيمنته على الحياة العامة.
والمقصود هاهنا بيان أن هذه “الحالة الدينية” التي سبقت الإشارة إليها -وهي أن بعض المثقفين المحتقنين انتفعوا بالخطاب الديني المتبني لـ “تعظيم الدنيا” - إنما تعبر في الحقيقة عن تدين “غير جاد” ذلك أنه مربوط بمقدار ما يقدمه الوحي من “معطيات دنيوية” , فإذا نقصت هذه المعطيات الدنيوية أصابته فتنة، وهذه الحالة الدينية المهترئة حالة قديمة قد كشفها لنا القرآن بشكل مبكر، كما يقول تعالى:
وقد استنبط ترجمان القرآن ابن عباس هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ حيث يقول رضي الله عنه في معنى هذه الآية:
(كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر).
فإذا وازن العاقل بين “مكسب” تخفيف احتقان بعض النخب المثقفة تجاه الدين، وبين “خسارة” حرارة التدين عند آلاف الطاقات الشبابية الدعوية، علم يقيناً أنه ليس من العقلانية في شيء أن نستصلح بضعة مثقفين محتقنين يعبدون الله على حرف، ونخسر آلاف الشباب المسلم الذين يعدون مكتسبات أضخم وأهم، إذ هم قاعدة الإسلام وأمله القادم.
كم نحن بحاجة إلى التطعيم المسبق بمصل إيماني يحمي شباب الإسلام أن يجرفهم وهج الحضارة المادية ومعايير المدنية الدنيوية، ليواصلوا مسيرتهم النهضوية دون أن ينهار “سلم الأولويات” , فتراهم في كل حقل يسبقون غيرهم مع امتلاء قلوبهم بعظمة الوحي وعبقرية القرون المفضلة ومتاعية الدنيا وانحطاط الكفار.
والله الشاهد أنني ما كتبت تلك المقالة إلا بهدف أن تكون “حصانة وقائية” للشاب المتدين أن ينجرف في طريق بات معروفاً لكل ذي بصيرة، ومعلوم كيف تدهور فيه عشرات من الشباب الذين كانوا طاقات دعوية ومشاعل هداية، فأصبحوا اليوم من أعظم المتثاقلين عن الفرائض، وأشد الناس ضيقاً بالذكرى والموعظة، وأكثر الناس هجراناً للوحي، فضلاً عن العمل للاسلام وحمل هم المسلمين.
رابعاً: إشكالية “التجديد وتجاوز الخطاب السلفي” :
ذكر بعض المعلقين أن المقالة كرست منهج الفهم السلفي للنصوص، وأننا اليوم بحاجة إلى منهج تجديدي لقراءة النص الشرعي، فما فائدة تكريس هذا الخطاب السلفي.
والحقيقة أنه لم يتبين لي ماذا يعني هؤلاء بمفهوم “الخطاب السلفي” ؟ هل هو مقتصر على مشائخ محلتنا وأهل بلدتنا؟ أم يتعدى ذلك إلى منهج المذاهب الفقهية الأربعة لأهل السنة؟ أم يتعدى ذلك إلى منهج القرون المفضلة؟ فلا أدري أي سقف للسلف يقف عنده؟
ولست أدري “ماهية التجديد” في نظره، هل الخروج بشيء جديد مطلب في حد ذاته أم المطلوب هو الوصول للدليل والحق سواء كان مضموناً جديداً أم تقليدياً؟
وهل التجديد عنده هو الخروج عن الاختيارات السلفية لعلماء نجد؟ أم الخروج عن سلفية المذاهب السنية الأربعة؟ أم الخروج عن سلفية القرون المفضلة؟
لكن بغض النظر عن تحديد موقف هؤلاء من هذه الإشكاليات، فلنحاول تقديم الأصل الشرعي في هذا الباب:
الذي أعتقده أن مفهوم “التجديد” يستمد أصالته الجوهرية من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابوداود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
وقد نقل الإمام السيوطي إجماع المحدثين على تصحيح هذا الحديث.
والذي يبدو لي أن التجديد في أصله ينقسم قسمين “تجديد إحداث” و “تجديد إحياء” .
فأما تجديد الإحداث فهو يعني الخروج بفهم مخترع لدين الله يتناقض مع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة القرون المفضلة، وهذا تجديد مذموم. وأما تجديد الإحياء فهو يعني إحياء ما اندرس من هدي الإسلام الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وهذا هو التجديد الشرعي المحمود.
والأصل في تحديد الموقف الشرعي من “تجديد الإحداث” ما رواه الشيخان عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها)
وما أخرجه الشيخان أيضاً من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
والنصوص في ذم “الإحداث في الدين” كثيرة مشهورة، والقدر المشترك بينها هو “معنى قطعي” يدخل في أعلى درجات التواتر المعنوي بلا شك، سيما إذا علم الباحث أن بعضها آيات قرآنية متواترة لفظاً, ولله الحمد.
والمراد هاهنا أن “مفهوم الإحداث” في الدين عام يشمل: إحداث الألفاظ، وإحداث المضامين، وإحداث مناهج القراءة، بل إن الإحداث في “مناهج القراءة” على خلاف هدي القرون المفضلة هو أغلظ أنواع الإحداث.
ووجه ذلك أن اختراع حديث واحد فقط لا يقتضي إلا ما تضمنه ذلك النص المخترع من محتوى محدود، واختراع مضمون معين واحد لا يقتضي إلا ذلك المعنى المحدود، أما إحداث منهج لقراءة النصوص يصادم منهج القرون المفضلة فإن مؤداه مسخ المأثور وتسلسل المحدثات والدلالات المخترعة.
فإذا كان هذا شأن الشارع في التحذير من محدثة واحدة، وهو ما علم من تتابع القرون المفضلة في النكير على آحاد المحدثات، فكيف سيكون الموقف الشرعي من إحداث “منهج قراءة” يقوم بتوليد الدلالات بطريقة لا يعرفها أصحاب النبي ولا من تبعهم بإحسان؟!
والتجديد المذموم يدور دوماً حول محورين: إما استبعاد وبتر شيء من هدي الإسلام، أو أن يضاف إليه من المعالم ما ليس منه.
وما أكثر ما أشار القرآن إلى هذين النوعين من الضلال، وهما إما الزيادة على الوحي أو النقص منه، كما قال تعالى في سورة العنكبوت:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾
وقال تعالى في سورة الأنعام:
وقال في سورة الأعراف:
فهذه الآيات -ونظائرها كثير- تشير دوماً إلى أن الضلال نوعين: إما إعراض عن شيء من مضامين الوحي، أو زيادة مضامين لم ترد فيه، وهذا يعني أن الهدى هو التمسك بالكتاب كله بلا نقص عنه ولا زيادة فيه.
ومن تأمل موارد التجديد المحمود وجدها في غالبها تنصب في مقاومة التجديد المذموم، فتجديد الإحياء هو مناهضة تجديد الإحداث وابطاله، ولذلك فالتجديد المحمود هو إما بعث ما انطمر من تعاليم الإسلام، أو تخليصه مما ألحق به وأضيف إليه.
وكثير من الكتَّاب اليوم حين يتحدث عن “التجديد” يتكلم عن حاجتنا إلى “منهج جديد” لقراءة النص، ويدندنون كثيراً حول فكرة تجديد منهج القراءة، فهذا إن كان مقصودهم بتجديد منهج القراءة العودة إلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة القرون المفضلة فهذ تجديد إحياء محمود مشكور، أما إن كان المقصود هو اختراع منهج جديد لفهم الوحي يعارض منهج القرون المفضلة فهذا تجديد إحداث مذموم.
وللأسف فإن كثيراً من هذه الدعوات تعني بقراءة النص اختراع مضامين جديدة يمكن إدراجها تحت ألفاظ النصوص، فغاية ما في هذا المنهج الحفاظ على “لفظ النص” فقط دون فحواه ومضمونه، فهو تفريغ لوعاء النص من مضمونه الأصلي وصب مضمون جديد فيه، وهذا مسخ لدين الله ليس من التجديد المحمود في شيء، فهل يعقل أن يكون المراد الإلهي بالوحي الذي أنزله الله، وحض على اتباعه، وأمر بالاستسلام له، وعاقب على الإعراض عنه؛ هو مجرد “صورة ألفاظ” لا مضامين ولا محتوى، بل هل يعقل أن يكون جوهر الوحي و “أصول معانيه” تتناقض الاجيال في تفسيرها جذرياً؟! بل هل يعقل أن تكون “أصول معاني الوحي” تجهلها القرون المفضلة؟!
فلا يتشرف الباحث المسلم أن يغرق في هذا اللون من التجديد، بل الشرف كل الشرف في مناهضته وتبيين بطلانه وصيانة عقول شباب الإسلام من كوارثه.
والواقع أن هذا التفسير الانقلابي لمعنى التجديد قد تسرب جزء كبير منه من خلال التأثر الخاطئ بقراءة تاريخ الفلسفة والنظريات العلمية، ومحاولة إسقاط فكرة الثورات والنظريات والتحولات الجذرية والانقلابات العلمية المفاهيمية على “العلوم الشرعية” وهذا خطأ قاتل، فالعلوم المدنية يقبل فيها معنى الاختراع، بل كثيراً ما يكون الاختراع موضع الإبداع، أما المعاني الدينية فلا يحمد فيها الاختراع، بل موضع الإبداع فيها القدرة على العودة للأمر الأول.
وغاية ما يحمد الاختراع في العلوم الشرعية هو في الوسائل والآليات لا في أصول المعاني والمفاهيم، بل الاختراع في “أصول المعاني” إحداث وابتداع مذموم، فانظر كيف تحولت البدعة المذمومة في الشرع إلى مطلب محمود عبر ألاعيب الألفاظ!
والعودة للأمر الأول لا تقتصر على “لفظ النص” فقط، بل اللفظ والمحتوى ومنهج القراءة، إذ منهج القراءة هو الواسطة بين اللفظ والمحتوى، فإذا بدلنا منهج القراءة عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة القرون المفضلة أنتج لنا محتوى مختلفاً ليس هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي أصحابه.
وبالتالي فإن “منهج القرون المفضلة في التلقي والاستدلال” حجة لا يداخل الباحث فيها شك، ومما يدل على ذلك أمور كثيرة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم بين معلم النجاة فقال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)
ومماثلة منهج النبي وأصحابه لا تكون بأخذ ألفاظهم فقط، وإدراج ما شئنا فيها من المعاني والمضامين، بل يكون ذلك بالاقتداء بمنهجه وتتبع أحواله.
كما أنه لولا أن لهدي أصحابه قدر زائد في كشف الدلالة والهدى الشرعي لما ذكره، بل لاقتصر على قوله هم من كان على مثل ما أنا عليه.
وهذا شأن الشارع في شواهد متعددة حيث يشير فيها إلى دور هدي الصحابة وسيرتهم في كشف “الهدي الشرعي” واستيفاء معالم هدي النبوة، ومن ذلك الحديث المشهور الذي رواه ابوداود والترمذي بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ)
وقد تتابع أهل الحديث على تصحيح هذا الخبر، ومن المعلوم أنه لو كان “هدي الخلفاء الراشدين” ليس فيه قدر زائد في كشف الهدي الشرعي لما ذكره صلى الله عليه وسلم، فكيف وقد أكد على ذلك بقوله “تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ” .
وليس يخفى على من له أدنى بصيرة أن هدي الخلفاء الراشدين لا يقتصر على مراعاة ألفاظ النصوص، بل يدخل في ذلك دخولاً أولياً منهجهم في التلقي والاستدلال وفهم النصوص الشرعية وتنظيم العلاقة بينها.
وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين تكلم عن النظم السياسية التي تعقبه بيّن أن أصحها ما كان على المنهاج النبوي، كما قال صلى الله عليه وسلم (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها) ثم قال بعد ذلك (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)
ومنهاج النبوة ليس هو مراعاة ألفاظ القرآن والحديث، بل يدخل في ذلك دخولاً أولياً الأحوال والمنهج وطرائق التلقي للوحي، فإذا حافظنا على ألفاظ الوحي وتسلطنا عليها بمنهج جديد للفهم لم تكن عليه القرون المفضلة لم نكن على منهاج النبوة أصلاً.
ومن وجه آخر فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت اهتداء الخلافة الراشدة بعده بمنهاج النبوة، وعليه فإن من خرج عن منهجهم وهديهم في التلقي والاستدلال فقد خالف بطريق اللزوم منهاج النبوة، ومن التناقض القول بأن منهج الخلافة الراشدة كان على منهاج النبوة ولكن يجوز مخالفته!
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن هذا الخلل في تنكب الاهتداء بهديه كما روى البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يكون بعدي أئمة يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)
وهذا الاتباع لهدي السلف ليس خاصاً بعصرنا أو بعصر من بعد القرون المفضلة، بل حتى القرون المفضلة ذاتها كل جيل منها يهتدي بهدي سلفه، وجاء ذلك في كتاب الله حيث أن الله تعالى أثنى على من بعد السابقين من الصحابة بكونهم “اتبعوا” السابقين، كما قال تعالى عن هذين الجيلين من الصحابة:
﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [التوبة:100]
ولو لم يكن هدي سابقي الصحابة محلاً للاتباع لما أثنى على من اتبعهم بهذه الصفة، فهذه الآية دلت على فضل اتباع السلف الصالح وهم في مرتبة واحدة وهي مرتبة الصحابة، فكيف سيكون فضل ومنزلة ذلك إذا تفاوتت المراتب تفاوتاً عظيماً, فعلم أن اتباع القرون المفضلة هو من أعظم أسباب الهداية والرفعة في ميزان الله.
ومما يبين دلالة هذه الآية ويوضحها أن عبدالرحمن بن عوف كان يطلب البيعة على “سيرة الشيخين” ولذلك كان جواب عثمان كما روى البخاري في صحيحه من حديث المسور بن مخرمة، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال:
(أبايعك على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده)
فهذا اهتداء بمن سبق من سلفهم، ولو لم يكن لذكر سنة الشيخين دلالة على معنى إضافي في كشف الهدى الشرعي وإيضاحه لما ذكره عثمان بن عفان في توليته.
وتلاحظ في حديث المجدِّد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من يجدد لها دينها” فنسب الدين للأمة، ودين الأمة هو المعروف مسبقاً المطمور وقت التجديد، وليس هو الفهم الشخصي المخترَع، فإن صاحب الفهم الشخصي المخترَع لم يجدد لها دينها بل ابتكر لها ديناً مستقلاً من عنده.
وقد ذكر تعالى في كتابه أن جمهور آيات القرآن هي آيات محكمة المعاني، كما قال تعالى في سورة آل عمران:
فجعل المحكمات هن “أم الكتاب” أي أصله وأساسه، ومقتضى كونها محكمة إمكانية فهمها، وبالتالي إمكانية فهم القرون المفضلة لهذه الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وغالبه، وعليه فإن من اعتقد أن القرون المفضلة لم تفهم أصول معاني النصوص الشرعية كما ينبغي، فهذا مؤداه أن جمهور آيات الوحي ليست بمحكمة أصلاً, فهذا طعن في أم الكتاب وجعله متشابه موهِم.
فهل يخطر ببال باحث يحترم مقتضيات البحث العلمي أن الله أنزل إلينا “ألفاظاً” ليختبر إمكانيات كل جيل في التحليق بمعانيها كيفما اتفق؟ وأن الله سبحانه وتعالى لا يعنيه المراد الإلهي فيها بقدر ما يعنيه مراعاة ألفاظها؟! وأن الاحتمالات الدلالية لألفاظها كلها خيارات متاحة؟! هذا عبث ينزه الشارع عنه، ويتناقض مع وصف القرآن لأم الكتاب بأنه “محكم” .
بل إن هذه الدعوة إلى تجاوز فهم القرون المفضلة واختراع منهج جديد للفهم هو مما أيقظنا الشارع إلى حدوثه، وحذرنا من أهله فقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم».
فما لم يكن على العهد الأول من أمر الدين فليس بشيء.
وذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في سياق آخر كما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»
فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن حوارييه وأصحابه يقتدون بسنته ويستنون بامره، وليس يأخذون فقط ألفاظ النصوص.
ومن طرائف المفارقات العجيبة أنك تجد المتطرفين في دعاوى “تجديد القراءة” شديدي التبرم بظواهر التكفير والتبديع، ويكثرون من الحط عليها، مع أنهم يقعون في ألوان من التضليل هي أشد وأعتى، فهم يضللون الأمة خمسة عشر قرناً ويرونها لم تفهم نصوص ربها، ويعتبرونها كانت في غاية السذاجة في أهم المطالب، وأننا لا يمكن أن نفهم نصوص ربنا حق فهمها حتى نوظف مناهج الألسنية والآركيولوجيا والتفكيكية والسيميولوجيا والهرمنيوطيقيا ونحوها من المناهج الحديثة التي كثر الحديث عنها هذه الأيام، فأي تضليل للأمة ورميها بالانحراف أبشع من ذلك؟!
يمكن القول ببداهة ظاهرة أن القرون المفضلة كانت لا تعرف النظريات العلمية والخبرة البشرية الحديثة كالنظريات الفيزيائية والرياضية والطبية الحديثة المنتمية لعلوم العمران، هذا أمر يعرفه ويقر به كل عاقل، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره أثبت أن الصحابة أعلم منه ببعض أمور العمران، كما في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن التأبير (أنتم أعلم بأمر دنياكم) , فإذا كان بعض الصحابة أعلم من رسول الله ببعض علوم العمران، فمن بعد الصحابة أولى بجواز ذلك بالنسبة للصحابة، وهذا لا يخالف فيه أحد من علماء الإسلام.
لكن الذي يستحيل القول به هو أن تكون القرون المفضلة لم تفهم الوحي كما ينبغي وأن المناهج الغربية المعاصرة هي التي يمكن لها أن تقدم لنا الأسلوب العلمي الصحيح لفهمه، هذا تفكير خرافي ينتهي بإقالة العقل والتفكير المنهجي السليم، وليس وراء ذلك من العقل حبة خردل.
وفضلاً عن ذلك فهذا ينطوي على اتهام ضمني لأمة الإسلام طوال قرونها السابقة بالضلال الديني، والانحراف في فهم النصوص، فإن كان ثمة نزعة غلو في التكفير في بعض المنتسبين للاسلاميين، فهذا التكفير الذي تضمنته لوازم هذه المقالة لغلاة المدنية أشد وأبشع وأكثر فظاعة.
وبعض هؤلاء يحاول الفصل بين “الفضيلة” و “الهدى” فتراه يقول لك: صحيح أنه ورد أحاديث متواترة قطعية الثبوت في فضل القرون المفضلة، لكن هذا يدل فقط على “فضلهم” ولا يقتضي “علمهم” بالنصوص، فآل هذا الكلام إلى أن الصحابة والتابعين وتابعيهم فضلاء في أنفسهم، لكنهم غير مهتدون في دينهم، فكيف تتحقق الهداية بلا علم إذ الجهل مفتاح الضلال، وكل من لم يهتدِ فهو ضال كما قال تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: 36]
فالله تعالى لم يرفع منزلة الجاهل بكتابه، بل خفض منزلته كما قال تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:78]
والعلم قرين الإيمان في كتاب الله كما قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ﴾ [الروم:56]
وفي حادثة مشابهة تكلم الإمام ابن تيمية عمن أبهرته “تقريرات المتأخرين” فجعلهم أعلم من القرون المفضلة، فكان مؤدى ذلك كما يقول الإمام ابن تيمية:
(كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله، ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده: في غاية الجهالة؛ بل في غاية الضلالة) مجموع الفتاوى (5/ 10)
بل إن مقتضى الخروج عن منهج القرون المفضلة وتجهيلهم في معاني الوحي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤدِّ أمانة “تعليم الكتاب والحكمة” وإنما أدى وظيفة “تلاوة الألفاظ فقط” , وكلاهما أمانتان أداهما رسول الله على أتم وجه، وقد عرض الله ذلك في معرض الامتنان على هذه الأمة، كما قال تعالى:
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:164] وقال تعالى في مطلع سورة الجمعة:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]
فإذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يفهموا النص الشرعي كما ينبغي، فإن هذا مقتضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلِّم صحابته الكتاب والحكمة حاشاه عليه السلام، وبالتالي فإن التابعين الذين تلقوا عن الصحابة لم يتلقوا معنى النص الشرعي أصلاً, وهكذا من بعدهم من قرون الأمة الذين بقوا في غاية الجهل في أهم المطالب وهي فهم الوحي، فكم هي صورة بائسة آل إليها هذا الخطاب.
وإذا استوعب الإنسان دلالة هذه الآية حول قيام النبي بأمانة “تعليم الكتاب والحكمة” فحتماً سيتوضح له أنه يستحيل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى أصحابه يمارسون “مناهج قاصرة” لفهم النص فأهملهم ولم ينبههم، بل تركهم يهيمون في هذه المناهج المختلة، فهل يستقيم هذا مع شدة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وكمال نصحه لهم وحرصه على هدايتهم؟!
والواقع أن الله سبحانه وتعالى أثبت أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين اتبعوه قد اهتدوا بالعلم كما قال تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]
فبين القرآن أن الصحابة الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على بصيرة، والبصيرة ليست حفظ الحروف والألفاظ، وإنما عقل المعاني وحسن فهمها والفقه فيها، فلو كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفهموا الوحي فمقتضى ذلك أنهم ليسوا على بصيرة، وهذا مصادمة لدلالة هذه الآية.
وبغض النظر عن هذه الشواهد العامة التي تدل على فقه الصحابة ودقة فهمهم لنصوص الوحي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على كثير من أعيان الصحابة بفهمهم للنص وفقههم فيه وحسن تأويلهم للقرآن، بما يعني صحة “منهج القراءة” عندهم، ومن ذلك ما روى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(بينا أنا نائم إذ رأيت قدحاً أتيت به فيه لبن، فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب) قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: (العلم) .
فهذه شهادة جليلة من الشارع على ما بلغه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من مراتب العلم في فهم الوحي واستيعاب دلالاته.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف أبا عبيدة بـ “أمين الأمة” كما روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(إن لكل أمة أميناً, وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
ومقتضى “أمانة الأمة” كمال العلم، إذ لا تكون “أمانة الأمة” لجاهل بكلام الله وكلام رسوله، ومما يبين هذا ويوضحه ما روى مسلم في صحيحه عن أنس:
(أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنَّة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: “هذا أمين هذه الأمة” ).
فلما طلب أهل اليمن من يعلمهم “السنة والإسلام” أرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بمقتضى كونه “أمين الأمة” مما يبين أن هذا الوصف يستلزم كمال العلم بالوحي وحسن فهمه وفقه معانيه.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وصف علي بن أبي طالب بوصف يتضمن كمال العلم كما في الصحيحين عن سعد بن ابي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي:
(أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
فهل يعقل أن يبلغ علي هذه المنزلة الرفيعة وهو جاهل بمعاني الوحي؟! سيما أن الله تعالى يقول:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
بل إن من أكثر منازل الصحابة إبهاراً يقشعر له جسد المؤمن ما ورد في مكانة “سعد بن معاذ” , حيث روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله أنه قال “بينما كانت جنازة سعد بن معاذ موضوعة بين أيديهم” سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)
فهذا الصحابي الجليل ذو المنزلة الرفيعة السامية هل يعقل أن يهتز العرش الإلهي لموته وهو جاهل بمعاني كلام الله وكلام رسوله؟ أو أن لديه “منهج قاصر” لقراءة النص؟ فهل بلغ تلك الغاية إلا بسبب كمال اهتدائه للمعنى ثم عمله بما اهتدى إليه؟
ومما يجلي هذا المعنى أن يلاحظ الباحث “قيام المقتضي” وهو شدة تشوف الصحابة وشغفهم وتشوقهم للقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتفانيهم وتنافسهم فيها، فهل يعقل أن يكون الصحابة معرضين عن سؤال النبي عن معاني الوحي مع هذا الشغف المعروف عنهم به؟ ومما يؤكد هذا الشغف ما روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبدالله بن مسعود أنه قال:
(والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه).
بل إن صغار الصحابة كانوا يتتبعون كبارهم لتلقي ما فاتهم من معاني الوحي، كما روى ابن سعد بسنده عن ابن عباس قال:
(لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت لرجل من الانصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبا لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي عليه السلام من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك) أعلام النبلاء 3/ 343.
ولم يكن هذا الشغف بالوحي والتفقه في معانيه مقتصراً على الرجال في عصر الصحابة، بل كان أيضاً هذا شأن النساء، ولذلك روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت:
(نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)
بل لقد كانت بعض “نساء الصحابة” تجري مدامعهن تفجعاً على الوحي الإلهي، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه ذلك المشهد البليغ في رسم علاقة الصحابة بالوحي، حيث روى مسلم عن أنس قال:
(قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها).
بهذه القلوب المتشبعة بالتربية النبوية لمعنى “عظمة الوحي” بلغت هذه النفوس المستنيرة تلك المنازل والدرجات الرفيعة والشرف الراقي، لا بقلوب يشعر أصحابها أن “الوحي” عبء يجب تكريس الدراسات الانثروبولوجية لزحزحة هيمنته على الشباب المسلم.
على أية حال .. النصوص في هذا المعنى كثيرة معلومة، والقدر المشترك بينها أن صحابة رسول الله “فقهوا” معاني الوحي، واهتدوا إلى “دلالاته” , وكانوا على بصيرة من دينهم، بصورة أكمل من كل من جاء بعدهم، وقد شهد لهم الشارع شهادة عامة بالبصيرة، وشهادة خاصة لبعض أعيانهم بكمال العلم، وبالتالي فإن “منهج قراءة النص” عند صحابة رسول الله ومن سار على هديهم هو أكمل المناهج، والشرف كل الشرف في الاجتهاد في تحقيقه وتتبعه لا في مناهضته ومجافاته.
والمراد هاهنا أن نصل إلى النتيجة التالية وهي أن: من تأمل “قيام المقتضي” الذي سبقت الإشارة إليه وهو نهمة الصحابة رجالاً ونساءً بالوحي، وما ينضاف إليه من شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وكمال حرصه على “تعليم الكتاب والحكمة” , ثم ثناء الشارع على علم الصحابة عموماً وتخصيصه بعض أعيانهم بمزيد من العلم، فكيف يتصور مع قيام هذا المُقتضِي القطعي أن يتخلف عنه مقتضاه؟ فيكون “منهج قراءة النص” عند الصحابة منهج قاصر لا يفهم النص كما ينبغي، وتكون مناهج “قراءة النص” التي اخترعها طوائف من الكفار المحرومين من نور النبوة والغافلين عن ذكر الله هي الأجدر بفهم كتاب الله وسنة رسوله؟ هل يقول هذا شخص يحترم قواعد البحث العلمي؟
ثم إذا تأمل الباحث المتجرد الوثائق التاريخية الدقيقة التي رصدت “الحياة العلمية” لأئمة التابعين سيما كبار التابعين مثل مسروق بن الأجدع وشريح القاضي وسعيد بن المسيب، ومن يلي هذه الطبقة كالشعبي وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر والحسن البصري ومحمد بن سيرين وطاووس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم كثير، فإنه سيرى تنافسهم الأخاذ في تتبع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للتلقي عنهم، وسؤالهم عن تفسير القرآن، وما حفظوه من مرويات السنة، وتفاصيل الأحكام الحادثة مما هو معروف مشهور، حتى أن الإمام مجاهد بن جبر استوقف ابن عباس عند كل آية من كتاب الله وسأله عنها، كما روى ابن إسحاق عن مجاهد، قال:
(عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت) أعلام النبلاء 4/ 450
وكانوا يتشاورون في مسائل تفسير الوحي ويتداولون الاجتهاد مع كمال التحري والصدق، كما قال ابن المبارك:
(كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة: ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وسالم، والقاسم، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وكانوا إذا جاءتهم مسألة دخلوا فيها جميعا فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها فيصدرون) اعلام النبلاء 4/ 461
بل بلغ الحال بشغف التابعين بالتلقي عن الصحابة أن بلغ بعضهم الاحتجاج بقول كبار فقهاء الصحابة، حتى إن ابن عباس لم يرتض ذلك منهم، وقال لهم (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر)
واحتج بعض التابعين على ابن عمر في مسألة متعة الحج بقول عمر بن الخطاب، فقال لهم: (أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟)
فهذا مما يكشف كيف بلغ عمق حفاوة التابعين بما تلقوه من علوم الصحابة، وما أخذوه عنهم من معاني الكتاب والسنة، وأن “علم أئمة التابعين” متلقى في أصله من “علم الصحابة” .
ثم استمر السلف في تناقل “فقه الوحي” حتى آل ذلك إلى المذاهب المتبوعة كمذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، واجتهد من جاء بعدهم في إيضاحه وشرحه والاستدلال له وتحقيق مسائله.
والمراد من ذلك كله أن حقيقة الإسلام لا تخرج عن دواوين الإسلام المشهورة المعروفة، ولا يحتاج الوحي لفهمه مناهج غربية محدثة تعلِّم المسلمين فهم دينهم ونصوص ربهم بما لم يفهمه سلفهم، بل يحتاج في الحقيقة إلى تشمير سواعد البحث في تحقيق منهج القرون المفضلة، ودعوة الناس إليه لننال الأجر والثواب من الله، والنصر والتوفيق في مشروعنا الإسلامي.
والحقيقة أن الباحث العلمي إذا ابتعد عن الضجيج التسويقي لمناهج الألسنية، ووازن بـ “هدوء” بين “نماذج القراءة الحديثة للنص” وبين “النموذج الفقهي الإسلامي” والذي تضمنته المدونات النظرية لأصول الفقه وقواعده ومقاصده، والمدونات التطبيقية للفقه الإسلامي المقارن، فإنه سيشعر بحجم الإفلاس العميق وضعف الإقناع وغياب المنطقية والعقلانية في مناهج القراءة الحديثة المخالفة لمنهج القرون المفضلة، وأنها كلها افتراضات تقبل إثبات العكس.
فالجهاز الأصولي/الفقهي في التراث الإسلامي منظم بشكل متماسك ومبهر، وأكثر جدية في تلمس الدلالة وإقناع القارئ بها، بل لا نسبة بينهما أصلاً، فالجهاز الأصولي/الفقهي يستوفي كافة المعطيات كطبيعة اللغة التي نزل بها القرآن، ويتتبع أنماط أساليبها اللغوية في الدلالة، وينظم العلاقة بينها، ويدرس أثر السياق الذي نزل فيه النص، ودلالة النصوص الأخرى في ذات الموضوع، مع استيعاب تصرفات الشارع التطبيقية، إذ النصوص بنية متماسكة، معتضداً في ذلك بنتائج علم أصول الحديث التي يقع فيها تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم واستيعاب طرقها وتمييز درجات اليقين في ثبوتها، ومن كان له طرف علم بفن أصول الحديث علم أن لأهل الحديث من اليقين بالثبوت بسبب توارد الطرق ما ليس لغيرهم, “وكل من كان لنور النبوة أجمع كان كلامه أحكم وأنفع” .
ثم تتابع على هذا الصقل والمدارسة والإبداء والإعادة عباقرة في تاريخ الإسلام شهد العام والخاص بحذقهم وبراعتهم وتقواهم وإخلاصهم، ودرسوا مسائل الشريعة فرعاً فرعاً وأدلى كل منهم فيها بدلوه، ومن تأمل موسوعات الإسلام كمصنف ابن أبي شيبة والتمهيد والاستذكار والمحلى والمجموع والمغني علم قدر الجهود التطبيقية الجبارة التي تتابعت عليها قرون بعد قرون.
والمراد أنه في نهاية ذلك كله ينتج المصطلح الشرعي النهائي محملاً بخلاصة توازنات النصوص الشرعية.
فأين هذا العمل المنظم الجادّ المعتضد بشهادة الشارع بالفضل من منهج يطير بموضة ألسنية ويختزل نصاً واحداً ليسقط التجربة عليه، ويهدر بذلك مجموع النصوص المتماسكة والتصرفات التطبيقية؟
بل إن كثيراً منهم لا يدري شيئاً من آليات “فحص الثبوت” أصلاً, بل تجد أمثال هؤلاء أحد رجلين، إما مكابر عن السنة وعلومها أصلاً, وإما حاطب ليل لا يميز بين مرتبة الصحيحين، والسنن الأربعة، وتاريخ ابن الجوزي، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، فضلاً عن أن يعرف المتواتر من المستفيض من الغريب، وهذا له نماذج كثيرة بعضها أقرب إلى الطرافة منها إلى الدراسة العلمية، إذ ليس في رؤوس المفكرين الداعين إلى التجديد الانقلابي اليوم مفكر واحد له دراية وخبرة بعلوم السنة وقوانين القبول والرد، وتمييز العلل الإسنادية والمتنية، ودرجات الثبوت، وقرائن تقوية الأخبار.
وإزاء كل هذا الجهل المطبق بالعلوم التي ينبني على أساسها “المعطى الثاني” لفهم الشريعة فإنك تجد بعضهم في غاية الجرأة على إطلاق الأحكام العشوائية المرسلة، فكم هو مشهد مؤلم حين ترى مستوى الجرأة مع هذه الهشاشة العميقة.
والحقيقة أنه حين يعرض الحديث عن مخاطر الإزراء بالقرون المفضلة واللهج بتعظيم الكفار، يتساءل البعض بأنه ما قيمة الحديث عن أمر قلبي وهو حب السلف وبغض الكفار، فما هو الأثر العملي لذلك؟ فالمهم هو اتباع الكتاب والسنة، ولا داعي للحديث عن امتلاء القلب بحب القرون المفضلة، والصواب أن أعظم أثر لذلك هو ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما -وهو حديث متواتر أصلاً- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
(جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “المرء مع من أحب” ).
ولذلك فإن الله ذكر عن صفات اللاحقين من أهل الإيمان سلامتهم من الغل لمن سبقهم من أهل الإيمان، كما قال تعالى:
وأما ما يذكره البعض من أن “تعظيم القرون المفضلة” مؤداه أنه “لا يجوز نقد التراث الإسلامي” وأنه يعني رفع التراث إلى “مرتبة المقدس” ونحو هذه العبارات، فهذا مرده سوء الفهم، إذ هناك فرق ظاهر بين “الإسقاط الجُمْلي” للتراث عبر آليتي التسييس والمديونية اللتين مآلهما رد التراث إلى الاقتراض الثقافي أو الصراعات السياسية، وبين “النقد الجزئي” المستمد من قواعد الكتاب والسنة ومنهج القرون المفضلة، والذي هو معنى التجديد أصلاً.
ولذلك فإن أئمة السلف كمالك والشافعي وأحمد ومن بعدهم من المحققين كابن تيمية والشاطبي والذهبي وغيرهم انتقدوا كثيراً من المخالفات الكلامية والأصولية والسلوكية الواردة في بعض كتب التراث عبر حاكمية الوحي، لكن شتان بين النقد الجزئي المنهجي الشرعي، وبين الإسقاط الكلي المبني على سوء الظن وامتلاء القلب بالغل للقرون المفضلة، والفرق بينهما ظاهر جداً.
وبعض الناس يقول أن (القرون المفضلة ليس لهم منهج في التلقي والاستدلال أصلاً, وإنما هذه دعاية روجها السلفيون المعاصرون) وهذه مغالطة صريحة، فالقرون المفضلة لهم منهج واضح الملامح والمعالم، منها معالم نقلية أثرية، ومنها معالم عقلية نظرية، ومنها معالم سلوكية أخلاقية.
فأول معالم منهجهم في التلقي والاستدلال “تعظيم الوحي” والانقياد له، وجمعه كله وعدم “تبعيض الكتاب” , واستقراء سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وأحواله، وكل من خالف منهج القرون المفضلة في أصل من الأصول فستجد منبع ذلك حتماً آفة “تبعيض الكتاب” , إما تبعيض ألفاظه وإما تبعيض معانيه.
كما أنهم يتتبعون “فهم سلفهم” الذي تقدمهم فيعينون القدر المشترك بينهم، والقدر المختلف، ويعملون بما تتابع عليه سلفهم، ويرجحون فيما اختلفوا فيه.
كما أنهم لا يقبلون “المنهج الرمزي” الإشاري الذي يجعل أدنى علاقة بين الدال والمدلول مسوغاً لحمل النص عليه، ولا “المنهج الباطني” الذي يجعل النص أسراراً, ولا “المنهج المعجمي” الذي ينسج منظومة الإسلام عبر لعبة “الفروق اللغوية” كالتفريق بين الكتاب والقرآن، والتفريق بين الدين والإسلام، والتفريق بين النبي والرسول، ونحوها ثم يبني على ذلك معطيات تشريعية جديدة، كما أن القرون المفضلة لا يتتبعون مساحات “اللامفكر فيه” ويجعلونه هو المعنى الأصلي ويزيحون ما فهمه سلفهم أصلاً, كما أنهم لا يجعلون الوحي “نص مفتوح” عائم الدلالات تتعدد معانيه بعدد قرائه، كما في القراءات التفكيكية المحدثة.
بل لا يستعيرون أصلاً مناهج أخرى لفهم الوحي مستمدة من طبيعة “لغات أخرى” تخالف طبيعة لغة القرآن، بل جرت القرون المفضلة على فهم لغة الوحي طبقاً لـ “معهود الأميين” في الاستعمال والتناول والتعاطي إذا لم يعارضها معارض راجح، ولذلك حرصوا على تتبع ديوان العرب الذي هو سجل لغتهم، بل لم يكتسب “علماء اللغة” هذا الوزن في تاريخ الإسلام إلا بسبب ما أدلوا به إلى الشريعة من هذا السبب، وقد عقد الشاطبي لذلك عدة فصول في كتابه الموافقات لتحليل هذا المبدأ وبرهنته والاحتجاج له، منها قوله:
(فصل: لابد في فهم الشريعة من اتباع “معهود الأميين” , وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب)
وهذا الأصل الذي ذكره ابواسحاق الشاطبي مبني على قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]
﴿وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه:113]
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان:58] ومقتضى إنزاله وتيسيره باللغة العربية أنه يفهم من خلال أساليبها اللغوية، إذا لم يعارضها معارض شرعي راجح، وهذا أصلاً ليس شأناً مختصاً بالقرآن، بل هو شأن عام في الكتب السماوية، كما قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾
وعليه فكل منهج حديث لقراءة النص يتنكب “معهود الأميين في أوضاعهم اللغوية” فهو مصادم لمبدأ انزال القرآن بلغة العرب ومعارض لمنهج القرون المفضلة في التلقي والاستدلال.
والباحث المسلم إذا وازن بين “أئمة القرون المفضلة” وبين “دعاة تجديد منهج القراءة” من حيث الأركان الأربعة لفهم “خطاب الوحي” وهي: استيعاب النصوص وتمييز درجات ثبوتها، والخبرة بأوضاع العرب في استعمالاتهم اللغوية وأنماط تعبيرهم التي هي لغة الوحي، وتحصيل اجتهادات السابقين في تفسير نصوص الوحي والقدر المشترك فيها والقدر المختلف، وعمق الديانة والصدق والتجرد في الوصول للمراد الإلهي وليس استجابة لضغوط خارجة عن حقيقة النص.
إذا وازن الباحث هذه الأركان الأربعة بين الفريقين علم أنه لا نسبة بينهما أصلاً, بل سيعلم الإنسان أن كثيراً من دعاة تجديد القراءة إنما تسوروا تخصصات ليست لهم، وأن أكثرهم درس علوماً أجنبية قد تكون نافعة في ذاتها، لكنه للأسف ترك مجال استثمارها وصار يعبث في تخصصات لم يتأهل لها.
ومن أصول القرون المفضلة في التلقي والاستدلال أنهم لا يسقطون المخترعات والكشوف العلمية على نصوص القرآن والسنة، ولذلك قال الإمام الشاطبي في الموافقات:
(تكلف أهل العلوم الطبيعية وغيرها الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي، كما استدل أهل العدد بقوله تعالى “فاسأل العادِّين” , وأهل الهندسة بقوله تعالى “أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها” , وأهل التعديل النجومي بقوله تعالى “الشمس والقمر بحسبان” , وأهل المنطق في أن نقيض الكلية السالبة جزئية موجبة بقوله تعالى “إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب” , وأهل خط الرمل بقوله سبحانه “أو أثارة من علم” وقوله عليه السلام “كان نبي يخط فى الرمل” رواه مسلم، إلى غير ذلك مما هو مسطور في الكتب)
كما أنهم لا يعتبرون فقه الأئمة المستنبط من الوحي مجرد اقتراض ثقافي أو صراع سياسي، كما أنهم لا يكتفون بالإمكانية اللغوية لتعيين الدلالات بل يضيفون إلى ذلك دراسة سياق النص، وتتبع الطرق والمرويات وتحليل أسانيدها، وعلاقة الدلالة بمقاصد الشريعة، وتفسير النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، ويوازنون ذلك بتصرفات النبي وتطبيقاته، وما ورد من نصوص أخرى في ذات الموضوع.
كما أن للسلف منهج عام مشترك في أصوله الكبرى في قرائن قبول الأخبار وقواعد الثبوت، وهذه القواعد لا يعرفها -فضلاً عن أن يطبقها- أكثر المخالفين لمنهج القرون المفضلة، فكيف يقال أن السلف ليس لهم منهج في التلقي والاستدلال؟!
كما أن للقرون المفضلة منهج عام مشترك في إلحاق الحكم غير المنصوص بالمنصوص، كما أنهم لا يربطون التشريعات بحكم عامة منتشرة غير منضبطة، ولهم مسالك دار عليها كلامهم في كشف مناطات الأحكام.
كما أن تصرفات القرون المفضلة في “قراءة نصوص الوحي” كشفت أن لهم منهجاً عقلياً موافقاً للشريعة، كمراعاة مفهوم اللزوم والاقتضاء، ومفهوم الجامع والفارق وأثرهما على الاشتراك والافتراق في الأحكام، ومفهوم الاطراد وأثره على صحة المبدأ المستنبط، ومفهوم المعارض الراجح وأثره في تقييد الدلالات، وتمييز مراتب المدركات كالقطع والظن، وما تواردت عليه المعطيات، ومفهوم تعدد المدرك والمأخذ ككون الشيء محبوب من وجه مبغوض من وجه، وغير ذلك من أصول النظر العقلي السلفي الموافقة للشريعة وأمثال القرآن.
كما أنهم لا يغالون في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة، ولا يغالون في ربط التشريعات بغايات اجتماعية خالصة، ولا يعظمون المعاني الكلية ويفرغونها من تطبيقاتها، ولا يسقطون الاصطلاحات الحادثة على نصوص الشارع، وإذا تضمنت المفردة العربية عدة احتمالات دلالية -وهو كثير- استعانوا بأنواع المرجحات الشرعية لتحديد الدلالة الراجحة.
كما أن للقرون المفضلة هدي سلوكي أخلاقي معروف في التلقي والاستدلال، مثل كراهية السؤال عما ليس تحته عمل، وذم أن يقفو الإنسان ما ليس له به علم من الدلالات، وتعظيم رد العلم إلى الله فيما لم يتبين رجحانه، والتشنيع في الفتيا بلا علم، وكراهة الإغراب، والاعتقاد بأثر التقوى وتزكية النفس في سلامة البصيرة والنظر والاهتداء لمعاني الوحي.
وما سبق كله مجرد أمثلة ونماذج وليس المراد الاستقصاء، وإنما المراد بيان وجه المغالطة عند من قال بعدم وجود منهج للقرون المفضلة في التلقي والاستدلال، برغم أن الأمر ظاهر جداً ولله الحمد.
كما يلاحظ في خطاب تجديد القراءة أن من معاييره المضمرة “معيار المغايرة” بمعنى “مخالفة السائد” , وهذا يذكرني بأحد أوجه الترجيح عند بعض من كتب في أصول الفقه الشيعي والتي هي “مخالفة الجمهور” !
فترى كثيراً من غلاة المدنية يقولون لك: ما الإضافة التي قدمتها بهذه الرؤية الدينية؟ وكأن المعيار في صحة الرؤية الدينية أن تغاير الموجود؟! أو يقولون لك أين استقلاليتك؟ وكأن معيار الصواب في المفاهيم الشرعية هو أن تخالف من حولك! والحقيقة أن هذا الأمر “دين” إنما يبحث الإنسان فيه عن الحق والهدى وما كان عليه الأمر الأول، وليس غرضاً للمباهاة والمغايرة والاستقلالية الشخصية.
والمراد مما سبق كله برهنة “حجية منهج القرون المفضلة في التلقي والاستدلال” والذي ينبني عليه أن “التجديد” الذي يتشرف الإنسان به هو العودة لمنهج القرون المفضلة، والاجتهاد في إحياء ما اندرس من معالم الإسلام.
ومن الملاحظ أن من أكثر ما يجعل بعض الكتَّاب يتحاشون الإشارة لاحترامهم لـ “منهج القرون المفضلة” أمران:
أنهم رأوا أخطاء بعض المنتسبين للسلف كبعض البغي والتجني والفظاظة في الاحتساب الفكري على الأشخاص المعينين، أو جعل أقوال آحاد السلف منهجاً عاماً, أو مراعاة الأصول العلمية للسلف دون الأصول السلوكية الأخلاقية، ونحو ذلك، فصارت تلك الأخطاء الفردية فتنة لهم صرفتهم عن الخير، والواقع أنه كما أن أخطاء المنتسبين للكتاب والسنة لا يجوز أن تقودنا لتركهما، فكذلك بعض أخطاء المنتسبين للقرون المفضلة يجب أن لا تقودنا لهجر منهجهم، بل الواجب الذب عن منهجهم واستنقاذه أن تلوثه تلك الأخطاء، وقد أشار الإمام ابن تيمية إشارة لطيفة حول هذا الموضوع فقال:
(وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسلف ما حصل في المنتسبين إليهم من نوع تقصير وعدوان، وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية الصواب في خلافها، فإنَّ ما حصل من ذلك صار فتنة للمخالف لهم ضل به ضلالا كبيرا) مجموع الفتاوى 4/ 155
والأمر الثاني أن هؤلاء الكتَّاب وقعوا ضحية لسخرية دعاة “تجديد القراءة” عبر ألوان المعايب والمهامز التي يسكونها للتنفير من متبعي هذا المنهج، ككثرة لمزهم بعبارة “التقليدية” و“الأدلجة” وتشويه مصطلح “السلف”، والواجب على العامل للاسلام أن يسير في جهاده التجديدي المحمود، على منهج القرون المفضلة في النقل والعقل والسلوك، ويسليه في هذا الطريق قوله تعالى ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38].
وبالجملة فكل من تأمل ما ورد من النصوص الشرعية في فضل القرون المفضلة عموماً وأعياناً, واطلع على تاريخ حياتهم العلمية والسلوكية: علم قطعاً أن توقير القرون المفضلة، والاجتهاد في تحقيق مذهبهم، وحبهم واللهج بذكرهم، أمارة خير وحسن قصد، ومفتاح هداية في أهم المطالب، ولذلك قال الإمام ابن تيمية:
(وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة: بقدر استنانها، وقلة ابتداعها) المجموع 4/ 156
وخلاصة الأمر في الموقف من هذه الإشكالية أن: الدعوة إلى تجديد منهج قراءة النصوص بما يعارض منهج القرون المفضلة مؤداه تجهيل وتضليل تلك القرون المفضلة في أهم المطالب ومصادمة قطعيات النصوص في تقرير اهتدائهم وبصيرتهم، إذ الفضيلة ملازمة للاهتداء، ولا تكون الفضيلة مع الضلالة.
وختاماً .. أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا جميعاً حسن القصد والنية، وأن يسلم قلوبنا من الالتفات إلى ثناء المخلوقين وتطلب حمدهم، وأن يحمينا من تزين بعضنا لبعض، فقد تتابعت عبارات أئمة القرون المفضلة على أنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، بل لقد كان أئمة السلف يتراسلون فيما بينهم بهذا المعنى، ولذلك روى الإمام ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية بسنده إلى معقل بن عبيد الله الجزري قال:
(كانت العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض أنه: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن اهتم بأمر آخرته كفاه الله أمر دنياه)
وأنا أعلم أن هذه المقامات منازل إيمانية صعبة، الكلام عليها يسير ولكن بلوغها من أعسر الأعمال، وبها تميز أئمة القرون المفضلة حيث كانوا يجتهدون في أعمال القلوب ويقتصدون في العبادات الظاهرة، وإنما المراد من ذكر هذه المقامات تذكير النفس والإخوان بها، ومن تتبع وسائل الشريعة في بلوغ هذه المقامات الإيمانية العزيزة وجدها تدور حول ثلاثة وسائل: الاستعانة، والمجاهدة، والتواصي.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»
شروحات أخرى للكتاب27
سلسلة: التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني — الشيخ طارق مسعد24 حلقةً · نحو 13 ساعة و42 دقيقةعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0150:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0247:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0344:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0440:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0527:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0629:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0727:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0833:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0932:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1030:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1136:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1234:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1340:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1434:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1545:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1628:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1726:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1830:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1922:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2039:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2131:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2224:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2336:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 24 والأخير38:00
سلسلة: مناقشة كتاب مآلات الخطاب المدني — أحمد يوسف الهدهدحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- مآلات الخطاب المدني - نقاط مركزية | أحمد السيدأحمد السيد