مآلات الخطاب المدني
ينابيع الغلو المدني
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
هذا الخطاب الذي تطور بطريقة مؤلمة ووصل إلى حالة “غلو مدني” تتعارض مع أصول الوحي، اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه، ألا وهي: مناخ سبتمبر، والضخ الفرانكفوني، وحفاوة وسائل الإعلام، ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويه وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس. وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحققت اكتساحاً استثنائياً في فترة قصيرة.
ويبدو أن هذا الرواج السريع سيكون مؤقتاً ريثما يستعيد الاتجاه الإسلامي عافيته الأمنية، إذ لو كانت “المدرسة الفرانكفونية” تتكئ على عبقرية طروحاتها الخاصة لكان متحفها عامراً منذ الثمانينات وليس بعد العام 2001 م! وإنما رواجها بعد كسادها كان تبعاً لزلزال الظرف السياسي السبتمبري الذي قلب توازنات القوى رأساً على عقب، وسمح لكثير من الأفكار السياسية المتشنجة أن تبتسم فوق الطاولات المستديرة.
على أية حال فإن كثيراً من الشباب الإسلامي الذي أقبل على منتجات المدرسة الفرانكفونية في معارض الكتب وأمام رفوف الوحدة والساقي والجمل لم ينته من التهام تلك الكتابات إلا وقد تشرب “المفاهيم الضمنية” الحاكمة لتلك الكتابات، أو بمعنى آخر “المنطق الداخلي” لهذه الدراسات، وعلى رأس تلك المفاهيم مركزية المدنية وغائية الحضارة.
أولئك الشباب الذين كانوا يقرؤون أيام “أزمة الخليج” مجلة المجتمع ومجلة البيان والمودودي وسيد قطب والندوي ومحمد قطب ومحمد الغزالي وفتحي يكن ومحمد أحمد الراشد وجمال سلطان وبالكاد فهمي هويدي ومحمد عمارة، وتكتظ أدراج سياراتهم بكاسيتات العودة والحوالي .. أصبحوا “عشية سبتمبر” يقرؤون للمدرسة الفرانكفونية/المغاربية التي كان أشهر عمالقتها محمد عابد الجابري وعبدالله العروي ومحمد أركون وعبدالمجيد الشرفي وعبدالمجيد الصغير، بالإضافة إلى مشارقة محدودين كانوا قريبين من هذا الاتجاه كحسن حنفي وخليل عبدالكريم ونصر حامد أبو زيد وعبدالجواد ياسين وطيب تيزيني وحسين مروة وعلي حرب وبرهان غليون وفراس السواح .. وأضرابهم.
هذه الشريحة من الشباب الإسلامي اصطدمت في مقاعد المدرسة الفرانكفونية/المغاربية بـ “سؤال الحضارة”, وبات من نافل القول أن نشير إلى أن الصدمة كانت قاسية وشرسة جداً, لدرجة إحداث ارتجاجات فكرية وفقدان للتماسك الثقافي لدى كثير من هؤلاء القراء.
هذه الشريحة الشبابية -ذات الخلفية الدعوية الإسلامية- حاولت بادئ الأمر أن تقدم إجابة عن “سؤال الحضارة” ترضي الطرفين فتتلافى الاصطدام بانتمائها العميق الذي يشدها، وتتودد للذوق الفكري الذي تقرأ له بعد أن خضعت لسطوة خطابه، لكنها قبل أن تجيب فكرت كما يفكر خصمها وتبنت منطلقاته.
هذه الشريحة الشبابية لم تستوعب أبداً -حتى هذه اللحظة- أن المدرسة الفرانكفونية/المغاربية أعادت تشكيل منطقها تماماً, وأعادت صياغة نمط تفكيرها وطريقة تعاطيها للأمور، وأسلوب نظرها للوقائع، وتقييمها للأحداث، من خلال امتصاص أدواتها الخاصة للقراءة والتفسير والملاحظة، وإعادة ترتيب الهرم الداخلي للقيم، وإعادة رسم الجدول الذهني للأولويات.
السؤال الذي يملي نفسه في هذا الموضع: ما الفرق بين العلمانية العربية ما قبل (1984 م) والعلمانية العربية ما بعد (1984 م) ؟
فالعام 1984 م هو العام الذي احتضن واقعة صدور أول حلقة من سلسلة “نقد العقل العربي” للمفكر المغربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري والذي دشن العهد الجديد لتلمود العلمانية العربية التوفيقية، حيث مثلت الحلقات الأربع من هذه السلسلة والتي نشرت تباعاً بعنوان (تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي) الاكتمال المنهجي النهائي لمجموعة الدراسات المبعثرة التي سبقتها كمدونة “نحن والتراث” له.
ولذلك اعتبر بعض المؤرخين الليبراليين أنه إذا كان “الطهطاوي” هو مؤسس تجربة النهضة العربية الأولى، فإن “الجابري” مؤسس تجربة النهضة العربية الثانية، كما يقول ذلك عالم الاجتماع والناشط المعروف سعد الدين إبراهيم.
بل إن أشهر ناقد صارم لمشروع الجابري والذي كاد يذهب شطر عمره في تتبع شواهده ونقوله وما بين فواصله -وهو المفكر العربي المعروف جورج طرابيشي- يعترف ليس بأثر الجابري في مريديه وتلاميذه فهذا حدث تاريخي يتكرر، ولكن بسطوة الجابري المذهلة في أقرانه التي لم يفلت ناقده طرابيشي منها حين قرأ له أول مرة، ونفوذ المفكر في أقرانه ومجايليه استثناء عزيز في مدونة التاريخ، إذ المعاصرة حجاب.
والحقيقة أن وزن الجابري وكونه منعَطَف يكاد يكون محل إجماع بين المعاصرين، وهذا يعني أن تأريخ ظاهرة العلمانية/التوفيقية بالجابري ليس كثيراً بالقياس إلى وزنه وقدرته على اختراق الحواجز الخرسانية التي عانتها الخطابات التي جايلته من كافة التيارات.
أو بمعنى آخر: ما الفرق بين مدرسة صادق جلال العظم وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمد أحمد خلف الله ونظائرهم، وبين مدرسة الجابري وأركون وحسن حنفي ونظائرهم؟
بمعنى ما سر الجاذبية في دراسات العلمانية العربية الحديثة التي خلبت أذهان الشباب الإسلامي وجعلته يقبل بنهم على هذا اللون من الدراسات والأبحاث؟
الحقيقة أن الفرق الأساسي هو التحول من “الاستهداف المباشر للشريعة” إلى “إعادة تفسير التراث” من خلال الأدوات التي تطرحها العلوم الإنسانية الحديثة، أو بشكل آخر القفز من الإشكالية الأنطولوجية إلى الإشكالية الإبستمولوجية.
هذا الفارق هو بالضبط مصدر الجاذبية والإثارة لدى القارئ الإسلامي، وهي اللغة التي يفهمها جيداً,
لقد امتص وتشرب هؤلاء الشباب بصورة ضمنية كثيراً من المفاهيم المشبعة ببنية علمانية مضمرة، أو التي تدفع باتجاه تعزيز التصورات العلمانية، مثل مفهوم: عصر التدوين، والتنصيص السياسي، والعقل المستقيل، والأرثوذكسية الإسلامية، والنص كمنتج ثقافي، وميثية القرآن، وغيرها من أدوات التفكير العلماني.
على أية حال تظل المدرسة الفرانكفونية/المغاربية المعاصرة هي الأكثر تعبيراً عن هذا الشكل من الخطاب، واهتمامها بموضوعيها الرئيسين -إعادة تأويل التراث والتحليل الانثروبولوجي للحركة الإسلامية- كان مصدر الجاذبية والإغراء الذي حقق لها النفاذ إلى أسوار الداخل الإسلامي، ذلك أن الحقول والموضوعات ذات الاهتمام المشترك تمثل دوماً لغة مفهومة ومشتركة، ونقطة تعارف والتقاء، تتحول غالباً إلى حالة تلقٍّ تتحدد بوصلة نفوذها طبقاً لميزان القوى المعرفية، لتنتهي بحالة استعمار ثقافي.
والحقيقة أن لحظة انتقال هذه الشريحة الشبابية بين المدرستين لم تكن مجرد لحظة تفاعل طبيعي مع رافد ثقافي معين، بل شهدت ارتجاجات فكرية مذهلة كانت نتيجة لصدمة انقلاب السؤال المركزي بين المدرستين.
فالسؤال المركزي في مدرسة الفكر الإسلامي كان سؤال “انتصار الإسلام” ويدخل في ذلك سائر ما تم تطويره من “مفاهيم دعوية” تشكل نسيج هذا الفكر: كمفهوم الحل الإسلامي، وتحكيم الشريعة، والتزكية الإيمانية، والعمل الجماعي، وفقه الواقع، والتعدد التنظيمي، والعمل التربوي، وإنكار المنكرات، وتوعية الجاليات، وتفعيل المساجد، والأمن الفكري، وحراسة الفضيلة، والإعلام الإسلامي، وتضميد جراحات المسلمين، وإعداد القوة، ونحوها من المفاهيم الإسلامية وصيغ العلاقات العريقة في هذا الخطاب.
أما السؤال المركزي للمدرسة الفرانكفونية فقد كان “سؤال الحضارة” ومن ثم محاسبة التراث، والإتجاه الإسلامي، والمجتمع العربي، والدولة العربية الحديثة: على أساس الاقتراب والابتعاد عن “النموذج الغربي” الحديث، “حيث كان النموذج الغربي الحديث هو المعيار الضمني غير المعلن، وإن كان النص المغاربي في كثير من الأحيان يتظاهر بخلاف ذلك.”
هذه الصدمة بخطاب المدرسة الفرانكفونية، وسطوة جهازها المفاهيمي، واكتظاظ لغتها الباذخة، وترسانة شواهدها التراثية، وما يتناثر على جنبات نصوصها من أعلام أوروبية رنانة، وما تحيل إليه من تجربة غربية منتصرة، وما تنطوي عليه بعض فقراتها من هالة الغموض المبهر، وشحنها المستمر والمضمر ضد كل ما هو “لا غربي”: نجحت في اختطاف التفكير المتوازن، وتصديع الانتماء الدعوي، وإخضاع القارئ لمنطلقاتها الضمنية، والاستسلام لزواياها الخاصة في النظر والقراءة وتقييم الأمور، والتفكير في العالم من خلال شبكتها المفاهيمية ذاتها.
مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية -موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالاً خطياً تراكمياً من مدرسة إلى التي تليها، بقدر ما كان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.
أزعم أن الجزء الأكبر من فاتورة الارتباك الفكري لدى هذه الشريحة الشبابية المحلية تتحمله الإجابات الخاطئة عن سؤال الحضارة، والتي كانت نتيجة الاصطدام ببريق الخطاب الفرانكفوني تحت ضغوط الحادي عشر من سبتمبر والتي كان وسطنا الثقافي فيها أشبه بالمسافر اللاهث الذي يتعلق بأقرب حافلة لا يهددها قراصنة البيت الأبيض، بغض النظر هل كانت تلك الحافلة ستبلغه غايته أم ستنعطف به إلى غاية أخرى.
ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من “أعواد المنبر” فترة التسعينات إلى “قفص الاتهام” بعد سبتمبر بدد شيئاً من جاذبيته الاجتماعية، وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لا تتكئ على نجاحها الخاص، بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.
وهذا يعني -كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر، تماماً كما أننا نشاهد الهياج والصخب والإدانات العشوائية كأعراض طبيعية تصاحب الوهلة الأولى للحادث المروري ثم تعود الأمور إلى مجاريها وتكمل المسيرة طريقها بمجرد تجاوز آثار الدهشة الأولية.
وقد علَّمنا التاريخ دوماً أن الكساد المرتبط بظروف سياسية ينتهي بنهايتها، ولذلك فإن الجزيرة العربية التي ارتدت لظروف موت الرسول استعاد الخطاب الإسلامي موقعه فيها مباشرة بعد استقرار الخلافة على يد الصديق.
وعلى أية حال ومهما كانت ظاهرة الغلو المدني ظاهرة مؤقتة بحكم كونها مرتبطة بخلفيات حادث أمني فإننا مع ذلك يجب أن نبادر إلى تحليلها وتفكيك بنيتها الداخلية والإجابة على الأسئلة التي تشغلها وتملأ بها مقالاتها الصحفية وسجالاتها الإلكترونية وتعليقاتها الفضائية، ذلك أننا نفترض أولاً وقبل كل شيء أن ثمة عوامل موضوعية منحت هذه التساؤلات المشبوبة معنى معيناً في لحظةٍ تاريخيةٍ ما، وعليه فلا يجوز أن نعاملها باللامبالاة الباردة.
شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»
شروحات أخرى للكتاب27
سلسلة: التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني — الشيخ طارق مسعد24 حلقةً · نحو 13 ساعة و42 دقيقةعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0150:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0247:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0344:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0440:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0527:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0629:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0727:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0833:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0932:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1030:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1136:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1234:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1340:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1434:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1545:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1628:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1726:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1830:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1922:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2039:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2131:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2224:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2336:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 24 والأخير38:00
سلسلة: مناقشة كتاب مآلات الخطاب المدني — أحمد يوسف الهدهدحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- مآلات الخطاب المدني - نقاط مركزية | أحمد السيدأحمد السيد