تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

مآلات الخطاب المدني

الافتتان بالقوة المادية لخصوم الرسل

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 31-36 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 11 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمآلات الخطاب المدني

كاد أن يكون جوهر الصراع القرآني أساساً بين “المظاهر المادية” و “المبدأ الديني” أو ما يسميه القرآن الدنيا/الآخرة، ومن أشد ما يفتن الناس عن حقائق الوحي أنه يغلب على الرسل وأتباعهم من العاملين للدين المشغوفين بتبليغ هذا الوحي أنهم لا يملكون مظاهر القوة المادية الباذخة التي يتمتع بالاستحواذ على مفاصلها غير المسلمين.

وهذا “قانون تاريخي” وسنة كونية متكررة لا ينتهي العجب من تأمل أرشيفها الطاعن في العمر، فجمهور المبلغين عن الله منذ فجر النبوات وحتى لحظة العمل الإسلامي المعاصر يواجهون دوماً “قوى مادية” تفوقهم وتفتن الناس عن اتباع الوحي الذي معهم، إذ لو كان الأنبياء وأتباعهم يتمتعون بالموارد المادية والميزانيات الضخمة لما تخلف عن مساجدهم فرد واحد.

تأمل في تجارب الأنبياء وما انطوت عليه من الخبرات الدعوية ستجدها تكاد أن تكون جميعاً تمثالاً ناطقاً للصراع بين داعي “الوحي الإلهي” و فتنة “القوة المادية”, وستجد افتتان الناس بالقوة المادية يخلب ألبابهم ويعشي أبصارهم ويصرفهم عن الانصياع والاستسلام للوحي، وستجد العاملين للدين يعانون الأمرَّين من افتتان الناس بالمظاهر المادية.

فالرسول الأول نوح عليه السلام قال له قومه بكل صراحة مادية:

﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ، وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ [هود:27]

واستمر هذا الإحساس حاضراً في مشاعرهم تجاه المؤمنين بالوحي حتى تحولت عندهم إلى حجة وبرهان يتعللون به كما قال تعالى عنهم في سورة الشعراء:

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:111]

وما إن أقلعت السماء وغيض الماء وطوى النسيان أجيال نوح إلا وكانت “عاد الأولى” قد استلمت زمام الخلافة في الأرض كما قال تعالى عنهم:

﴿وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف:69]

فعمروا جنوب الجزيرة العربية في منطقة الأحقاف وإرم، وكانوا يتمتعون بقوة مادية مذهلة فكانت لهم بنية جسدية استثنائية، وكثافة سكانية، مكنتهم من الترف المعيشي وفنون العمارة، والانفراد بالجبروت العسكري على العالم، وهذه القوة المادية ورطتهم في الغرور وصرفتهم عن الإيمان بلقاء الله والاستسلام للوحي، كما يحكي تعالى عن قوتهم الجسدية في سورة الأعراف:

﴿وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف:69]

ويؤكد تعالى بنيتهم الجسدية الاستثنائية في سورة الفجر:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [6 - 8]

ويصف القرآن قصورهم ومنشآتهم الضخمة وبطشهم العسكري في سورة الشعراء فيقول سبحانه:

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [128 - 130]

هذه المظاهر المادية حجبت عيونهم بعصابة الزهو، حتى تساءلوا أمام نبي الله ذلك السؤال المنتفش بالغرور المجوف فقالوا بكل غطرسة سياسية: “من أشد منا قوة؟”

كما حكى الله سبحانه مقالتهم هذه:

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟﴾ [فصلت:15]

بالله عليك .. أعد التأمل في تساؤلهم المغرور “من أشد منا قوة؟”

ثم انظر إلى جواب جبار السموات والأرض بعظمته الإلهية إذ يرد عليهم قائلاً سبحانه:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً!﴾

إمكانياتهم المادية طاشت بهم فوق طواويس الغرور، فألقوا رزانة الإيمان وكذبوا بلقاء الله بكل بجاحة، وقالوا مستهترين:

﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:35 - 36]

وكانت “الطبقة المترفة” في قوم عاد -كما هو قانون التاريخ- أشد المعارضين لدعوة الوحي، كما قال تعالى عنهم في سورة المؤمنون:

﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون:33]

ولم تغرب شمس عاد في كارثة أعاصيرها المعروفة التي دامت أسبوعاً إلا وكانت حضارة المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية قد بزغت وأعادت مسلسل الغرور بمظاهر القوة المدنية المادية.

فقد تمتعت ثمود أيضاً بالخلافة في الأرض بعد قوم عاد، وأوغلوا هم أيضاً في فنون النحت والعمارة، وبعض آثارهم الباقية اليوم شاهدة بما غاب من مدنيتهم، وقد قال تعالى عن خلافتهم وقصورهم:

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ، وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا، وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف:74]

وقال تعالى في سورة الشعراء واصفاً رفاههم ونحتهم:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:146 - 149]

وكان إبداعهم في نحت الجبال يوفر لهم استقراراً أمنياً كما أشار تعالى في سورة الحجر بقوله:

﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر:82] وقال تعالى مشيراً إلى عمارتهم للدنيا:

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:61]

فغرتهم إمكانياتهم المادية، وتفوقهم المدني على مجايليهم، ونظروا بمعيار المظاهر، فجحدوا الوحي الذي أتى به نبي الله صالح عليه السلام، واستنكروا أصلاً أن يختص من لم يتميز بمظهر مادي بالوحي والنبوة، كما قال تعالى في سورة القمر:

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ، فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ، أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:23 - 25]

ولكن .. وكما هي السنة الكونية وقانون التاريخ، فقد كان المتبنون لمضايقة نبي الله صالح هم الكبراء وأصحاب المظاهر المادية، وكان أنصاره ضعفاء الناس، كما ينقل الله لنا هذا الحوار في سورة الأعراف:

﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون﴾ [الأعراف:75 - 76]

وبمناسبة الحديث عن الإمكانيات المادية لعاد وثمود أتذكر ملاحظة مبدعة لعلامة التأريخ “ابن خلدون” ذكرها في مقدمته حيث يقول:

(مباني الدولة وهياكلها العظيمة إنما تكون على نسبة قوة الدولة في أصلها، لأنها لا تتم إلا بكثرة الفعلة واجتماع الأيدي على العمل والتعاون فيه، فإذا كانت الدولة عظيمة فسيحة الجوانب، كثيرة الممالك والرعايا، كان الفعلة كثيرين جداً, وحشروا من آفاق الدولة وأقطارها، فتم العمل على أعظم هياكله، ألا ترى إلى مصانع قوم عاد وثمود، وما قصه القرآن عنهما، وانظر بالمشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس، حتى إنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه، وشرع فيه ثم أدركه العجز، فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه، مع بون ما بين الهدم والبناء في السهولة)

على أية حال .. ما إن نعق غراب الجزيرة العربية فوق خرائب عاد وثمود بكل مظاهر قوتيهما، إلا وكان نبي الله موسى بين أهرام مصر يواجه هذه المرة “الحضارة الفرعونية” بكامل وزنها التاريخي وإمكانياتها الإمبراطورية، ليتكرر من جديد مسلسل طغيان القوة المدنية وغرورها أمام الوحي.

تربع فرعون فوق “المكتب البيضاوي” لإدارة العالم كما صور ذلك الداخل الملكي بقوله تعالى في سورة غافر:

﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:29]

وتباهى فرعون عالياً بإمكانياته السياسية كما قال تعالى عنه في سورة الزخرف:

﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:51]

ولا ينقضي العجب من عمق فهم نبي الله موسى وملاحظته كيف فتنت الحضارة الفرعونية وقوتها المدنية الناس، وكيف صرفتهم عن الاستسلام للوحي تلك المقاييس المادية المركوزة في النفوس البشرية، فيعبر كليم الله موسى عن هذا القانون التاريخي لأعظم تحدٍّ يواجه الدعوات كما في قوله تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس:88]

وحين أرسل الله موسى إلى المجتمع المصري المتقدم لم يقل له أيقظ قومك ليستفيدوا من الحضارة المصرية، بل أرسله لينورهم بالوحي من ظلمات حضارتهم، كما قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم:5]

بل إن الله سبحانه وتعالى -طبقاً لميزانه سبحانه- فضل بني إسرائيل بما معهم من العلوم الإلهية على الفراعنة بما معهم من الحضارة، كما قال تعالى:

﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلنهم على العالمين﴾ [الجاثية:16]

فإذا تأمل القارئ هذا الموضع وكيف كان سبب تفضيل بني إسرائيل أنوار النبوة والكتاب، وكيف لم تفلح حضارة الفراعنة في إخراجهم من الظلمات، استبان له “الميزان الإلهي” لتقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات والحضارات والمدنيات، وميزان المسلم تبع لميزان الله جل وعلا.

ولم يكن الحال جديداً بالنسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الجاحدون لنبوته والوحي الذي معه يتعلقون في الإعراض عنه بضعفه المادي، وأنه لا يتمتع بمظاهر القوة والرفاه كما يتمتع بها بعض اللامعين في منطقة الحجاز، ورأوا أنه لا يليق الخضوع لنبي إلا إن كان من أشراف الطبقة الارستقراطية في عاصمتي الحجاز وهما مكة والطائف كما قال تعالى عنهم في سورة الزخرف:

﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:31]

يعنون بالرجلين الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي.

وبكل صراحة ووضوح واجهوه بأنه لا يملك “ثروة مادية” يستحق بها أن يتبعوه كما ساق تعالى احتجاجهم في سورة الفرقان بقولهم:

﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَاكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان:8]

وبعد هذه الآية مباشرة يعقب سبحانه وتعالى على هذا الاحتجاج المادي الرخيص بكونه لا يعجزه سبحانه ذلك ولكنه أراد اختبارهم وامتحانهم فقال سبحانه وتعالى:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان:10] ولكن الله سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن ينبه نبيه ويحذره أن لا يفتتن بتعلقهم بالماديات، ويعيد تذكير نبيه بالقانون التاريخي للدعوات وهو الصراع بين الوحي والمادة، وتحدي الإيمان للمظاهر المدنية، كما قال سبحانه في سورة هود:

﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ [هود:12]

بل ولقن الله سبحانه نبيه محمداً أن يقول لقريش بكل صراحة ووضوح أنه لا يملك القوة المادية والكنوز والخزائن التي هي معيارهم ومقياسهم، وإنما هو داعية إلى الوحي، كما قال تعالى لنبيه:

﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:50]

فانظر كيف فتنوا عن اتباع النبي بكونه لا يملك مظاهر مادية يستحق بها الخضوع، بل انظر ما هو أعجب من ذلك وهو أن يكون هذا هو جوهر الاختبار الإلهي لهم وهو الانخلاع من التعلق بالماديات والانصياع للوحي، ولذلك نبه الله نبيه ألا يضيق صدره ببعض الوحي نتيجة كونه لا يملك المظاهر المادية التي هي معيارهم في الانقياد، وأن الله سبحانه لن يجيبهم إلى ما طلبوا فيما وضعوه من مقاييس مادية للاتباع، فإما أن يختاروا طريق الوحي أو طريق المادة!

والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يتربع على عرش القوة والإمكانيات لما تخلف من خصومه أحد، لا للحق الأخروي الذي معه ولكن للقوة الدنيوية التي بيديه، وأي معنى لاختبار وامتحان وابتلاء في اتباع القوي المسيطر؟

ولذلك لما كان نبي الله سليمان عليه السلام “ملكاً” في الأرض بيده كل أدوات النفوذ لم يتخلف عن الإيمان به أحد لا من الجن ولا من الانس بل كانوا طوع إشارته وأمره، ولذلك لما تلكأت بلقيس ملكة سبأ في الخضوع وأرادت أن تصانعه بالهدايا الضخمة في قولها:

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:35]

هددها نبي الله سليمان بتسيير ألوية الجيوش الجرارة كما يقول عليه السلام:

﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾ [النمل:37]

فجاءته وقد خلبتها الدهشة من روعة المنشآت الزجاجية التي رأتها فاستسلمت لنبي الله كما يحكي الله سبحانه وتعالى:

﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:44] هذا القانون التاريخي للرسالات السماوية -وهو افتتان الناس بالمظاهر المادية لخصوم الرسل- يعرفه كل من شدا طرفاً من “تاريخ النبوات”, فدعاة الوحي غالباً في ضعف مادي وليس في صفهم إلا ضعفاء الناس، بينما اللامعون والكبراء وأصحاب النفوذ يضايقونهم.

ولذلك لما كان هرقل مطلعاً على “تاريخ النبوات” سأل سؤالاً ذا دلالة بليغة وعقب عليه بتعليق أذكى وأدهى، فكما في الصحيحين أن هرقل قال لأبي سفيان:

(وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل)

شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»

شروحات أخرى للكتاب27

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ