تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

مآلات الخطاب المدني

فكرة السلم المطلق

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 108-110 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 4 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمآلات الخطاب المدني

بعض غلاة المدنية يردد فكرة السلم المطلق، ويدعو إلى مواجهة مشروعات الاحتلال العسكري الصريحة بلغة الحب ورحابة الصدر الأعزل ونحو ذلك من الأفكار الحالمة المستلهمة من نموذج الحكيم الهندي المعروف “المهاتما غاندي”, وبعضهم يبالغ في تبجيل غاندي وعرضه كمخلص.

والحقيقة أن شريعة الله سبحانه وتعالى أرقى وأحكم من شريعة غاندي، وهذا الموضع موضع خطير على الإيمان لتضمنه المعارضة العملية لمحكمات الوحي، فإن الله سبحانه وتعالى شرع البر للمسالم والإثخان للمعتدي، وقد أمرنا الله بذلك كما في قوله تعالى:

﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾

وفي موضعين من كتاب الله تعالى في سورتي التوبة والتحريم أمرنا سبحانه أمراً صريحاً بالغلظة للمعتدين فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73، والتحريم:9]

وأمرنا سبحانه بالإثخان في قوله تعالى:

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾

وأمر سبحانه الملائكة بقوله:

﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:12]

وأمر سبحانه بالتشريد للمعتدين فقال سبحانه:

﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال:57]

بل إن الله سبحانه وتعالى نهانا إذا نشبت المعركة مع المعتدي أن نبدأ الدعوة للسلام وإنهاء الحرب إذا كنا نحن الطرف الأقوى فقال تعالى ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ وهذا توجيه إلهي صريح لا تستطيع كل تعسفات النظرية السلمية أن تفرغه من محتواه.

فإذا كان جبار السموات والأرض -كما في الآيات السابقة- يحثنا على مواجهة المحتل والمعتدي بالإثخان والغلظة وضرب الرقاب والتشريد في الأرض وعدم البدء بالدعوة للسلام، ويحببنا في هذه الأعمال الشريفة ويثيبنا عليها، فكيف يتجرأ عاقل ويستدرك على الله جل وعلا ويرى أن رأي رجل هندوسي وثني أحكم وأرقى؟!

والله ولو امتلأ القلب بتوقير الله وقدره حق قدره لامتنع أصلاً أن يزاحم حكم الله بحكم رجل هندوسي، ولا يرتاب عاقل أن هذا الموطن الذي يقدم فيه حكم غير الله أن فيه شعبة من شعب النفاق التي حذر الله المسلم من الوقوع فيها، كما في قوله تعالى ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾.

هذا طبعاً من حيث علاقة فكرة السلم المطلق بنصوص الوحي، أما علاقتها بالواقع فهي فكرة رومانسية طريفة، ذلك أن جمهور الأمم المعاصرة اليوم تمجد أبطالها القوميين ذوي البسالة في المعارك الكبرى، وترفعهم بحسب عبقريتهم في ازهاق الأعداء وصناعة الانتصارات القتالية الحاسمة، وتبني لهم النصب التذكارية في مراكز المدن، وهذا أمر مشاهد معلوم.

ومواجهة المحتل بالإثخان والتشريد ونحوها لا تعني الإخلال بأخلاقيات الجهاد الشرعي، كاستهداف أمن البلدان الإسلامية، أو انتهاك فريضة الله في المعاهَد والمستأمَن ومن له شبهة أمان، فهذا انحراف عن الجهاد الشرعي الشريف لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام المتقدمين أو المعاصرين ولله الحمد، وإنما الموفق من أخذ الكتاب كله ولم يقع في تبعيضه، فعمل بشريعة الإثخان والتشريد وراعى حقوق معصومي الدماء من المسلمين والمعاهدين والمستأمنين ومن لهم شبهة أمان، فإن التحرز في الدماء عنوان الديانة.

بل ما أقرب أن يقال -والعلم عند الله- أنه ما استطال أهل الأهواء اليوم على الدعوة إلا بشؤم معصية الله في انتهاك أخلاقيات الجهاد الشرعي، فبعد أن كان أهل الدعوة في منعة لا يرقى إليهم الشك أصبح الكثير منهم اليوم موضع الارتياب والرقابة، وتسلط عليهم كثير من أهل الباطل بالتعيير والتشنيع، وما أكثر ما تتسبب معصية فردية في ابتلاء عام يطال الأخيار وأفاضل الناس، ولذلك لما عصى الرماة هدي الله في الجهاد سلط الله الكفار حتى نالوا من رسول الله وكبار أصحابه، فكسرت رَبَاعِيتُه وشُجّ في وجهه، ودخل في وجنته الشريفة حلقتان من حلق المغفر، كما قال تعالى: ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾

وفي وقعة حنين لما تسربت معصية العجب إلى بعض الأفراد ابتلى الله المسلمين أفاضلهم ومن دونهم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت كما قال تعالى: ﴿ويوم حنين اذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾.

فهذه العمليات المنحرفة التي استهدفت أمن البلدان الإسلامية واستهترت بضوابط الشريعة في عصمة الدماء، تسببت في تشويه الجهاد الملتزم بأخلاقيات الجهاد الشرعي وقيمه السامية، حتى أصبحت لا تكاد ترى من ينبس باسمه خوفاً من أن يجر بتهمة الإرهاب، وجرأت كثيراً من السفهاء على أن يستهينوا بشيء من مضامين الوحي ما كانوا يتجرؤون على الإعلان بمثلها، فأي شؤم لتلك العمليات أكثر من ذلك.

فهذه سنة كونية لآثار المعاصي على الدعوات لا يستوعبها العقل المادي وإنما يعقلها من امتلأ قلبه يقيناً بالآثار الغيبية، نسأل الله الكريم أن يتوب علينا جميعاً بواسع مغفرته ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»

شروحات أخرى للكتاب27

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ