تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

مفاتيح السياسة الشرعية

الدائرة المفوضة: الشروط الجعلية في عقد البيعة

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 42-49 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمفاتيح السياسة الشرعية

يجوز للأمة أن تبايع الإمام بيعة مطلقة زمنياً، فلا يوقفها إلا مانع شرعي كالكفر البواح، ويجوز للأمة أن توقت الولاية فتجعلها محدودة بسنوات معينة كخمس أو ست أو سبع ونحوها، وبالتالي تتيح تداول السلطة بين الأصلح من المرشحين، يقول الفقيه المعاصر ابن عثيمين رحمه الله:

(جعل الولاية مقيدة بسنوات، هذا طيب، حتى يُختبر ويُنظر، وكم من إنسان لا نظن أنه أهلاً فيكون أهلاً، وكم من إنسان يكون بالعكس، نظنه أهلاً ويكون غير أهل، نظن أن هذا الرجل ملتزماً، ونظنه يقوم بالواجب، فإذا به يعجز، يكون ضعيفاً فلا يستطيع أن يقوم بالواجب. وهذا ليس عقد إيجار، هذا ولاية، لكن يقدر بأربع سنوات أو ثلاث أو خمس، حسب ما تقتضيه المصلحة) [ابن عثيمين، شرح السياسة الشرعية، ص ٢٥، طبعة ابن حزم، والنص محذوف من طبعة المؤسسة لحساسيته، وأبقوا مسائل لا صلة لها بجوهر الكتاب كالتلقيح الصناعي]

وأكثر الباحثين في السياسة الشرعية يتوهم أن (تأقيت الولاية وتداول السلطة) مسألة محسومة إثباتاً أو نفياً، فبعضهم يتحمس لإثبات التأقيت والتداول، وبعضهم يتحمس لنفي التأقيت والتداول وإثبات الإطلاق الزمني، وكلا الرأيين مرجوح قطعاً، فالصواب أن مسألة (تأقيت الولاية وتداول السلطة) مفوضة للأمة تختار فيها ما يحقق المصلحة الراجحة، لأن الإمامة والولاية (عقد سياسي شرعي) والتأقيت والتداول مسألة سياسية إجرائية مندرجة تحت قاعدة (الشروط الجعلية في الولاية).

العلاقة بين السلطات

هذه الإشكالية التي يعبر عنها كثيراً بـ “فصل السلطات” (Separation of Powers) هي غاية الإشكاليات في النظم السياسية المعاصرة، فالعلاقة بين السلطات (التشريعية-القضائية-التنفيذية) فيها صيغ كثيرة ومتنوعة، ففي العلاقة بين السلطتين (التنفيذية) و (التشريعية) قد تكون السلطة التنفيذية مستقلة عن السلطة التشريعية (بعض النظم الرئاسية)، وقد تكون السلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية (أغلب النظم البرلمانية)، وقد تكون السلطة التنفيذية خاضعة للسلطة التشريعية (نظام الجمعية في سويسرا).

وفي العلاقة بين السلطتين (التنفيذية) و (القضائية)، فهناك من يأخذ بآلية انتخاب القضاة (أمريكا) وهناك من يأخذ بآلية التعيين طبقاً لقانون يضمن الاستقلال (انجلترا).

وفي العلاقة بين السلطتين (التشريعية) و(القضائية) فبعض النظم تأخذ بفكرة جهاز سياسي مكلف بمراقبة دستورية التشريعات، وبعضها يُكلّ المهمة إلى (الجهاز القضائي) إما بـ(طريقة رفع الدعوى) ضد التشريع بمخالفته الدستور فتقوم (المحكمة الدستورية) أو (المحكمة العليا) بإلغاء التشريع، ولكن هذا النوع من سلطة القضاء على تشريعات البرلمان يواجه جدلاً واسعاً في المجال السياسي الغربي، إذ أن البرلمان يعتبر نفسه المعبر عن الإرادة الشعبية، فكيف يقوم القضاء بإلغاء تشريعاته؟! وهو ما حدى ببعض المفكرين الغربيين بتسمية هذه الظاهرة (حكومة القضاة)، حيث يرون فيها أنها تخالف مبدأ الفصل بين السلطات! وفي حالات أخرى تكتفي بعض النظم الديمقراطية بفكرة (الرقابة السلبية للقضاة) أي حق القاضي في الامتناع عن التنفيذ فقط، وتسمى (طريقة الدفع) فإذا احتج أحد المترافعين أمام القاضي بأن القانون الذي يحتكم إليه خصمه مخالف للدستور اكتفى القاضي بعدم تطبيق القانون محل الدعوى دون أن يقضي بإلغائه كلياً، فيصبح سارياً في غيره من الحالات ما لم يعترض عليه مترافع آخر ويكون القاضي قد اقتنع بدعواه بعدم دستورية التشريع، وهذه الآلية تثير إشكالية فقد القانون عموميته على الناس فيصبح يطبق على البعض دون غيرهم بحسب قناعة القاضي بدستورية القانون!

ولذلك فبعض الدول الديمقراطية أخذت بفكرة سلطة القضاء في مراقبة دستورية القانون (أمريكا) وبعض الدول الديمقراطية منعت القضاة من الرقابة على دستورية القانون أخذاً بمبدأ انفصال السلطة التشريعية عن القضائية (فرنسا).

هذه إشارات خاطفة للخلاف الواسع في تفسير وتطبيق مبدأ فصل السلطات، وهناك اتجاه ناقد لهذا المبدأ، يمكن للتوسع حول إشكالية فصل السلطات مراجعة الكتاب التالي:

Kaufman & Goldwin, Separation of powers: does it still work? وخصوصاً الفصل الخامس منه، ففيه عروض نقدية هامة.

وفي السنوات الأخيرة صدر قانونان هامان في بريطانيا وهما: قانون الإصلاح الدستوري (٢٠٠٥م) وقانون حقوق الإنسان (١٩٩٨م) وكان لهذين القانونين تأثيرات جوهرية على المفاهيم الدستورية البريطانية وخصوصاً على مفهوم فصل السلطات، حيث عدل هذان القانونان في علاقات السلطات في بريطانيا، وقد صدرت دراسة حديثة رصينة هذا العام (٢٠١١م) من مطبوعات كامبريدج، تدرس هذه التغيرات في مفهوم فصل السلطات بعد صدور القانونين، وهي خاصة بالتغيرات في العلاقة بين السلطات، انظر:

Masterman, The Separation of Powers in the Contemporary Constitution

حسنًا .. إزاء هذا الاختلاف الواسع في العلاقة بين السلطات، فصلاً ودمجاً، أو تعاوناً وتكاملاً، والاختلاف الواسع في تفسير وتطبيق مبدأ فصل السلطات وتركيز السلطات، فما هو التصور السياسي الإسلامي لذلك؟ الراجح قطعاً في هذه المسألة هو أنها موكولة لاختيار الأمة، لأنها مسألة إجرائية، والولاية عقد سياسي شرعي، خاضع للشروط الجعلية التي يشترطها المبايعون.

وبعض الناس يردد (فصل السلطات) وهو يجهل أصلاً الجدل الواسع في تفسير وتطبيق هذا المبدأ، فلا نثبت فصل السلطات بالإطلاق، ولا ننفي بإطلاق، ولا نعين صيغة معينة من هذه الصيغ؛ وإنما نكل الأمر للأمة في الدائرة الاجتهادية البشرية، ونستثنى فقط ما وردت النصوص باستثناءه، مثل: استقلال القضاء بأيدي القضاة، واستقلال الشريعة فوق الجميع، والمرجع في فهمها أهل الذكر، كما نص على ذلك كتاب الله.

انتخاب القضاة أم تعيينهم؟

الوسائل المعاصرة لاختيار القضاة متفاوتة، فمنها اختيار الناخب مباشرة كما في كثير من الولايات في أمريكا (إلا طبعاً قضاة المحكمة العليا فيعينهم الرئيس) وهذه الطريقة لها ميزة وهي استقلال قضاة الولايات عن السلطة التنفيذية، ولكن هذه الطريقة تواجه هذين انتقادين رئيسيين: خضوع القضاة لتأثيرات الأحزاب السياسية، وأن أفراد الشعب لا يميزون أهلية القاضي. والأسلوب الثاني هو أن تقوم هيئة تشريعية خاصة بفحص كفاة القضاة واختيارهم، والأسلوب الثالث: هو أن تقوم السلطة التنفيذية باختيار القضاء، وتأخذ بهذه الطريقة أكثر النظم السياسية. وقد ناقش شيخ الدستوريين العرب د. سليمان الطماوي الانتقادات الموجهة لكل طريقة في كتاب مبكر (انظر: النظم السياسية والقانون الدستوري، الطماوي، ص ٢٧٤).

حسنًا .. ما هو موقف النظام السياسي الإسلامي؟ وأي الوسائل تتبع؟ الموقف هو أن هذه مسألة “إجرائية”، والولاية عقد سياسي شرعي، فهي موكولة ومفوضة لاختيار الأمة (مباشرة أو عبر ممثليها).

طرق الانتخاب

تتفاوت النظم الديمقراطية إلى عدة أساليب، فبعضها ينتخب الرئيس مباشرة (على درجة واحدة أو درجتين) وميزة هذه الطريقة دعم موقع الرئيس في استقلاله عن البرلمان، باعتباره يجسد إرادة الناخبين مباشرة، وتأخذ بهذه الطريقة النظم الرئاسية. والأسلوب الثاني: انتخاب الرئيس عبر أعضاء البرلمان، ويرى نقاد هذه الطريقة أنها تفرز عادةً رؤساء ضعفاء أمام البرلمان. والأسلوب الثالث: هو دمج الطريقتين، بأن يشترك البرلمان مع جمعيات أو هيئات شعبية في انتخاب الرئيس. وقد ناقش هذه الطرق الثلاث شيخ الدستوريين العرب الطماوي في كتابه الآخر (السلطات الثلاث، د. سليمان الطماوي، ص ٢٥٨).

حسنًا .. ما موقف السياسة الشرعية من هذه الطرق؟ الجواب بكل وضوح: هذه مسائل إجرائية، والولاية عقد سياسي شرعي، فهي مفوضة للأمة، تختار منها عبر الشروط الجعلية.

آليات الانتخاب

ثمة طرق كثيرة، وصارت اليوم في غاية التعقيد “الرياضي” لحساب الأصوات وإجراء الانتخاب مثل: إشكالية تقطيع الدوائر الانتخابية، وتوازن الناخبين في كل دائرة، والتقطيع الاصطناعي الذي يفتح المجال لإغراق ناخبي توجه سياسي معين بغيرهم، للاستحصال على نتائج مخططة مسبقاً، ويضاعف المشكلة دوماً أن الأحزاب الحاكمة هي التي تشرف على التقطيع الانتخابي.

وكذلك في مجال (شكل الاقتراع) فهناك آلية الانتخاب الأحادي (التصويت على مرشح واحد) وهناك آلية الانتخاب بالقائمة (التصويت على قائمة مرشحين)، وثمة جدل كلاسيكي معروف بين محاسن وثغرات كل آلية منها.

وكذلك إشكالية (توزيع المقاعد) فهناك ما يسمى (أسلوب المعدل الانتخابي) وهناك ما يسمى (أسلوب المعدل الثابت).

وكذلك بعد توزيع المقاعد ما يسمى (الخارج الانتخابي) وكيف توزع (المقاعد المتبقية)؟ وفيها أيضاً أساليب حسابية متفاوتة مثل (طريقة أكبر البقايا) و (طريقة أكبر المعدلات) و (طريقة هوندت)، إلى درجة أن فيها “نظريات رياضية” لحساب التمثيل العادل، وهوندت نفسه هو عالم بلجيكي.

وثمة دراسات دستورية كثيرة معاصرة تتحدث عن العلاقة بين هذين المعطيين (أشكال الاقتراع) و (التركيبات الحزبية)

حسناً .. ما موقف السياسة الشرعية من هذه الآليات؟ الجواب بكل وضوح: كل هذه الآليات الانتخابية المتفاوتة يرجع في تحديد الأفضل منها إلى الأمة (مباشرة أو عبر ممثليها)، لتحديد الآلية الأنسب لها، لأنها مسائل إجرائية، والولاية عقد سياسي شرعي، وتخضع هذه المسائل للشروط الجعلية.

وهكذا -أيضاً- كل المسائل السياسية “الإجرائية” مفوضة لاختيار الأمة في (الشروط الجعلية) في البيعة، ولا يجوز إلزام الأمة بشيء ما لم يخالف نصاً شرعياً، وما مضى هو مجرد أمثلة لتوضيح بعدين أساسيين: أولهما أن أكثر مسائل السياسة الشرعية مفوضة للأمة لأنها مسائل إجرائية لا تخالف الشريعة، وثانيهما: لفت الانتباه إلى عظم وأهمية تكييف الولاية والإمامة بأنها (عقد سياسي شرعي) فهذا يعني احترام اختيارات الأمة وشروطها فيما هو مفوض لها.

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ