مفاتيح السياسة الشرعية
واجب الأمة في التقويم السياسي ووظيفة الدولة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
تعتبر كثير من النظم السياسية المعاصرة قضية (الرقابة والمحاسبة) حقًا للشعب، لكنها في (السياسة الشرعية) تتبوأ تكييفاً أعظم من ذلك، فما سماه الصحابة (تقويم الولاة) يعتبر في التكييف الفقهي (فرض كفاية) على الأمة، وليس مجرد (حق للشعب)، لأن التقويم السياسي (الذي يسمى في عصرنا الرقابة والمحاسبة) جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسأستعرض في ذلك بعض الشواهد:
خطب ابوبكر رضي الله عنه وقال (خطب أبو بكر، رضي الله عنه، فقال: إني وليتكم ولست من أخيركم، وإنما أنا بشر مثلكم، فإن أصبت فاحمدوا الله، وإن أخطأت فقوموني) [البزار: ١٠٠].
قال ابن تيمية تعليقاً على المبدأ السياسي في خطبة أبي بكر هذه:
(وأما قول أبي بكر “فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني”، فهذا من كمال عدله وتقواه، وواجب على كل إمام أن يقتدي به في ذلك، وواجب على الرعية أن تُعامل الأئمة بذلك، فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ بينوا له الصواب ودلوه عليه، وإن تعمد ظلماً منعوه منه بحسب الإمكان) [منهاج السنة: ٨/٢٧٢].
فلاحظ في هذا التحليل التيمي لخطبة أبي بكر أن ابن تيمية جعل (التقويم السياسي) واجب، وليس مجرد حق، فقال “واجب على الرعية أن تعامل الأئمة بذلك”، ولاحظ أيضاً في هذا التحليل الفقهي قاعدة أهل السنة وهي (القدرة والإمكان) فربط منع الظلم بالإمكان.
وقال ابن داود، عبد الرحمن بن أبي بكر الحنبلي (ت ٨٥٦هـ) في كتابه المشهور الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
(والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين، والصدع بالحق، وقلة المبالاة بسطوتهم، إيثاراً لإقامة حق الله سبحانه) [الكنز الأكبر: ٢٠١-٢٠٢].
وهناك نصوص هامة جداً للإمام أحمد في فقه الإنكار على الولاة، نقلها راوية علم الإمام أحمد، الحافظ أبو بكر الخلال (ت ٣١١هـ) في رسالته الثمينة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ولا يسعني نقلها في هذا الملخص، وأكثر ما شدني في رسالة الخلال هذه - التي جمعت فتاوى أحمد في النهي عن المنكر - هو كراهية أحمد الشديدة لتأليب ولاة الجور على أصحاب المنكرات الخاصة، فقد نهى عن ذلك في وقائع متعددة، وسأحاول عرض هذه النصوص واستخلاص مبدأ أحمد منها في مناسبة أخرى بإذن الله.
وقبل أن نغادر هذه المسألة أظنه لا مناص من التنويه إلى أن مسألة الإنكار على الولاة مربوطة بالمصلحة والمفسدة، وليست المسألة مفتوحة للفوضى هكذا، بل يجب الموازنة بين هذا المعطى وبين بقية النصوص، وقد لخص الفقيه ابن عثيمين ذلك بقوله في مسألة “الإنكار العلني على الولاة”:
(إذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير، بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير) [الباب المفتوح: ٦٢]
وهذا التفصيل من الشيخ ابن عثيمين وربط الإنكار العلني على الولاة بالمصلحة والمفسدة، ومراعاة الحكمة وبعد النظر، من أحسن ما قرأت في هذا الباب، والله أعلم.
والمراد من ذلك كله تقرير مبدأ (واجب الأمة في التقويم السياسي) وهو الذي يسميه المعاصرون (مبدأ الرقابة والمحاسبة)، وفيه تفاصيل ليس هذا المختصر موضعها.
حدود الطاعة السياسية
اختلف أهل العلم في حدود الطاعة السياسية، على ثلاثة أقوال، القول الأول: أن ولاة العدل تجب طاعتهم، وولاة الجور لا تجب طاعتهم، قال العدوي المالكي (قال الثاني: ولا تجب طاعة ولاية الجور إلا لخوف القتال والنزاع فيطاع عند ذلك…، وأما الجائر الذي ليس بعادل فهذا لا تجب طاعته ولو في الجائز كما يستفاد من عبارة الثاني) [حاشية العدوي: ١/١٢٢].
والقول الثاني: هو أن ولاية العدل والجور كلاهما تجب طاعتهم لكن بينهما فرق في مدى الطاعة لا في أصلها، وهو اختيار ابن تيمية وشرح ذلك في قوله (والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية وغير العدل تجب طاعته فيما علم أنه طاعة كالجهاد) [الفتاوى: ٢٩: ١٩٦].
والقول الثالث: أن طاعة الإمام لا يلتفت فيها إلى كونه عادلاً أو جائراً، بل يلتفت فيها إلى المأمور به نفسه، فإذا أمر بمعروف أو ما فيه مصلحة للمسلمين، فتجب طاعته، وإن أمر بمنكر أو ما فيه مفسدة للمسلمين، فلا تجب طاعته، ولا يلتفت إلى عدل الإمام ولا جوره، وهذا القول هو الراجح في نظري، لأنه هو الذي دلت عليه النصوص صراحة حيث أناطت الطاعة بالمعروف، وهي أحاديث كثيرة، ومنها قوله -صلى الله عليه وسلم- (إنما الطاعة في المعروف) [البخاري: ٧١٤٥]
وأما القول الذي نقله العدوي عن قاضي قضاة الديار المصرية محمد بن إبراهيم التتائي المالكي (ت ٩٤٢هـ) فهو قول مرجوح بلا ريب لأنه خلاف النصوص التي ذكرت ولاة الجور صراحة وأمرت بطاعتهم بـ“المعروف”، ومن أحسن من جمع هذه الأحاديث في سياق واحد الإمام مسلم في صحيحه، وقد نقلت شطراً منها آنفاً، ولولا ذلك لتعطلت مصالح المسلمين لشيوع الجور نسأل الله العافية.
وظيفة الدولة المسلمة
لا يختلف فقهاء الإسلام أن وظيفة الدولة المسلمة في الأصل هي (إقامة الدين) كما قال تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال: ٣٩].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله) [البخاري: ١٢٣].
وإقامة الدين تتضمن: هيمنة الشريعة، ونشر العدل، وحفظ حقوق الناس، وحماية كرامة المسلم، وحفظ الحريات الشرعية.
يقول الماوردي في مفتتح كتابه (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) [الأحكام السلطانية: ١٥].
ويوضح ابن خلدون خاصية الإلزام في وظيفة الدولة أثناء قيامها بتطبيق الشريعة حيث يقول:
(الخلافة: هي حمل الكِفافة على مقتضى النظر الشرعي، في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة) [المقدمة: ٢٣٩].
ويوضح ابن تيمية علاقة الدين بالدنيا في السياسة الشرعية فيقول:
(المقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق، الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم) [السياسة الشرعية: ٢١].
وتلاحظ هذا التطابق العجيب بين ابن خلدون وابن تيمية في التأكيد على وسيلية الدنيا وغائية الآخرة في وظيفة الدولة.
ويصل الشاطبي بالأمر إلى نهايته حيث يقول (فالشرّف إذاً إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة) [الاعتصام: ٨٥٥]
فهيمنة الشريعة وتطبيقها (بمعناها الشامل) شديد الحضور في تفكير الفقهاء وهم يتحدثون عن السياسة الشرعية، ونصوص الفقهاء كثيرة في هذا الصدد، ولكني سأخرج الآن عن المدونة التراثية، وسأنقل نصاً لشاهد من الخارج، فيه طرافة في كيفية قراءته لرؤية الفقهاء للدولة المسلمة، وهو المفكر الماركسي المعروف عبدالله العروي، حيث يقول في دراسته عن مفهوم الدولة:
(لنفتح كتاب ابن تيمية “السياسة الشرعية”، فأول ما يلفت نظرنا هو أن المؤلف لا يتكلم عن الخلافة، بقدر ما يهتم بشيء واحد، هو تطبيق الشرع، يعني بالدولة الإسلامية “دولة الشرع” ولا شيء سواها، إن الفقيه هو بالتعريف: من يتوق إلى تطبيق الشرع على الواقع) [مفهوم الدولة: ١٠١].
هذا المفكر الماركسي لم تخطئ عينه شدة حضور “تطبيق الشريعة” في تفكير فقهاء الإسلام، لكنه لا يعرف طبعاً لماذا؟ لأنه لم يوقر آيات الحكم بما أنزل الله حق توقيرها، والحمد لله على العافية.
حسنًا .. ما سبق كان استعراضاً لبعض أحكام الدائرة السياسية المنصوصة، لنلق الآن نظرة على بعض أحكام الدائرة السياسية المفوضة، المنوطة بالشروط الجعلية في عقد البيعة، كما سبق بيان، فمن ذلك: