مفاتيح السياسة الشرعية
الدائرة المنصوصة: الإمامة والولاية عقد سياسي شرعي
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
تنقسم السياسة الشرعية إلى مجالين أو دائرتين: دائرة (السياسة المنصوصة)، ودائرة (السياسة المفوضة للأمة)، سنبدأ هاهنا في استعراض السياسة المنصوصة ثم نستعرض السياسة المفوضة للأمة.
الإمامة والولاية عقد سياسي شرعي
الأصل الأعظم الذي ترد إليه مسائل السياسة الشرعية كلها، وهو مدار السياسة الشرعية حقاً، هو (التكييف الفقهي للولاية والإمامة)، وخلاصة هذا التكييف أن الإمامة والولاية والبيعة (عقد سياسي شرعي)، وهذا التكييف تواطأ عليه فقهاء المسلمين، وقد نص على ذلك الماوردي في موضعين من كتابه حيث قال (الإمامة عقد) [الأحكام السلطانية: ٢٨، ٣٠].
ولما تحدث الإمام ابن تيمية عن أمثلة العقود قال (شروط البيوع، والهبات، والوقوف، والنذور؛ وعقود البيعة للأئمة) [الفتاوى، ٣٥/٩٨]. فاعتبر رحمه الله الإمامة “عقداً”، ونقل هذا التكييف -أيضاً- القرافي في الذخيرة (١٠/٢٧) والقلقشندي في مآثر الإنافة (١/٤٨).
ولذلك استعير للعقد السياسي لفظ (البيعة) كما استعير للعقود التجارية لفظ (البيع)، لأنها كلها عقود يمد فيها أحد المتعاقدين باعه للآخر، كما قال الله (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ) [الفتح، ١٠].
وتجد الفقهاء في كتبهم يسمونه عقد فيقولون (عقد الإمامة) و (عقد الولاية) ونحوها، ويستعملون في معالجة مسائله ألفاظ العقود نفسها فيقولون (تنعقد الإمامة بكذا، ولا تنعقد بكذا) الخ، كما يستعملون في زوال عقد الإمامة ذات المصطلحات التي يستعملونها في ألفاظ العقود الأخرى كالفسخ والإقالة، ونحوها، كما قال ابوبكر (أقيلوني، أقيلوني)، وكما بوب البخاري في صحيحه قائلاً (باب من بايع ثم استقال البيعة)، فلاحظ كيف استعمل مصطلح (الإقالة) المستعمل في بقية العقود الشرعية، بل إن الفقهاء استعملوا لمن يعقد البيعة ويحلها مصطلحاً مسبوكاً من لفظ العقود نفسها فسموهم (أهل الحل والعقد) أي الذين يحلون ويعقدون العقد.
وهذا التكييف للإمامة والولاية والبيعة بأنها “عقد” هو تكييف عظيم له آثار جوهرية بليغة، فمعنى كونه عقداً أنه يجري فيه ما يجري في العقود الشرعية، من أركان كالعاقدين والصيغة، والشروط بقسميها: الشروط الشرعية (المشترطة من أصل الشرع) والشروط الجعلية (التي يضيفها العاقدون).
فأما (الشروط الشرعية) التي اشترطها الشارع ذاته فمثل الإسلام والعدالة والعقل والرشد ونحوها. وأما (الشروط الجعلية) التي يحق للأمة أن تشترطها في البيعة فهي كل ما يحقق مصلحة لها، وسنذكر أمثلة متعددة على الشروط الجعلية في الولاية إذا أتينا لاستعراض الدائرة المفوضة للأمة.