مفاتيح السياسة الشرعية
الانعقاد والاستحقاق وشورى التولية والتدبير
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
يخلط كثير من الناس في كلام أهل العلم الذي يذكرونه في موضوع التغلب، فيظن أهل العلم يشرعون التغلب ابتداءً، وأنه هو الصورة المشروعة.
كما يخلط آخرون في موضوع (شورى أهل الحل والعقد) أو (أهل الشوكة) فيظن أهل العلم يحصرون الشورى في طائفة معينة من الأمة.
وهذان التصوران الخاطئان من أحسن ما يوضحهما هو قاعدة (التمييز بين الانعقاد والاستحقاق)، أي انعقاد الولاية، واستحقاق الولاية.
فالانعقاد أقل من الاستحقاق، والاستحقاق يشمل الانعقاد وزيادة، والاستحقاق هو الصورة الأكمل في السياسة الشرعية، وهو الصورة الشرعية للولاية.
والاستحقاق اعتبروا فيه شورى (جميع أو أغلب) المسلمين، ولم يجعلوا الشورى فيه خاصة بطائفة معينة من الأمة، كما لم يجعلوا التغلب من مصادر الاستحقاق.
وسأنقل نصاً ثميناً لابن تيمية يوضح هذه المسألة، يقول ابن تيمية:
(الإجماع على الإمامة: إن أريد به الإجماع الذي “ينعقد” به الإمامة، فهذا يعتبر فيه موافقة أهل الشوكة بحيث يكون متمكناً بهم من تنفيذ مقاصد الإمامة، حتى إذا كان رؤوس الشوكة عدداً قليلاً، ومن سواهم موافق لهم؛ حصلت الإمامة بمبايعتهم له، هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة وهو مذهب الأئمة كأحمد وغيره…، وإن أريد به الإجماع على “الاستحقاق والأولوية” فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما الجمهور) [منهاج السنة: ٨/٣٥٦]
يا لله العجب، ما أبدع هذا التحليل الفقهي، وكم تثيرني إمكانيات ابن تيمية في فرز الصور ونحت المفاهيم التي تستوعب خلاصة توازنات النصوص الشرعية، فبالله عليك لاحظ في هذا النص الذهبي كيف فرق بين (الانعقاد) وبين (الاستحقاق والأولوية)، وجعل الاستحقاق يعتبر فيه شورى الجميع أو الأغلبية، ولم يجعل الشوكة استحقاقاً.
فإذا حصل أن اختار جميع المسلمين أو أكثريتهم (مرشحاً) صار هو المستحق، وانعقدت له الولاية، فجمع (الانعقاد والاستحقاق) سوياً، أما إذا اختار أهل الشوكة (متغلباً) ولكن جمهور المسلمين لا يرضونه، لكن لا شوكة لهم، انعقدت الولاية للمتغلب، ووجب له الطاعة بالمعروف، وحرم الخروج عليه، لكنه غير مستحق لها، وهي محرمة عليه، والإثم فيها عليه.
والتفريق بين (الانعقاد) و (الاستحقاق) هو عينه تفريق أهل العلم بين (ولاية الاضطرار) و (ولاية الاختيار)، ولكنه أضاف له عناصر أخرى، وهي ربطه بين الاستحقاق والأغلبية.
وهذه القاعدة العظيمة تثمر للباحث أمرين: الأول هو أن الأصل في الشورى أن تكون عامة في المسلمين أو جمهورهم، كما قال ابن تيمية (وإن أريد به الإجماع على “الاستحقاق والأولوية” فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما الجمهور) [منهاج السنة: ٨/٣٥٦].
والأمر الثاني التمييز في الأنظمة غير المشروعة بين الإنشاء والمشاركة، وسنوضح هذا في فقرة قادمة.
التمييز بين شورى التولية وشورى التدبير
قابلت كثيراً من المعنيين بالتغيير السياسي، وكنت إذا قلت لهم: (الشريعة قررت الشورى في اختيار ولي الأمر) قالوا لي فوراً: (ولكن الشورى عند الفقهاء فيها خلاف هل هي معلمة أم ملزمة؟ فما فائدة الشورى إذن؟).
ثم رأيت عدداً من الفضلاء يحاول إقناع المتطلعين السياسيين بالحماس والمبالغة في إثبات أن الشورى ملزمة، ويحاول أن ينتقص من قول الفقهاء الذين تبنوا أن الشورى معلمة لا ملزمة، إمعاناً في إثبات لزومية الشورى، ورغبة في استمالة الديمقراطيين.
والحقيقة المؤلمة أن كلا الفريقين لم يفهم موضع خلاف الفقهاء، ولا في أي دائرة يتحرك هؤلاء الفقهاء، ولا أخفي القارئ أنني أشعر بطرافة الموقف دوماً حين أرى الانفعال في مناقشة مسألة (الشورى معلمة أم ملزمة) برغم أن هذه المسألة لا صلة لها أصلاً بالمسألة التي تعنيهم.
وحقيقة الأمر أن الفقهاء يفرقون بين (شورى التولية) و (شورى التدبير)، فأما شورى التولية وهي التي يحصل فيها اختيار المسلمين ورضاهم لإمام بعينه، فهذه لم ينبس فقيه واحد بكونها معلمة، وليست هذه هي التي تكلموا فيها، بل إن الفقهاء يتغالون بتشديد التحريم في مخالفتها، بل ويعتبرون مخالفتها خروج ومعصية عن بيعة المسلمين ورضاهم، بل جاءت أحاديث ليس بتحريم مخالفة شورى التولية فقط، بل وصل الأمر إلى “قتل” من يخالف شورى التولية، ومن ذلك ما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما) [مسلم: ١٨٥٤]
وفي الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) [مسلم: ١٨٤٤].
فانظر إلى حزم الشريعة في (شورى التولية) فليس يحرم فقط مخالفتها، بل يصل الأمر لقتل من يخالف بيعة المسلمين ورضاهم واختيارهم، ولا يخالف في التشديد في ذلك أحد من فقهاء المسلمين، ولا أعرف فقيهاً، بل ولا نصف فقيه، قال أن شورى التولية معلمة لا ملزمة، هذا كله من تصورات بعض المعاصرين السطحية، فليس في شورى التولية خلاف، ولا حاجة للحماس لإثبات اللزوم في خلاف الفقهاء في الشورى، لأنهم لا يتحدثون عن (شورى التولية) أصلاً.
وفي الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان) [مسلم: ١٨٥٢]
وفي الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه) [مسلم: ١٨٥٢]
وهذه الصورة في غاية الوضوح في النصوص الشرعية، وهي احترام اختيار المسلمين بحسب الترتيب الزمني، ولذلك في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (‘سيكون خلفاء فيكثرون’ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ‘فوا ببيعة الأول فالأول’) [البخاري: ٣٤٥٥].
وقد تواطأ أهل العلم على نقل الإجماع على ذلك، فمن ذلك قول ابن حزم (وقد أجمع أهل الإسلام حينئذ على أنه إن بويع أحدهم فهو الإمام الواجبة طاعته) [الفصل: ٤/١٢٧].
هذا هو المستوى الأول للشورى، وهو (شورى التولية) الذي لم يختلف الفقهاء في التغليظ في شأنه، وجاءت النصوص بالأمر بقتل من يشق اختيار المسلمين وشوراهم ورضاهم، وجعلت الأولوية للترتيب الزمني في ثبوت الاختيار والرضا.
وأما المستوى الثاني للشورى فهو (شورى التدبير) وهو أنه إذا ثبتت الإمامة واستقرت واختار المسلمون إماماً لهم، فهل يلزم هذا الإمام المختار، في تدبيره لشؤون الولاية؛ أن يأخذ بحصيلة مشاورة الناس، أم يشاور الناس ويختار من آرائهم؟ هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء، فاختار بعض الفقهاء أن شورى التدبير (ملزمة) ونقل أقوالهم القرطبي في تفسير آل عمران (آية ١٥٩) واحتجوا بعمومات نصوص الأمر بالشورى، وذهب الفريق الثاني، وهم جمهور أهل العلم أن شورى التدبير (معلمة)، واحتجوا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- خالف رأي الأكثرية يوم الحديبية، وأن أبا بكر خالف رأي الأكثرية في إنفاذ جيش أسامة، وأن عمر خالف رأي الجيش في تقسيم أرض السواد.
وحاول شيخ الإسلام ابن تيمية أن يتوسط بين القولين في شورى التدبير، ففرق بين ما ظهر فيه النص بعد الشورى، وما لم يظهر، فقال في كتابه السياسة الشرعية:
(وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك…، وإن كان أمراً قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه، ووجه رأيه، فأي الرأي كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به، كما قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [السياسة الشرعية: ١٢٦].
مع التنبيه طبعاً إلى أن الفقهاء يفرقون بين وجوب الشورى ولزومها، ويحتاج هذا تحرير أقوالهم، فبعضهم يرى الوجوب لا اللزوم، فنسب قوله بالوجوب إلى اللزوم، وهذا خطأ.
والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن تحقيق القول في شورى التدبير هل هي معلمة أم ملزمة؟ أنها منوطة بالشروط الجعلية في الإمامة، لأن الإمامة عقد، وإعلام شورى التدبير وإلزامها مفوض للأمة، فإن اختارت الإمام وبايعته ببيعة مطلقة ولم تقيد تصرفاته فالشورى معلمة لأنه اختيار الأمة، وإن قيدت تصرفاته فاشترطت عليه مثلاً أن يشاور الأمة، أو ممثليها، في قرارات الحرب والصلح وصفقات الاستيراد الكبرى ونحوها، فإن إمامته تتقيد بذلك، وتصبح الشورى هاهنا ملزمة، لأن عقد الإمامة تقيد بها، ولا يظهر لي أن الشارع حسم القول في الشورى هل هي ملزمة أم معلمة، بل وكل ذلك وفوضه لاختيار الأمة.
على أية حال .. المهم هاهنا فرز صور المسائل، وكشف الالتباس الذي وقع فيه كثير من المعاصرين، حين حملوا الخلاف في الشورى (هل هي معلمة أم ملزمة) على شورى التولية، وحملوا الفقهاء آراء لم تخطر ببالهم، وسبب الخلل في ظني أن أهل العلم يقل استعمالهم لمصطلح الشورى إذا تعرضوا لموضوع التولية والإمامة، ويكثرون استعمال ألفاظ البيعة والاختيار والانعقاد ونحوها، بينما يكثرون من استعمال لفظ الشورى إذا تعرضوا لشورى التدبير، بينما المعاصرون فبمجرد أن يسمعوا كلمة الشورى فلا يخطر ببالهم إلا شورى التولية، بسبب كثرة استعمالها في هذا المقام الذي استجلبه المقارنة مع النظام الديمقراطي، فبسبب اختلاف الاستعمال، صار كثير من المعاصرين يحمل خلاف الفقهاء في شورى التدبير على شورى التولية، ولا يسبق لأذهانهم إلا شورى التولية التي يعرفونها ويتداولونها بكثرة.
على أن مسألة شورى التدبير ليست ذات خطر كبير، لأن الجرح النازف في واقع المسلمين السياسي هو (شورى التولية)، وهو الذي إذا صلح صلح ما بعده بإذن الله، وما هو لصيق الصلة بذلك أن الرئيس في النظم الرئاسية الديمقراطية المعاصرة يمتلك صلاحيات واسعة، ولا يلتزم بمشاورة مؤسسات الدولة في كثير من الأمور، بخلاف الرئيس في النظم البرلمانية فإن صلاحياته أكثر تقييداً.
لا شورى في المنصوص
من أصول السياسة الشرعية أنه لا تصويت ولا تخيير في الأحكام المنصوصة، وقد تتابع أهل العلم على تأكيد ذلك، قال الجصاص الحنفي:
(لا بد من أن تكون مشاورة النبي -صلى الله عليه وسلم- إياهم فيما لا نص فيه، إذ غير جائز أن يشاورهم في المنصوصات، ولا يقول لهم ما رأيكم في الظهر والعصر والزكاة وصيام رمضان؟) [تفسير الجصاص: ٢/٣٣٠].
وقال الإمام ابن عطية المالكي:
(ومشاورته -عليه السلام- إنما هي في أمور الحروب والبعوث، ونحوه من أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع) [المحرر الوجيز: ١/٤٣٥].
وقال الرازي الشافعي:
(المسألة الثالثة: اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس) [مفاتيح الغيب: ٩/٤٠٩].
فيكون مجال الشورى هو أولاً وقبل كل شيء (انتخاب رئيس الدولة المسلمة) ثم يعين في عقد البيعة، أو تفوض الأمة ممثليها لرسم حدود ومجالات شورى التدبير، وما هي صلاحيات الرئيس المفوضة، وصلاحيات الرئيس المقيدة بشورى الأمة أو ممثليها، كالقرارات المصيرية في الحرب والصلح وإدارة الاقتصاد ونحوها.